عدوى استهداف اللاجئين السوريين تمتد إلى مصر

المحامي سمير صبري يقدر حجم أموال رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال السوريين في مصر بـ23 مليار دولار.
الأربعاء 2019/06/12
السوريون ينتشرون في أنحاء مختلفة بمصر

القاهرة – تفاعلت تصريحات متباينة حول أوضاع السوريين في مصر مع الحالة الإقليمية، ونسب كلام لقيادي سابق في الجماعة الإسلامية ربط استثماراتهم بخدمة أهداف لجماعات إسلامية متطرفة في المنطقة، ودخل محام معروف عنه قربه من الحكومة المصرية على الخط ورفع دعوى قضائية تطالب بوضع مشروعات السوريين تحت رقابة قانونية صارمة.

وأثار كلام القيادي السابق في الجماعة الإسلامية نبيل نعيم ضجة في الشارع المصري خلال الأيام الأخيرة، وانقسم المواطنون بين مؤيدين ومعارضين للوجود السوري، بعدما اتخذ الربط الذي قام به البعض بين نشاطهم الاقتصادي وعمليات غسيل أموال لصالح جماعات إرهابية مساحة كبيرة من الاهتمام.

وتقدم المحامي المصري سمير صبري بمذكرة إلى النائب العام، الأحد، يطالبه فيها بالكشف عن مصادر أموال السوريين الوافدين، وزعم أنهم “أشاعوا ثقافة استهلاكية مبالغا فيها بين المصريين، وحولوا بعض ضواحي القاهرة إلى مدن سورية من حيث نمط الحياة”.

وحرص قطاع كبير من السوريين المقيمين في مصر على الابتعاد عن دائرة السياسة، لكن لم ينج بعضهم من اتهامات بالوقوف مع جماعة الإخوان أثناء اعتصامها في ميداني “رابعة العدوية” و”النهضة” بالقاهرة، بعد ثورة 30 يونيو 2013، التي أزاحت الإخوان عن الحكم.

ودخل سوريون مجال الاقتصاد في مصر من بوابة المقاهي والمطاعم، ونجحوا في الدخول إلى قطاع التصنيع، وامتلكوا استثمارات في صناعة الأخشاب والغزل والنسيج وتجارة الأراضي والعقارات، وحققوا سمعة طيبة في قطاع الخدمات.

وقال محمد شاكر، رئيس التيار العربي المستقل في سوريا، لـ”العرب” إن غالبية الاستثمارات السورية في مصر يقف وراءها رجال أعمال من حلب وليست لديهم انتماءات سياسية، وهم يقفون على الحياد بين المعارضة والنظام السوري، وهمهم الحفاظ على رؤوس أموالهم وتنميتها، وبعضهم لديه استثمارات في البلدين ويتحرك بينهما دون عوائق في التنقل.

ورغم تأكيد نبيل نعيم أن معلوماته مصدرها نقاشات خاضها، على هامش أحد المؤتمرات في بيروت منذ عامين بحضور مفتي سوريا، وبعض العلماء المحسوبين على النظام في دمشق، إلا أن كلماته فجرت تساؤلات حول دلالات التوقيت ومدى تماشيه مع سياق إقليمي يسير في اتجاه الحض على عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم.

ويتعرض اللاجئون السوريون لحملة شرسة في لبنان، اتخذت في الفترة الأخيرة أبعادا مختلفة بين عمليات طرد جماعي في مناطق عدة (دير الأحمر من محافظة بعلبك)، وإغلاق محال تجارية للعديد منهم، فضلا عن التضييقات الأمنية حيث يسجل تواتر لعمليات الاعتقال في صفوفهم وسط صمت دولي مريب.

وأشار مدير المركز الروسي لشؤون إدارة الدفاع ميخائيل ميزينتسيف خلال اجتماع روسي- سوري مشترك لبحث شؤون اللاجئين، الاثنين، إلى أن أكثر من 256 ألف لاجئ سوري عادوا إلى ديارهم عبر الحدود مع لبنان والأردن.

وأوضح شاكر أن عدد رجال الأعمال السوريين القادمين من حلب وحدها إلى مصر يقدر بقرابة 12 ألف مستثمر، نقلوا أعمالهم بعد اقتحام المدينة من قبل جماعات متطرفة ونهب قرابة 3 آلاف مؤسسة إنتاجية وبيع معداتها، ويعيشون حاليا حالة من القلق بسبب الحملات التي تربط استثماراتهم بجماعات متطرفة.

