عدوانية تركيا تدفع فرنسا إلى رسم ملامح تقارب أقوى مع إيطاليا

فرنسا تسعى إلى القيام بـ"قرصة سياسية" ضد تركيا عبر تحشيد الدول الأوروبية بوجه الرئيس رجب طيب أردوغان من خلال الدعوة إلى "السلام المتوسطي".
السبت 2020/09/26
القطيعة مسألة وقت

تشير الكثير من الدلائل إلى أن مواجهة جيوسياسية يسودها الغضب سوف تتطور بين فرنسا وتركيا على وقع الخلافات العميقة بين الطرفين في ملفات مختلفة من أبرزها التوتر القائم في البحر المتوسط. لذلك تبدو باريس اليوم في أمس الحاجة إلى تقويض خطط أنقرة باستقطاب إيطاليا وجعلها في صفها رغم مصالحها في ليبيا، التي يريد الرئيس رجب طيب أردوغان أن يوسع نفوذه فيها مهما كلفه الثمن عبر التعاون مع روما في مجال الطاقة.

باريس- تلوح في أفق العلاقات الفرنسية التركية معركة مفتوحة على كافة السيناريوهات السياسية والدبلوماسية بسبب عدوانية أنقرة في التعاطي مع القضايا التي تهم العديد من دول البحر المتوسط رغم أن البعض يستبعد أن تتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين الدولتين في ظل عدم رغبة أي منهما في حدوث ذلك.

وبلغت الخصومة واستعراض القوة بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره التركي رجب طيب أردوغان في شرق المتوسط خلال الأسابيع القليلة الماضية مستوى لا مثيل له في العلاقات الثنائية آخذا الأوروبيين على حين غرة ومعززا في الوقت ذاته الخطاب المتشدد تجاه سياسات أنقرة.

وتحول النزاع التركي اليوناني بشأن احتياطات الغاز في البحر المتوسط على مدار الصيف إلى ملف فرنسي-تركي اتسع نطاقه على وقع إطلاق الإساءات اللفظية والاتهامات المتبادلة بين الطرفين، ومن الواضح أن الفرنسيين مصرون على إبطال مفعول سياسة أردوغان عبر رسم ملامح تقارب أقوى مع الإيطاليين، الذين لهم مصالح في ليبيا، كما هو الحال مع تركيا في ظل حكومة الوفاق الوطني بطرابلس.

ووضع الأكاديمي المحاضر بمعهد العلوم السياسية في باريس برتران بادي التصعيد الكلامي في الآونة الأخيرة بين الرجلين، اللذين صار كل واحد منهما أفضل خصم للآخر، في خانة الاستعراض، فبينما تحدث ماكرون عن مسؤولية تاريخية وإجرامية لأردوغان في ليبيا وعن سياسة توسعية في شرق المتوسط، وصف أردوغان خصمه بأنه صاحب “الأهداف الاستعمارية” و”غير الكفؤ” في مناقشة القضايا الاستراتيجية.

قرصة سياسية

تركيا

تسعى فرنسا إلى القيام بـ”قرصة سياسية” ضد تركيا بتحشيد دول الاتحاد الأوروبي بوجه أردوغان، حيث كان من المفترض أن يجتمع القادة الأوروبيون، باستثناء بريطانيا طبعا، الجمعة في المجلس الأوروبي من أجل التصويت على فرض عقوبات على أنقرة ولكن الاجتماع تأجل إلى نهاية هذا الشهر بسبب ظروف وباء كورونا.

ويتمحور موضوع الخلافات حول ما أعلنه الاتحاد الأوروبي بأن إجراءات أنقرة غير القانونية ضد اليونان وقبرص، وكلاهما عضو في الاتحاد الأوروبي، تمس من أعضاء التكتل وأن السياسات الاستفزازية التي تمارسها تركيا بإرسالها سفنا للتنقيب عن الغاز في السواحل الإقليمية لهذين البلدين.

ويقول ميشائيل تانشوم، أستاذ العلاقات الدولية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جامعة نافارا بإسبانيا، في تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي الأميركية إن التصويت ضد تركيا الأسبوع المقبل قد يجعل القطيعة دائمة وأن فكرة انضمام تركيا للاتحاد ستصبح سرابا بلا شك.

ولكن تانشوم، وهو زميل في المعهد النمساوي للدراسات الأوروبية والأمنية استدرك بالإشارة إلى أن نتيجة التصويت قد تتوقف على العقوبات على التردد الذي تشعر به إيطاليا منذ فترة طويلة.

وأوضح أنه في ظل تعقيدات الجغرافيا السياسية للبحر المتوسط، فإن مصالح الطاقة الإيطالية في ليبيا بدلا من استثماراتها الكبيرة في طاقة شرق المتوسط هي التي من المرجح أن تحدد اختيار روما.

وتم تجميد العلاقات المضطربة منذ العام 2018، عندما بدأت أنقرة دبلوماسيتها باستخدام الزوارق الحربية في شرق المتوسط. وفي ذلك الوقت، صوت المجلس على تجميد مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وعلق العمل على تحديث الاتحاد الجمركي للكتلة مع جارتها الشرقية.

