عدوى الهوس بالمظهر تنتقل من الكبار إلى الصغار وتحدث اختلالا في الثقة بالنفس

الاستخدام المتزايد لوسائل التواصل ساهم في شعور الأطفال بالقلق إزاء مظهرهم الخارجي ما ولد لديهم رغبة في تغيير أشكال أجسامهم لتتناسب مع ما هو سائد.
الثلاثاء 2021/05/18
الجمال الحقيقي لا تعكسه المرآة

لم يعد من السهل على الأطفال والمراهقين النأي بأنفسهم عن الصور النمطية للمظهر الخارجي التي تفرضها الثقافة السائدة للمجتمعات وتغذي لديهم النظرة السلبية لأنفسهم، وكلما زادت المدة التي يقضونها على مواقع التواصل الاجتماعي قلّت ثقتهم في أنفسهم.

أصبح الاهتمام بالمظهر الخارجي واللياقة البدنية من المواضيع التي تحيط بالأطفال في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وتعكسها مواقف الكبار في البيت والشارع والمدرسة.

وكشفت أبحاث ودراسات حديثة أن الصغار باتوا يحملون وجهات نظر سلبية في بعض الأحيان حول هيئاتهم وأجسادهم حتى في سن مبكرة للغاية، ويرغبون في الحصول على مظهر جميل تماشيا مع الثقافة العامة للمجتمعات، والزخم الإعلامي الذي يركز على تقليعات الموضة ومعايير الجمال الخارجي.

ويمثل القلق بشأن المظهر مشكلة عالمية كبيرة تهدد الصحة النفسية للأطفال، وقد تؤدي إلى خلق أجواء من التوتر والضغط، تولد لديهم رغبة في تغيير أشكال أجسامهم ومظهرهم لتتناسب مع ما هو مطلوب وسائد في المجتمع.

وساهم الاستخدام المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في شعور الأطفال بالقلق إزاء مظهرهم الخارجي والصورة التي يكوّنونها عن أنفسهم، وفق ما بينت نتائج الأبحاث. وخلصت دراسة بريطانية جديدة إلى أن الأطفال يبدأون في الشعور بالقلق بشأن مظهرهم، عندما يبلغون الثانية عشرة من العمر.

شكري العياري: مواقع التواصل الاجتماعي هي السبب في هذا الهوس بالمظهر

وقال حوالي 90 في المئة من الأطفال الذين أجريت عليهم الدراسة، إنهم يشعرون بالقلق بشأن مظهرهم لمدة ساعة و34 دقيقة يوميا. كما اعترف واحد من أصل 5 مراهقين بادعاء المرض لتجنب الذهاب إلى المدرسة أو العمل بسبب انعدام ثقته في مظهره.

ولم يقتصر هذا الأمر على الأطفال فقط، بل أكد 86 في المئة من البالغين أنهم لا يزالون يقضون أكثر من ساعة يوميا في حالة قلق بشأن مظهرهم.

وكان الشعر الرديء والشكل العام للجسد وظهور البطن من المخاوف المشتركة لدى البالغين والمراهقين على حدّ سواء.

ووجدت الدراسة التي أجرتها شركة الأبحاث التسويقية البريطانية “وان بول” أن الإعلام الاجتماعي يحدث ضررا في ثقة الناس في أنفسهم، حيث اعترف 71 في المئة من المراهقين و53 في المئة من البالغين بأن المواقع الاجتماعية مثل فيسبوك وإنستغرام تجعلهم أكثر قلقا بشأن مظهرهم.

وقالت كارين فريزر مديرة مؤسسة “كريدوس” البحثية البريطانية المتخصصة في مجال الدعاية والإعلان، “قلة الوعي نسبيا بين الآباء والمعلمين بالمشكلات المتعلقة بالصورة الذهنية للجسم لدى الأطفال وانعدام ثقافة حديث الأطفال عن شواغلهم، يولدان بيئة صعبة للأطفال لطلب الدعم”.

وأضافت “يجب علينا أن نقر بأن الدعاية ووسائل الإعلام على النطاق الأوسع تلعبان دورا في الصورة التي يكونها الصغار عن أنفسهم سواء بالإيجاب أو السلب”.

ولا يبدو أن الأطفال في المجتمعات العربية بمنأى عن الصور النمطية للجمال الخارجي وتقليعات الموضة، التي أصبحت تكتسح عالمهم الصغير وترسخ لديهم صورا ذهنية عن أنفسهم وعن الأشخاص المحيطين بهم.

وشدد الدكتور شكري العياري الخبير التونسي في التنمية الذاتية والإحاطة النفسية، على أن “الهوس بالمظهر الخارجي والشكل عنوان لثقافة اجتماعية جديدة بدأت تغزو مجتمعاتنا اليوم”.

 وقال العياري لـ”العرب”، “العناية بالمظهر ليست عيبا أو إثما وإنما الهوس المبالغ فيه بالأشكال هي تعبير إدراكي عن عدوى فكرية تسللت إلى الناس وخاصة الشباب، ويظهر العيب هنا أكثر حينما تكون هذه العناية الشكلية على حساب الثقافة القيمية”.

