عدوى الكراهية

استخدام الآباء لإشارات تعبر عن الكراهية والرغبة في الانتقام تقود الأطفال إلى تعلّم شيطنة الأشخاص الذين ينخرطون في سلوكيات صنّفت من قبل آبائهم على أنها سيئة.
الجمعة 2019/09/06
دروس الحب أسهل بكثير من تعاليم الكراهية

كثيرة هي الدراسات التي بحثت في أسباب تنامي ثقافة الكراهية والعنف ضد الآخر في مجتمعات العالم، لكن من النادر أن ربطت تلك الدراسات بين الاستقطابات السياسية والدينية والعرقية للبيئات الأسرية والاجتماعية، وكيف يمكن أن تكون في معظمها دافعا لكي يطلق الناس العنان لأحقادهم ويقتلون بعضهم بكل وحشية وبرودة أعصاب.

السؤال الأكبر الذي يجب أن يطرحه الآباء والأمهات على أنفسهم هو: حينما يطرحون نكتا عنصرية أو يعبّرون عن أيديولوجياتهم التعصّبية، التي تحقر شخصيات معينة أو تميز البعض منها عن الآخر، هل يدركون العواقب الوخيمة المترتبة عمّا يقولونه أمام أبنائهم الصغار؟

من الوجهة الظاهرية، تبدو سلوكيات وأفكار الآباء المتطرفة غير مؤثرة على أطفالهم الصغار، وبحكم صغر سنهم ربما لا يدركون ما يعني آباؤهم، غير أن أبحاثا في علم الوراثة السلوكية أجريت في ثمانينات القرن الماضي، أثبتت أن الجينات والبيئة الأسرية والاجتماعية تتداخل في ما بينها لتلعب جميعها دورا مهما في تبني الأشخاص لمشاعر التعصب والكراهية.

فإذا نظرنا مثلا إلى المجزرة التي ارتكبها النرويجي أنديرس بيهرينغ بريفيك عام 2011 وقتل فيها 68 شخصا أغلبهم من الأطفال، فإننا سنجدها عصية على التفسير إذا اعتبرنا أن دافعها فقط هو التعصب والكراهية، وتصبح أكثر صعوبة على التفسير إذا عرفنا أن بريفيك هو ابن دبلوماسي نرويجي عاش في فرنسا، ولا نجد غير تفسير دروس الكراهية سواء التي لقنّها إلى نفسه أو تعلمها من غيره عن طريق ثقافة التقليد.

لكن الأبحاث النفسية المتطورة تقدم بعض التفسيرات الدقيقة للغاية عن العوامل التي تساهم في تكوين الهوية الاجتماعية للشخص، وهو ما يفيد بأن الجينات والبيئة الأسرية والاجتماعية مسؤولة بدرجة كبيرة عن بناء وتعزيز الأفكار والانتماءات السياسية والعقائدية للأشخاص حتى دون إدراك منهم لذلك.

وحذر الباحثون من أن استخدام الآباء لإشارات وتعبيرات تعبر عن الكراهية والرغبة في الانتقام من الغير تقود الأطفال إلى تعلّم “شيطنة” الأشخاص الذين ينخرطون في سلوكيات صنّفت من قبل آبائهم على أنها “سيئة”، وبالتالي فهم عرضة لما يسمّى بـ”الدوغماتية المكتسبة”، بمعنى أن تجاربهم ومعارفهم السابقة تُملي عليهم مواقف تجعلهم أكثر انغلاقا من الناحية الذهنية.

ويرى بعض العلماء أن الرسائل التي يستخلصها الأطفال من الأسرة والمدرسة والأقران ووسائل الإعلام، تستمر معهم لحين وصولهم إلى سن النضج، وهو ما يعني أن ثمة فرصة كبيرة لأن يتبنى الأطفال معتقدات دينية متعصبة وأيديولوجيات سياسية بطرق خفية، لكنها قد تستمر معهم مدى الحياة.

كما لاحظ بعض الخبراء أن لوغاريتمات وسائل التواصل الاجتماعي تساهم أيضا بشكل كبير في انتشار وجهات النظر المتطرفة أو التي تتسم بالعنصرية، عن طريق إيجاد ما يعرف بغرف الصدى على الإنترنت، أي الغرف التي تردد ما يطرح من أفكار.

ويفرّق الخبراء هنا بين التوجهات والسلوكيات الصريحة الظاهرة التي تتمثل في المعتقدات والمشاعر التي يقر الناس بأنهم يتبنونها علنيّا، والتوجهات المُضْمَرة، التي يمكن أن يستلهموا بعضها من أفكار آبائهم وخطابات السياسيين ومواقفهم، وذلك مع الأخذ في عين الاعتبار مدى شعورهم بالانتماء للمجتمع الذي يعيشون فيه.

ويرى الباحث الفرنسي أوليفر روي في كتابه “الجهاد والموت” أن الجهاديين المعاصرين الذين شنوا هجمات إرهابية في أوروبا تحديدا، لم يدفعهم الفكر المتطرف في حد ذاته للانضمام إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة بقدر ما دفعهم إلى الانضمام إليها إنكارُ القوانين والقيم في المجتمع، الذي تطور لديهم بعد سنوات من العزلة الاجتماعية والانفصال عن الواقع والتمرّد.

ويقول باحثون في علم الاقتصاد السلوكي إن ذلك قد يؤدي إلى مشكلات اجتماعية أوسع نطاقا في عصرنا الحالي، إلى درجة أن الإنسان المعاصر قد أصبح يعرف نفسه بما يكره وفق تعريف الكاتب البريطاني من أصول هندية سلمان رشدي.

وفي ظل حالة الاستقطاب الطائفي والسياسي المحتدمة حاليا في المجتمعات العربية والشيطنة التي تستهدف طوائف بعينها، من الطبيعي أن يساهم ذلك في خلق تربة خصبة تشجع على نمو المزيد من الكراهية والتطرف.

وبينما يدفع الكثيرون حياتهم سعيا وراء انسجام شخصي أفضل مع مبادئهم المتعصبة وأفكارهم العنصرية التي يؤمنون بها، فإن آخرين يرفضون العيش بسلام مع الطوائف المختلفة عنهم للأسباب ذاتها.

لكن لا تزال الأخلاق الحميدة “تشتري كل شيء ولا تُكلف شيئا”، ولهذه المقولة الشائعة وصفة واضحة، تتلخص في هذا المبدأ: لنربي النشء على احترام الآخر المختلف عنا سواء في الشكل أو العقيدة أو الفكر، وستتغير دوافع الناس نحو الكراهية. فدروس الحب أسهل بكثير من تعاليم الكراهية.

21