وتشير استقالة رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني الليبية فايز السراج في منتصف سبتمبر الجاري إلى أن إيطاليا ربما وصلت إلى نقطة تحول في سياساتها وأن التوتر في المتوسط ربما يطرأ عليه تغيير كبير. ولكن لماذا تعتبر إيطاليا الدولة المتأرجحة في الاتحاد الأوروبي؟

تركيا

ومن أجل معاقبة تركيا، سيحتاج المجلس الأوروبي إلى الحصول على موافقة بالإجماع من جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والأصوات تعتبر الآن بعيدة كل البعد عن التأكيد إلا إذا تم إقناع الدول المترددة بجدوى “التضامن الأوروبي” بوجه مخططات أردوغان العدوانية.

وربما تكون فرنسا متمسكة بموقفها أكثر من أي وقت مضى، والدليل أنه في بداية سبتمبر الجاري، أعلن ماكرون أن تركيا تحت حكم أردوغان “لم تعد شريكا” في شرق البحر المتوسط، وحث أوروبا على التحدث بصوت أكثر اتحادا ووضوحا، وذلك لحشد دعم الاتحاد الأوروبي لليونان وقبرص.

وباستخدام لغته اللاتينية رفيعة المستوى، يقدم ماكرون لإيطاليا إعادة ضبط للسياسة الواقعية في لعبة البحر المتوسط من خلال عقد شراكة فرنسية إيطالية شاملة للسيطرة على المنطقة. وقد يكون هذا هو المنعطف الذي يمهد لحشر الأتراك في زاوية.

ويؤكد تانشوم أن الهدف الرئيسي لنصائح ماكرون هو إيطاليا، وهي المنافس الأوروبي التقليدي لفرنسا في البحر المتوسط، والتي كانت من بين أقوى المدافعين عن توثيق العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا خلال السنوات الماضية، ما جعل الاتحاد ينقسم على نفسه حول هذه النقطة رغم أن الأقلية لم تغير من رأي الأغلبية في شيء حتى الآن.

تباين المواقف

استعراض للقوة
استعراض للقوة

مع دعوة اليونان وقبرص وفرنسا لاتخاذ إجراءات قوية ضد تركيا بينما تعترض إيطاليا ومالطا وإسبانيا، ينقسم البحر المتوسط بالتساوي ولكن إذا تحولت إيطاليا نحو فرنسا، فمن المحتمل أن يتأرجح جنوب الاتحاد الأوروبي بأكمله لصالح شكل من أشكال العقوبات.

وسيكون الزخم في الاتحاد الأوروبي ككل عندئذ هو اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه تركيا وسياسات أردوغان ولهذه الغاية، دعا ماكرون إلى “السلام المتوسطي”، الذي تديره شراكة بين دول الاتحاد الأوروبي المتوسطية.

ويستدعي ذلك الأمر طرح تساؤل مهم من أجل تكوين جبهة متماسكة بوجه المطامع التركية يتمركز حول من الذي يضع قواعد اللعبة الكبرى في البحر الأبيض المتوسط؟

وبالنظر إلى تقاطع المصالح فإن المنطقة تضم أكبر أربع دول في حوض البحر المتوسط، وهي مصر وتركيا وفرنسا وإيطاليا، وهي أكثر من نصف سكان المنطقة وتحدد قواعد اللعبة الكبرى في البحر المتوسط.

وعلى الرغم من تدخلات الجهات الخارجية، منها روسيا، فإن التنافس بين الدول الأربع الكبرى في المتوسط للسيطرة على موارد الطاقة في المنطقة وطرق العبور التجارية هو ما يحدد الجغرافيا السياسية الإقليمية.

ويرى المحلل السياسي تانشوم أن المنافسة القوية بين القوى الأربع، التي تفخر أيضا بامتلاكها أقوى أربعة جيوش في البحر المتوسط لعبت في الغالب دورا مهما في الحرب الليبية، والتي حرضت على عقد شراكة مكونة من فرنسا ومصر ضد تركيا.

وليس من باب التضخيم القول إن فرنسا تعد واحدة من أكبر موردي الأسلحة لمصر، وقد تعاونت باريس سرا مع القاهرة لدعم الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر ضد حكومة الوفاق الوطني وميليشياتها المسلحة، التي تسيطر على غرب البلاد، التي تدعمها تركيا عسكريا وتدعمها إيطاليا.

تركيا

ويعد قرار إيطاليا بالانحياز إلى جانب حكومة الوفاق الوطني وتركيا جزءا من جهد أوسع لحماية مصالحها في مجال الطاقة في ليبيا والتركيز على حوض البحر المتوسط. وقد شهدت إعادة التوازن تلك أن الصادرات الإيطالية إلى أسواق المتوسط تفوق الصادرات إلى الولايات المتحدة والصين.

ومع ذلك، وعلى الرغم من التقدم التجاري لإيطاليا وقربها من الشواطئ الجنوبية للبحر المتوسط، فإن تطوير البلاد للأسواق في شمال أفريقيا كان مقيدا بنفوذ فرنسا الكبير.

وحتى بعد أن أعاد ماكرون ترتيب أولويات السياسة الخارجية الفرنسية ما أدى في النهاية إلى إطلاقه دعوات السلام المتوسطي، كانت باريس غير مستعدة لتقريب العلاقات بينها وبين روما.

ولكن تواجد تركيا المتزايد في شرق المتوسط وليبيا غيّر حسابات باريس الاستراتيجية، وقد يجعل روما تفكر مرتين في توافقها مع أنقرة مما يوفر زخما لتقارب فرنسي إيطالي شامل.

7