بحث عن الاندماج
بحث عن الاندماج

وأطلق مصريون هاشتاغ “السوريين منورين مصر”، وانضم إليه عدد كبير من مشاهير الفن والثقافة، أكدوا من خلاله الحرص على وحدة المصير المشترك والترحيب بالمزيد من الاستثمارات في مصر.

وكشفت التطورات أن هناك احتقانات خفية لأسباب اقتصادية بدأت تظهر، وجلها تحمل ضغينة من النجاحات التي حققها السوريون في سوق العمل المصري، ومنافستهم المنتجين والعمال المحليين.

وأوضح مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، حسن أبوطالب، أن الحكومة المصرية لديها موقف واضح من التعامل مع اللاجئين، ومنحهم حرية النشاط الاقتصادي بما لا يخل بالقوانين ومناخ الاستثمار، وتفضّل السوريين والسودانيين بالذات على غيرهم، بما يتنافي مع أي فرضية تزعم
بوجود موقف رسمي مؤيد لفكرة التضييق.

وجاء الجدل حول وضع السوريين في مصر في سياقات إقليمية بعدما أوشكت الأزمة السورية على تسويتها لصالح الرئيس بشار الأسد، الذي بات يسيطر على معظم المناطق، وجدد أكثر من مرة دعوته النازحين السوريين إلى العودة قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.

حسن أبوطالب: رجال أعمال محليون قد يكونون وراء الحملة على السوريين في مصر
حسن أبوطالب: رجال أعمال محليون قد يكونون وراء الحملة على السوريين في مصر

وأطلقت وزارة العمل اللبنانية أخيرًا، خطة عمل متكاملة لمكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية، وأعطت العمال الأجانب مهلة شهر لتنظيم أوراقهم قبل إطلاق حملات التفتيش بالتعاون مع الأجهزة الأمنية.

وأكد جبران باسيل وزير الخارجية اللبناني أن “الحملة تدافع عن اليد العاملة اللبنانية بوجه عام ضد أي يد عاملة أخرى، أكانت سورية أم فلسطينية أم فرنسية أم إيرانية أم أميركية”.

وأشار أبوطالب لـ”العرب”، إلى أن الحالة اللبنانية في التعامل مع السوريين لها اعتبارات خاصة مختلفة عن مصر، حيث ربطت البلدين وحدة سياسية في خمسينات القرن الماضي، ولدى بعض القوى اللبنانية حساسية قديمة تجاه أدوار دمشق في أزمات لبنان.

وتحول أكثر من مليون سوري في تركيا إلى ورقة ضغط وصراع بين حزب العدالة والتنمية الحاكم والمعارضة التي تطالب بعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، عازفة على وتر القومية لكسب أصوات الناخبين، واتهامهم بالتأثير على سوق العمل المحلية.

ويرى سياسيون أن وضع السوريين بمصر مختلف عن نظام المخيمات في دول أخرى، الذي يجبرهم على العودة، لذلك فإن أنشطتهم الاقتصادية في مصر لن تنتهي، وقد تتحول إلى فروع إقليمية حال وصول سوريا إلى الاستقرار التام على الصعيدين السياسي والأمني.

ورغم عدم وجود تقارير رسمية لحجم استثمارات السوريين في معظم الدول التي نقلوا إليها استثماراتهم، قدر المحامي سمير صبري حجم أموال رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال السوريين في مصر بـ23 مليار دولار، وهو رقم اعتبره محللون غير دقيق، ولا يزيد الرقم الفعلي عن 2 مليار دولار.

ويقول متابعون في القاهرة لـ”العرب” إن النظام المصرفي في مصر شديد التعقيد ولا يسمح بدخول أموال من الخارج إلا بعد سلسلة من الإجراءات القانونية التي تتأكد من مشروعيتها وعدم ارتباطها بأنشطة إرهابية، وبالتالي يصبح الحديث عن إدخال السوريين أموالا غير مشروعة إساءة للأجهزة الرقابية في مصر.

ورجح حسن أبوطالب أن يكون رجال أعمال محليون وراء الحملة على السوريين في مصر، لأنهم المستفيد الأول من الهجوم عليهم، خاصة أن منتجاتهم تتسم بالجودة وانخفاض السعر وتتماشى مع الأذواق العامة للقطاعات صغيرة السن، وأوجدوا مناخا من المنافسة.

2