عدوانية الزوج مردها شعوره بالعجز عن السيطرة على زوجته

توصلت دراسة حديثة محورها العنف المسلط ضد الزوجة من خلال شرح لمختلف وجهات نظر الأزواج الذين مارسوا هذا العنف إلى أن النساء يعشن في العصر الراهن ويرغبن في التمتع بكل ما يوفره من امتيازات أحدثت تغيرا في أحوالهن، فيما المعنفون الرجال متشبثون بـ”الزمن الجميل” الذي كان فيه الرجال، لأنهم ذكور، قوّامون ورؤساء على النساء.
الجمعة 2016/10/07
النساء ماعاد ينقصهن الدعم العاطفي والمادي من ذويهن

بيروت- تطرّقت الباحثة اللبنانية عزة شرارة بيضون في دراسة أصدرتها في كتاب يحمل عنوان “العنف الأسري رجال يتكلمون” إلى معرفة وجهة نظر الرجال الذين مارسوا العنف ضد زوجاتهم. وشملت الدراسة 11 رجلا تم توزيعهم إلى فئتين، ضمت الفئة الأولى 9 رجال البعض منهم تلقوا أحكاما بوجوب عدم التعرض لزوجاتهم، في حين نال بعضهم الآخر حكما بوجوب الخضوع لجلسات تأهيلية برعاية منظمة غير حكومية. أما الفئة الثانية، فتضمنت رجلين لم يتعرضا لأي شكوى، بل تقدّما طوعا للعلاج النفسي رغبة منهما في التخلص من سلوكهما العدواني.

وأظهرت الدراسة أن الرجال المشاركين يختلفون في جميع سماتهم بدءا بالعمر والمنطقة التي يقطنونها، مرورا بالدين وسنّ الزواج، وصولا إلى المستوى التعليمي، وهو ما يؤكد أن العنف ليس كما يشاع مرتبطا بالأشخاص الأقل تعليما أو بالطائفة المسلمة أو بالمناطق النائية. وقالت إنه “على الرغم من أن الرجال راشدون إلا أنهم لم يطوّروا وسائل تفاوض خاصة بهم، بل إنهم يلجأون أحيانا إلى ممارسة العنف ضد زوجاتهم”. وأضافت أن “زوجاتهم لم يتعوّدن على العنف ولا يبدين استعدادا للتأقلم معه”.

وأوضحت بيضون، بخصوص الادعاء القائم والذي يرى أن الدين الإسلامي هو عكس الدين المسيحي يشرّع العنف ضد الزوجة ويسوّغه بشروط، أن “هذا الأمر لا أساس له في العينة المختارة”. وأكدت أن الأزواج من كلّ الملل والمذاهب قد يكونون معنّفين، مبيّنة أن تعنيف الزوج لزوجته لا علاقة له بانتمائه المذهبي وقد يقع داخل الأسرة نفسها، سواء كانت أصول الزوجين من المنطقة نفسها أو من منطقتين مختلفتين، وسواء كانا من الطائفة نفسها أو من طائفتين مختلفتين.

كما نبّهت بيضون إلى أن الشائع هو أنّ تعنيف الزوجة يقتصر على الرجال الأقل تعلما ومن ينتمون إلى الطبقات الدنيا والمهن الوضيعة، وهو ما تنفيه الدراسة التي أظهرت وجود أكثر من حالة من فئة الرجال الحائزين على درجة علمية عليا أو وسطى أو من ذوي المهن العليا. ودحضت الدراسة كل ما يتردّد عن أنّ المرأة العاملة ذات مستوى تعليمي أعلى من زوجها، وأنها تعمد إلى معاملته بتعنّت وكثيرا ما “تستفزه”، ما يؤدي إلى حدوث عملية عنف بينهما، إذ تبيّن أن النساء اللواتي تعرضن للعنف في العيّنة نصفهن تقريبا ربات بيوت.

عزة شرارة بيضون: الرجال متشبثون بـ"الزمن الجميل" الذي كان فيه الرجال، قوامين على النساء

وتصف المعنّفات أنفسهن بالهشاشة وقلّة الحيلة ويعبّرن عن يأسهن و”غياب ثقتهن في قدراتهن على تحويل وجهة أقدراهن”، وفي المقابل يصف الرجال المتّهمون بممارسة العنف والمعترفون به زوجاتهم بأوصاف مختلفة كليا، فيتحدّثون عن “تمرّدهن” على قدرتهن الأنثوية وعن “شذوذهن” وعما يفترض أن تكون عليه الزوجة”.

