عدو الأمس ليس صديق اليوم

الأحد 2016/10/02

ذات يوم هروب من الواقع المليء بالضجيج والحياة المدنية الصاخبة صادف وأن طالعت رواية رومانسية جميلة ومشوقة، هي رواية “عدو الأمس” للكاتبة بيان، في هذه القصة استفزتني جملة قالتها الكاتبة عندما وصفت تصرف بطل الرواية مع البطلة، فكتبت “يقال عدوّ الأمس صديق اليوم”، لكن ذلك لم يكن صحيحا عندما أعلن الكونت ليون بلانك بغضب، قائلا “أنا لن أتزوّج المتشردة الحمراء التي كانت السبب في مقتل زوجتي”.

حينها فقط استذكرت واستحضرت قصة حقيقية من صميم الواقع الكروي، هي قصة المدرّب جوزيب غوارديولا ولاعب ساحل العاج يايا توري.

فبعد سنوات من الفراق والخصام والعداوة، لعبت الأقدار دورا كبيرا لإعادتهما إلى مسرح الخلاف مجددا، وضعتهما وجها لوجه من أجل تجاوز الخلاف التاريخي وطيّ صفحة الماضي الموجع، فربما يكون عدوّ الأمس صديق اليوم في ظلّ تغير الظروف والمعطيات والأحوال.

بداية رواية المدرب الناجح غوارديولا والنجم البارع يايا توري انطلقت منذ أعوام وتحديدا سنة 2009، عندما كان غوارديولا مدربا لتوري مع برشلونة، في تلك الفترة اختار المدرب أن يبدأ شيئا فشيئا في تحجيم دور توري في الفريق بعد أن كان عنصرا مؤثرا في حصول برشلونة على ثلاثة ألقاب في العام الذي سبق.

لم يكن غوارديولا معجبا كثيرا بأسلوب اللاعب العاجي وفضّل عليه الصاعد الأسباني بوسكيتس، الذي ضمن مكانا دائما على حساب يايا بمباركة غوارديولا الذي لم يتردد سنة 2010 في الموافقة على هروب توري من “الجحيم”، بعد أن فقد تركيزه وخسر مكانه في الفريق، ما دفعه إلى التعاقد مع مانشستر سيتي.

في تلك الفترة أكّد النجم العاجي أن سبب خروجه من الفريق الكاتالوني يعود بالأساس إلى وجود “عدوّ” له تربص به وساهم في هربه من الفريق، كان يتحدث آنذاك عن غوارديولا الذي أهمله وأخرجه من الحسابات.

أكمل كلّ منهما طريقه، وتناسى الطرفان فصول تلك الحرب و”العداوة” فتوري بات “أيقونة” السيتي ومنقذه وقائده نحو الحصول على عدة ألقاب محلية، أما غوارديولا فقد حصد اللقب تلو الآخر مع برشلونة قبل أن يتوجّه بعد ذلك لخوض تجربة جديدة في ألمانيا وتحديدا مع النادي البافاري بايرن ميونيخ، قضى معه البعض من السنوات قبل أن يلعب القدر مرة أخرى لعبته ويجدد العلاقة المتوترة بين الطرفين، حيث تعاقدت إدارة مانشستر سيتي مع المدرب الأسباني ليكون مجددا في مواجهة مباشرة مع يايا توري.

لقد قدم عدوّ الأمس، فهل يتحوّل مثلما يقول المثل المعروف إلى صديق اليوم، خاصة وأن توري يتمتع بمكانة رفيعة وحصانة لا يمكن تجاهلها؟

ومع ذلك، سارت الأمور على النحو الذي حدث في رواية “عدوّ الأمس”، والواقع المرير قد لا يتطابق دوما مع الأمثال، فغوارديولا بقي العدوّ ويايا لا يمكنه أن يغيّر فصول ومجريات علاقة بدأت بالتوتر والخصام ليحوّلها إلى قصة صداقة صادقة مبنية على الألفة والمحبة.

فبقدرة قادر وبسرعة البرق تحول “الأيقونة” والقائد إلى مجرد تكملة للعدد في صفوف فريق “السيتيزين” بمجرد قدوم غوارديولا الذي أمعن في تأكيد هذه العداوة عندما أبعده عن قائمة اللاعبين المشاركين في المسابقة الأوروبية، قبل أن يتجاهله باستمرار في مباريات الفريق المحلية.

يايا، هذا “الجريح” والمغدور في كبريائه لم يصمت، فصوّب سهام النقد اللاذع والاتهامات المباشرة صوب المدرب الجديد للسيتي، حصل ذلك عبر وكيل أعماله الذي لم يترك فرصة أو مناسبة دون الحديث عن تعمد غوارديولا الإمعان في إذلال موكله.

ذهب وكيل أعمال يايا توري إلى أبعد من ذلك إلى درجة أنه وصف غوارديولا بالباحث عن الشهرة والمال أكثر من بحثه عن النجاح والألقاب، قبل أن يصفه بالمدرب المحظوظ الذي يجد كل الظروف مهيأة كي يحقق البعض من الألقاب.

قصة عدوّ الأمس لم تنته بعد، وربما لن تكتب لها خاتمة سعيدة رغم تدخل العديد من الأطراف، فوالد توري ناشد غوارديولا بأن يصفح عن ابنه ويتركه يعمل في النادي الذي أحبه وأكرم وفادته وساعده على نسيان أزمات الماضي، بيد أن المدرب الأسباني اشترط اعتذارا صريحا وواضحا من توري بخصوص تصريحات وكيل أعماله قبل أن يسمح له باللعب مجددا مع الفريق، لكن لاعب ساحل العاج الذي أعلن منذ فترة قصيرة اعتزاله اللعب الدولي من أجل التركيز على مسيرته الأوروبية خاصة وأنه بلغ من العمر 33 سنة، يرفض أن يتنازل أكثر لغوارديولا.

لقد قال إنه قد يضحّي بكل شيء وقد يغادر مانشستر سيتي مكرها مرة أخرى على أن يقبل بأن يذعن لغوارديولا الذي لم يكن يوما صديقه، بل هو من وجهة نظر توري ذلك الغريم الذي ناصبه العداء منذ الوهلة الأولى، فكيف يتحول اليوم العدوّ إلى صديق؟ وكيف يقدر توري على تجاوز كل المحن والخلافات والأزمات في ظل واقع مرير وصعب ساق إليه ذلك العدو من جديد كي يختبر معه المقولة الشهيرة “عدوّ الأمس.. صديق اليوم”، لكن هيهات فالكونت ريو بلانك رفض الحب والحياة والمستقبل السعيد، لأنه أدرك جيدا أن العدوّ يبقى دوما عدوّا.

كاتب صحافي تونسي

23