عدن.. لا تبقى بقرة حلوبا لصنعاء

العودة إلى دولة الجنوب، لا تعني حكم الحزب الواحد، فالحزب الاشتراكي اليمني لم يعد القوة الحاسمة، وإن كان العديد من عناصر الحراك الجنوبي، كانوا محسوبين على الحزب.
الجمعة 2019/08/23
أكذوبة وحدة التراب اليمني

عندما كان عمر الجاوي، رئيس اتحاد أدباء اليمن الأسبق، والمتوفى سنة 1997، رافعا شعار الوحدة اليمنية، والمتبني لوحدة الأدباء بين الشمال والجنوب، ليس بعيدا ممّا مارسه الحزب الاشتراكي اليمني، في توحيد كيانه، والرجل كان منتميا إلى الفكر الاشتراكي من دون تنظيم، لكن مقر الاتحاد ومجلته “الحكمة” كانا بعدن في أغلب الوقت. غير أن عمر الجاوي نفسه اعتبر هذه الحرب الأخطر على الوحدة اليمنية، وذلك بعد حرب 1994 التي اجتاح بها علي عبد الله صالح، وبآلته من بعض الضباط الجنوبيين، وفي مقدمتهم عبدربه منصور هادي، والثمن كان إسناد وزارة الدفاع إليه لوقت قصير.

كان الحزب الاشتراكي اليمني واتحاد أدباء اليمن يمارسان الوحدة كحلم غير مستند إلى واقع، أما علي عبدالله صالح والإخوان المسلمون المتمثلون بحزب الإصلاح، كانوا يمارسونها بمصلحة ضيقة، لا بهدف سامٍ، لووا لها أعناق التاريخ، حتى تخيلوا أن اليمن من أقصى صعدة شمالا إلى أقصى عدن جنوبا، كان تحت حكم واحد، فتم الانفصال، وهذا ما لا يستطيع مؤرخ، حتى ممن تعصبوا للوحدة تأكيده.

إن المصلحة التي كشر عن أنيابه لها القادة الشماليون، من حزب المؤتمر الشعبي (علي عبدالله صالح)، وحزب الإصلاح المتمثل فيه الإخوان المسلمون والقبائل (الزنداني والأحمر) هي أن تصبح عدن بقرة حلوبا، بثرواتها الموعودة وساحلها الطويل، الممتد من عدن حتى حضرموت، وبشساعة أرضها قياسا بقلة السُّكان. غير أن هؤلاء لم ينتظروا زمنا معقولا، كي يعلنوا عن هذه المصلحة، يكفي لطمأنة عدن ومحافظاتها الخمس، ويمارسوا الوحدة لا الاستلاب والنهب، وإنما كشفوا عن هذه الغاية في الأسبوع الأول.

صنعاء وملحقاتها، وخلال نحو أربعين عاما، لم يضع علي عبدالله صالح فيها لبنة واحدة لتأسيس دولة، إنما ظل يحكم كيانات، يضرب الشمال باليمين، مرة مع القاعدة وأخرى مع الحوثيين

منذ 1994، حيث حرب اجتياح عدن، والفتوى التي أصدرها رجال الدين الشماليون، ضد المجتمع الجنوبي، أكدت لأهل الجنوب أن مسألة الوحدة مجرد احتيال من قِبل الشمال وسذاجة من قِبل الجنوب. بل إنه في يوم ما كانت القوى القبلية والإسلامية ضد أي تقارب بين صنعاء وعدن، وبهذا السبب أنهى حكم الرئيس إبراهيم الحمدي، والذي شارك في الانقلاب عليه وقتله علي عبدالله صالح نفسه، وكان حكما وطنيا، وإضعاف القبيلة من أول طموحاته، وطريقة القتل مشهورة داخل اليمن، بادّعاء تطبيق الشريعة فيه بتهمة الزنا، فتسلموا السلطة وانتهى حكم الغشمي ليصل إلى علي عبدالله صالح.

بعد الآلام والمآسي التي ذاقها سكان عدن وبقية دولة اليمن الجنوبية من الحكم في صنعاء، أن يقتنعوا بالوحدة ثانية، أو أن يُسخر منهم بأكذوبة وحدة التراب اليمني، وهو لم يكن موحدا في يوم من الأيام.

إن العودة إلى دولة الجنوب، لا تعني حكم الحزب الواحد، فالحزب الاشتراكي اليمني لم يعد القوة الحاسمة، وإن كان العديد من عناصر الحراك الجنوبي، أو ما يُسمى اليوم بالمجلس الانتقالي، كانوا محسوبين على الحزب، يوم كان يحكم الجنوب، لكن الزمن تغير، وعدن وبقية المحافظات كانت الأوفر حظا مع الديمقراطية والمجتمع المدني.

أما صنعاء وملحقاتها فخلال نحو أربعين عاما، لم يضع علي عبدالله صالح فيها لبنة واحدة لتأسيس دولة، إنما ظل يحكم كيانات، يضرب الشمال باليمين، مرة مع القاعدة وأخرى مع الحوثيين. وبعد هذا، فما هي مصلحة عدن والجنوب كافة أن يبقيا بقرة حلوبا لصنعاء!

7