كما ألقت الدراسة الضوء على الازدواجية في تعريف الاغتصاب الزوجي، وقالت إن رجال العينة لا يرون في إكراه زوجاتهم على الجماع اغتصابا، في حين تروي النساء “فظاعة الإكراه هذا”. وكشفت أن الزوجة المعنفة، وفق التبرير الذي يقدمه الزوج، تستحق العنف حين لا تستجيب إلى “تصوراته للأدوار التي يفترض أن تؤديها والسمات الأنثوية التي يتعيّن عليها أن تتحلى بها”، أي أن الرجال يتخوفون من خسارة لرجولتهم جرّاء “سلبهم سلطة التفرد في اتخاذ قرارات الأسرة”.

كما أشار الرجال الذين شملتهم الدراسة إلى أن ما يقع خارج دائرة الزوجين والأسرة، مثل الخلافات الطائفية والصراعات المادية مع التشديد على نزعة الزوجة الاستهلاكية بغرض الاستعراض، إضافة إلى أن تطفّل المنظمة غير الحكومية (التي خوّلتها الدولة لرعاية تنفيذ القانون 293-2014) وأجهزة الدولة، القانونية والأمنية، عليهم، كل ذلك يعد سببا في إذكاء النزاعات بينهم وبين زوجاتهم، كما اعتبروا ذلك مبررا لسلوكهم العدواني.

وقالت الباحثة إنهم يبررون عنفهم بأنه رد على عنف باشرته الزوجة. وأوضحت أنه “في معظم الروايات يبدو العنف وكأنه خارج عن سيطرة المعنّف، أي أنه مدفوع بآلية مستقلّة عن فاعله. هو يقع على الزوجة تماما كما يحدث للرجل؛ بل إن الزوجة تستدعيه، فلا يعدو الرجل أن يكون مستجيبا على نحوٍ قهري”. وأضافت “يُلاحظ أن جميع من شملتهم الدراسة يحملون بدواخلهم خيبات عميقة تجاه زوجاتهم. حيث أن كلا منهم تزوّج امرأة ما لبثت أن انقلبت إلى “أخرى”، أو يعتقد أنه تزوّج امرأة لم تتشبّه الزوجة الواقعية. وبالتالي يحمّلون الزوجات مسؤولية اتجاهاتهم العنفية.

وعليه، يصف الأزواج زوجاتهم وفق تصورهم للأدوار الجندرية التي يتعيّن على المرأة تأديتها، فيعتبرون أن زوجتهم “ليست امرأة” لأنها “ربة منزل مهملة”، “باردة جنسيا”، “أم غير صالحة”.. أو أنها “الرجل في المنزل” في إشارة إلى سلب الرجل “حقه الطبيعي”، سلطة التفرّد باتخاذ القرارات، وبالتالي يتشكل لديه شعور بالتعدي على رجولته، ما يدفعه إلى العنف. وليبرر عنفه لنفسه أولا ولمجتمعه، يلجأ إلى إطلاق صفات سيئة على زوجته مثل الخيانة.

وخلصت الدراسة إلى تضمينات للتأهيل وفقا لفرضية أساسية “خلف تعنيف الأزواج لزوجاتهم أزمة في هوياتهم الجندرية”. ولا تتمثّل البعض من أسباب الأزمة التي تعصف بهذه الهويات فقط في “قصورهم على استيعاب الواقع الفعلي لزوجاتهم فحسب، وإنما أيضا في التصوّرات والاتجاهات التي يحملونها في أذهانهم والتي لا تتلاءم مع واقع المرأة الراهن. فهم غافلون عن تغيّر أحوال النساء. إذ بدا لنا أنهم غير مدركين لأن هؤلاء أصبحن يملكن الموارد المادية، وما عاد ينقصهن الدعم العاطفي والمادّي من ذويهن”.

وفي ختام بحثها توصلت بيضون إلى نتيجة مفادها أنّ “ما يحرّك سلوك الأزواج جميعا هو شعورهم بالعجز عن السيطرة على زوجاتهم وإدراكهم لضمور مواردهم التي تسمح لهم بإدارة أحوال أسرهم، وفق ما يشتهون”. وأضافت أن خضوع النساء لم يعد “من طبيعة الأمور”، وهذا ما يتجلّى في لجوئهن إلى التبليغ عن العنف لدى أجهزة الأمن والقضاء.

21