عديلة تكسر غرور باسيل وتحوله إلى مادة للسخرية

من هو الجمهور الرافض للعنصرية؟ وهل لازال الرأي العام حيا في لبنان؟ وهل صارت مساحة الحرية ضيقة إلى درجة أنه لا يمكن أن تستقر فيها لحظات نقدية ساخرة؟ أسئلة تطرح في لبنان بعد التضييق على صفحة “عديلة”، ما يؤكد أن مساحة الحريات والتعبير في لبنان قد باتت غير قادرة على احتمال السخرية الهادفة.
السبت 2016/09/24
عديلة اللبنانية

بيروت - شن رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل مباشرة أو عبر أنصاره حربا شرسة ضد الصفحة الفيسبوكية الساخرة عديلة،على خلفية نشرها تعليقات وتصميمها لصور تسخر منه ومن تصريحاته الأخيرة.

وكان وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل قال خلال المؤتمر الإقليمي الأول للطاقة الاغترابية اللبنانية في نيويورك، “أنا مع إقرار قانون منح المرأة الجنسية لأولادها، لكن مع استثناء السوريين والفلسطينيين للحفاظ على أرضنا”.

وقد أثارت تلك التصريحات موجة من الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي وصلت إلى حد المطالبة بإقالة الوزير، ردا على تصريحاته العنصرية والمعادية للاجئين ولحقوق المرأة اللبنانية على حدّ السواء.

القيمون على صفحة عديلة كوكب الغرب، وهي تحريف لاسم الفنانة الاسكتلندية واسعة الشهرة في لبنان “أديل”، اعتبروا هذه التصريحات تعبيرا عن عنصرية واضحة ضد السوريين والفلسطينيين تستوجب التناول النقدي الساخر.

استُقبلت السخرية من باسيل بترحيب شديد من عدد كبير من المتابعين، ولكن المفارقة تكمن في أن جل المرحبين بالنقد الساخر الذي وجهته الصفحة له فعلوا ذلك انطلاقا من خصومة سياسية معه، وليس تعبيرا عن رفض للعنصرية.

الدليل على ذلك أن مواقف الوزير جبران باسيل العنصرية تلاقي أصداء إيجابية عند الكثير من اللبنانيين سواء أكانوا من السياسيين أم من الجماهير، وتعبر عن مناخ يكاد يسيطر على التوجه العام في لبنان. اللافت أن من يعبرون عن تأييدهم لوجود السوريين في لبنان انطلاقا من موقف إنساني هم نسبة قليلة من الأفراد الذين يعبرون عن رأي شخصي، ولكن على مستوى التيارات فإن من يعبرون عن ترحيبهم بالسوريين في لبنان هم المنتمون إلى التيارات الأصولية بشكل خاص، وهؤلاء لا ينطلقون في مواقفهم من تناقض مع مواقف الوزير جبران باسيل بل يكررون منطقه نفسه.

ردة الفعل العنيفة فاجأت آدمن صفحة عديلة حيث وجد أنها تعبر عن {عدم تقبل الرأي الآخر}

كل هذا يعني أن هناك نسختين من الوزير جبران باسيل؛ الأولى نسخة السياسي صاحب الخصومات الكثيرة. هذه النسخة هي التي تعرّضت للسخرية والإعجاب، أما النسخة الثانية وهي نسخة الشخصية العنصرية فلا تزال باقية وتتمدد.

نقد صفحة عديلة توجه إلى هذه النسخة الثانية، ولكن ذلك لا يعني أن الجمهور عبر عن إعجابه انطلاقا من رفض العنصرية، بل كان الإعجاب موجها ضد رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل.

العنصريون يعجبون بنقد عنصرية جبران باسيل، ويضعون اللايكات على صفحة عديلة، وربما يشكلون هم أنفسهم الجيش الإلكتروني الذي يحاول إغلاق الصفحة.

