عديمو الموهبة

الرواية إنما هي فنٌّ يحتاج إلى موهبة تصقلها الدربة والمراس وتغنيها التجربة الثقافية والحياتية، وأدبٌ لا يستقيم لمنتِجه ما لم يمتلك اللغة وقواعدها.
الخميس 2018/03/22
عديمو الموهبة يملأون صفحات الـ"وورد" بما يحسبونها دررا يتيمة

لا يخفى على كل ذي عين بصيرة أن ثمة اليوم هوسًا مرَضيًّا بكتابة الرواية. كل متعلِّم صار يقبل عليها إقباله على شعائره الدينية، وكأنه سوف يحاسب على تركها يوم القيامة، ولكن دون معرفة بالفرائض والنواقض، وأحيانا دون إلمام بشروط الكتابة أصلا.

المهم أن يكتب، نسجًا على منوال خلانه وزملائه، وقد باتوا كلهم منكبين على حواسيبهم يملأون صفحات الـ"وورد" بما يحسبونها دررا يتيمة، وسوف يجد مثلهم من ينشر له مسوداته، بمقابل، أو ينشرها على حسابه الخاص، وإن استعصى عليه الأمر في الحالين، يقنع بنشرها على المواقع الاجتماعية التي عششت على الشبكة، وسوف يلقى في كل الأحوال لفيفا من المعجبين، وكلهم مثله، يخلعون عليه، مثلما اعتادوا أن يخلعوا على بعضهم بعضا، اللقب تلو اللقب، كـ”الروائي المتميز”، و”المبدع المتألق”، و”الفنان القدير”، وحتى “الكاتب الكبير”.

هذا الفيروس سبق أن أصاب الشعر، فرأينا تناسل أعداد مهولة من أدعياء لا يرقى أفضلهم إلى مستوى شعرور، أغرتهم قصيدة النثر فاستسهلوها عن جهل، وحسبوها مجرد كلام منثور على الورق؛ وها أنّ عدواه امتدت إلى السرد بعامة، والرواية بخاصة، فألفينا شرائح عريضة اقتحمت هذا الجنس دون دراية بمقوماته وخصائصه، ظنا منها أنه مجرد حكاية تحكى، وانبرى كل واحد يسرد ما عاشه أو شاهده أو سمعه، وما يعتقد أنه جدير بأن يثير اهتمام الناس وتعاطفهم، وهو لا يدري أن النوايا الحسنة لا تصنع أدبا جيّدا، فالرواية إنما هي فنٌّ يحتاج إلى موهبة تصقلها الدربة والمراس وتغنيها التجربة الثقافية والحياتية، وأدبٌ لا يستقيم لمنتِجه ما لم يمتلك اللغة وقواعدها.

ولكن أنّى له أن يدري ورفقاؤه -الذين يحذون حذو شطحاته- يمجّدون “إبداعه”، ويخرسون كل صوت يحاول أن يهديه وأمثاله إلى الأدب الحق. ويزداد الأمر فداحة إذا كان صاحب النص ممن تُرجى شفاعتُه، في فصول الدرس أو في الحياة العامة، حيث يمتزج الإطراءُ بالتملق، والتهليلُ بالرياء المفضوح.

ولعل أعجب مثال وقعنا عليه نصٌّ لأكاديميّ تونسيّ نشره على أحد المواقع الإلكترونية، قال إنه مقطع من رواية، فقد شابه ما يشوب نصوص المبتدئين من اضطراب وسطحية وأخطاء في النحو والصرف، فضلا عن تأثّر صاحبه بأساليب اللغة الفرنسية من جهة تعابيره وبنيته الصرفية، ولكن تعاليق طلبته ومريديه رفعت محاولته إلى مقام يوهم بأنها ستكون من الأعمال الإنسانية الخالدة.

وبذلك تصدّر المشهدَ عديمو الموهبة، أولئك الذين يحسبون الإبداع نورا قذفه الله في القلم، بعبارة جليلة طريطر أستاذة النقد الأدبي في تونس.

15