عدوى السحر الروائي

الاثنين 2014/06/09

كان رماده قد استقرّ في كأس حمراء عرضت على الجموع. غابرييل غارسيا ماركيز انتهى رمادا بعد أن وضع بين أيدينا نحن البشر الفانين مثله “مئة عام من العزلة”، لن يعيشها أحد منا، حتى لو كان ماركيز نفسه الذي توفي عن 87 سنة، عاشها في كل لحظة متمنيا لو أنه كان يستطيع العيش من غير كتابة.

“لو أنك تستطيع العيش من غيرها اتركها”، كان ينصح من يسأله عن الكتابة. هل كانت الكتابة مرضه؟ لم تكن الكتابة وصفة ناجحة إلا لمن أصيب بها. في ماكاندو وهي البلدة التي اخترعها ماركيز لتكون فضاء لأحداث روايته الأكثر شهرة “مئة عام من العزلة” كانت السماء تمطر باستمرار.

وهو ما جعل ذلك المطر يتسلل إلى أرواح قرائه، حتى وإن كانوا يقيمون في بلدان جافة. إنها عدوى السحر الروائي، وهي في حقيقتها عدوى شعرية، لن يكف لهاثها المضطرب عن صنع الطبيعة التي تناسبه، في الواقع كما في الأحلام التي تجاوره.

كان الرجل قد نشر واقعيته السحرية في جهات الأرض كلها، فترك في كل مكان رمزا يشير إليه. إنه الرمز الذي يدفع بأقدامنا كلما شعرنا بالحاجة إلى السير نحو ما نرغب في تخيله ليكون بديلا خياليا عن الواقع الصامت الذي نعيشه.

سيكون علينا أن نتخيل أن السماء تمطر حين نرغب في التخلص من جفاف عواطفنا. ماركيز كان يقيم في الصمت أيضا حين يكون الجنرال في متاهته، وما من أحد يكاتبه وحين يستذكر رواية كاواباتا الرائعة “الجميلات النائمات”، ليقرر النوم صامتا مع غانيته الحسناء.

رجل الكتابة كان قارئا أيضا، كان يزعجه أن الياباني كاواباتا كان قد كتب الرواية التي تمنى لو أنه كان كاتبها. وهو ما لم يمنعه من كتابة “غانياتي الحزينات”، وهو الكتاب الذي أعاده إلى مقاعد الدرس الكتابي. إنه يكتب من أجل أن يكون الآخر الذي يحبه؛ كان ماركيز أكبر من إرثه.

16