وصرح آدمن صفحة عديلة الذي رفض الكشف عن شخصيته لـ”العرب” قائلا “من المرجّح ألّا يكون الوزير جبران باسيل هو ذاته الذي يقود الحملة الهادفة إلى إغلاق صفحة عديلة الساخرة، ولكن لا شك في أن الذين يفعلون ذلك هم من أنصاره ومحازبيه”.

ردة الفعل العنيفة فاجأت آدمن الصفحة حيث وجد أنها تعبر عن “عدم تقبل الرأي الآخر وعن إرادة تحاول إلغاء أي صوت لا يتوافق مع أفكار الوزير باسيل وعقيدته”.

ويضيف” لم يسبق أن تعرضت الصفحة لهجوم مماثل، فقد سخرنا قبل ذلك من سعد الحريري ولم نتعرض لشيء، وكان قد سبق لنا أن سخرنا من الوزير جبران باسيل نفسه ولكن لم تصل ردة الفعل إلى هذه الدرجة من العنف. ربما كان عدد متابعي الصفحة آنذاك قليلا ولكن مع زيادة عدد المتابعين قد يكون الوزير باسيل وجد أن المسألة باتت خطيرة،

فعمد إلى تصميم ردة فعل عنيفة تهدف إلى إسكاتنا”.

ويؤكد آدمن صفحة عديلة أن الصفحة ” لا تهتم عادة بالسياسة بل تسخر من الفنانين بشكل عام، ولكن تصريحات باسيل كانت مستفزة للغاية ولا يمكن تجاهلها. (…) تصريحاته العنصرية لا تختلف إطلاقا عن تصريحات ترامب وماري لوبان”.

لا ينكر الآدمن أن جل الإعجابات بنقد الوزير باسيل قد تكون عائدة إلى خصومه السياسيين، ولكنه يعتبر في الآن نفسه أن هناك جمهورا مؤيدا لما يقومون به يتألف في معظمه من فئة الشباب.

ويصر على تقديم تعريف محدد للتيار المدني يخرجه من إطار التيارات المعروفة، ويجعله وصفا للناس غير المنتمين إلى تيّار معيّن والذين لم يدخلوا بعد في سبات عميق وفق تعبيره. ويشير إلى أن الدور الذي تقوم به الصفحة يقوم على نشر الوعي؛ “فلو لم ننشر ما نشرناه لكانت تصريحات باسيل قد مرت مرور الكرام”.

ويؤكد من ناحية أخرى على ضيق مساحة الحرية في لبنان وأنهم لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم ضد هجوم إلكتروني مبرمج، وأن الدعم الذي يتلقونه لا يعدو كونه دعما معنويا.

ويشدّد آدمن الصفحة على أن لا طريقة لمواجهة الأمور سوى التحايل؛ وعن ذلك يقول “نشرنا صورة لجبران باسيل وأخفينا وجهه ببرتقالة كبيرة. لم تحذف الصورة ونالت حوالي 4000 إعجاب في فترة وجيزة”.

ويعتبر آدمن صفحة عديلة في ختام تصريحاته أن سبب نجاح هذه الصفحة على الرغم من وجود العشرات من الصفحات الساخرة يعود إلى أنها “تحرص على تقديم أفكار جديدة وتساهم في التخفيض من حدّة الاحتقان”.

يذكر أن عدد متابعي الصفحة على فيسبوك وصل إلى حوالي 250 ألف متابع، وتأثيرها بات واضحا.

وتقول رنا، وهي واحدة من معجبي صفحة عديلة، إن سبب الهجوم الكبير الذي يشن على الصفحة من قبل الوزير باسيل يعود إلى كون السخرية “تستفز غرور السياسيين ويرون فيها إهانة لهم، فهي تحوّل المقام الرسمي والمنصب الذي يتعاملون من خلاله بفوقية، ويرسمون بواسطته صورة مضخمة لهم إلى مجرد نكتة شعبية يتداولها الناس”.

19