وأضاف “لعل أكبر مورد شاحن لهذا الهوس القطيعي بالمظهر الخارجي هي مواقع المتواصل الاجتماعي التي تغرس هذه المنافسة الشكلية في إطار استعراض مشهدي وتصويري لآخر تقليعات الإطارات الشكلية بكل تجلياتها، فيحتد التنافس على الصورة وتتجذر المقارنة الفردية والغيرية، وندخل هنا في صورة التقدير الذاتي ومعايير الثقة بالنفس التي تضطرب في إطار هذه المنافسة غير الشريفة والمخفية المدفوعة بالهوس بالمظهر الخارجي”.

وأكد العديد من الآباء الذين تحدثت إليهم “العرب” أن أبناءهم الصغار أصبحوا يعترضون عما يشترونه لهم من ملابس، وباتوا أكثر انتقائية ورغبة في انتقاء ملابسهم والظهور بالمظهر قد لا يروق لآبائهم في غالب الأحيان أو يرهقهم ماديا.

سامية ماني العيوني: تقليعات الموضة تنحدر أحيانا بالذوق العام للصغار والكبار

وقالت سامية ماني العيوني (أم أربعينية) “هناك فرق كبير بين الجيل الذي عشت فيه وما هو سائد اليوم في صفوف الأطفال والمراهقين، ففي السابق لم نكن نعترض أبدا عمّا يختاره لنا آباؤنا من ملابس وكنا أكثر قناعة وتقبلا واحتراما لوجهات نظرهم وننصاع لأوامرهم ونواهيم”.

وأضافت العيوني لـ”العرب”، “لم نكن أبدا مهووسين بالمظهر الخارجي مثلما هو سائد في جيل اليوم ومن بينه أبنائي الذين يختارون لباسهم بمفردهم وتماشيا مع الموضة لأنهم يعتقدون أنها أساس الثقة في النفس، ومن المؤكد أنهم يسايرون ثقافة المجتمعات العصرية التي أولت أهمية كبيرة للمظهر الخارجي”.

وأوضحت “يعجبني أن يتحمل أبنائي المسؤولية في اختيارهم لملابسهم تماشيا مع المعايير الجمالية التي فرضها الواقع الحالي، كما أنني أؤمن بأن جوهر الإنسان أهم من مظهره الخارجي، ولا تروق لي الكثير من الملابس وتصميمات الموضة التي تنحدر أحيانا بالذوق العام للصغار والكبار بشكل عام”.

وحذرت منال مرغلاني، استشارية الطب النفسي المتخصصة في اضطرابات الأكل وعلاجات السمنة بالسعودية، من عمليات التجميل التي وجدت طريقها هذه الأيام إلى الفتيات الصغيرات في المجتمعات الخليجية وفي الدول العربية بشكل عام، مرجعة ذلك إلى الهوس الاجتماعي بالمظهر “المثالي”.

وشددت مرغلاني في تصريح سابق لـ”العرب” على أن الأوصاف السلبية الخاصة بشكل الجسم أو لون البشرة التي قد تطلقها الأم أو أحد أفراد الأسرة على الفتيات الصغيرات لن تؤدي أبدا إلى سلوكيات صحية إيجابية بالنسبة إليهن، وإنما ستنتج عنها صورة سلبية عن الجسد وممارسات غير صحية للتحكم في الوزن واضطرابات الأكل.

ودعت إلى حظر العمليات التجميلية على الفتيات دون سن الـ18، ما لم يكن الدافع إلى ذلك تقويم بعض العيوب الخلقية التي تعيق اندماجهن في المجتمع وتشعرهن بالنقص.

ونبّهت الأمهات إلى عدم إبداء أي تعليقات سيئة عن شكل أجساد بناتهن الصغيرات، حتى لا يوصلن إليهن رسائل سلبية يمكن أن تكون سببا في جعلهن يشعرن بالسوء حيال ذواتهن.

واقترحت مرغلاني في خاتمة حديثها أن تكون الأسرة نموذجا يحتذى من الأبناء في النظرة الإيجابية للجسد والسلوكيات الغذائية الصحية التي تتبعها في الحياة اليومية.

القلق بشأن المظهر مشكلة عالمية كبيرة تهدد الصحة النفسية للأطفال، وتؤدي إلى خلق أجواء من التوتر والضغط لديهم

وشدد البعض من علماء النفس على أهمية عدم التدخل المستمر في خيارات الطفل بمناسبة وبغير مناسبة، وحرمانه من ممارسة حقه في اختيار اللعب والكتب والملابس التي يريدها، لأن ذلك من شأنه أن يخلق لديه مشكلات ومنها الخجل وضعف الثقة بالنفس.

وأثنوا على فكرة ترك الخيار للأطفال في بعض الأحيان لاقتناء ما يريدونه من ملابس لأن ذلك يعكس رؤيتهم الشخصية لذواتهم، كما أنه يعد خير وسيلة لتكوين تعابير جمالية وذوقية تنمي لديهم قدرات وصفات شخصية أفضل من أقرانهم الذين يتربون في بيئات تفرض عليهم خياراتها في كل شيء.

كا أكدوا على ضرورة أن يحصل الأطفال على دروس في احترام الذات وتقدير المظهر منذ الطفولة، لأنّ عدم الرضا عن المظهر يعد أحد أهم أسباب المضايقات التي قد يتعرضون لها في المدرسة وفي المجتمع لاحقا والتي تفقدهم الثقة في النفس.

21