"عدّاء الطائرة الورقيَّة" للأفغاني خالد حسيني

الأحد 2014/07/20
خالد حسيني: هل وقع في فخ الدعاية الفجة لما يسمى بالحلم الأميركي

رواية «عدَّاء الطَّائرة الورقيَّة» لخالد حسيني الأميركي الأفغاني الأصل في ترجمتها العربية، الصَّادرة عن دار «دال» اللبنانية، بترجمة منار فيَّاض، نموذج للروايات التي ما إنْ تفرغَ من قراءتها حتى ينتابك فيضٌ من القيم المتناقضة، تتراوح ما بين الحبِّ والوفاء والتضحية والخيانة والنَّدم. وفوقهم التحسُّر على ضياع دولة وهوية شعب، ذَهَبَا في طريق بلا عودة.

على الرغم من تناقض المشَّاعر التي تصل إليك كقارئ إلا أنك لا تستطيعُ أنْ تلومَ أحدًا مِن شخصيات الرواية، فهذه الشخصيات هي نِتَاج عصرها، وقد صارت جميعها رهينة الماضي بكافة مساوئه وأخطائه، ولا تعوِّل على الحاضر والمستقبل في شيء.


البشتوني والهازاري


يَنْفَذُ المؤلف مِن علاقة بين صديقين؛ أمير الصَّبيّ البشتوني السُّني المولود في وزير أكبر خان لأب ثري تاجر، وحسَّان الصَّبي الهازاري الشيعي الفقير المُطَارد بذكرى أمه «صنوبر» التي هربت مع المغنّين والراقصين، وخلَّفت وراءها ذكرى أليمة، بما تحمله هذه العلاقة من تناقضات؛ حُبّ وكره، وودّ وانتقام، وتفاوت طبقي وعقائدي، إلى المجتمع الأفغاني كله، بتركيبته المُعقدة، وما شابها من صراعات إثنية (البشتون والطاجيك، والأوزبك والهازارا)، غائصًا في عمق المجتمع، ومصورًا لنا حياة قد تغيب عنا في بعدها الاجتماعي والثَّقافي والإنسانيّ والدينيّ؛ وما يتخلَّلها من صراعٍ قد يبدو طبقيًّا، إلا أنه يتجاوزه إلى صراع عقائدي وعرقي بين الفقراء مِن الهازاريين وساداتهم مِن البشتون.

وهذا الصّراع الذي تمثَّل علاقة الطفلين (بتباين مستوياتها) الوجه الأكثر اعتدالا، رغم الخيانات التي مُني بها حسَّان من طرف أمير، حيث ثمَّة لحظات ضئيلة ذابت فيها الفوارق الطبقية والدينيِّة؛ ليصيرا الاثنان معًا «سلاطنة كابول»، كما حَفرا على ساق الشجرة في لحظات صفائهما، وقد تصل إلى فداء أحدهم للثاني على نحو ما فعل حسَّان أمام آصف، فيتعرَّض للاغتصاب لأنه لم يردْ أن يَحْرِمَ أمير جان لذَّة الفوز بمسابقة الطَّائرة الورقيّة بالتتويج بالحصول على آخر طائرة تسقط. صراع الأطفال وما يظهره في لحظات معينة من قسوة كما فعل آصف مع حسّان أمام أمير بوصفه «هازارا حقير»، يستدعي إِرْثًا وتاريخًا قديميْن من القهر السلطوي الذي فرضه الباشتون على الهازاريين، منذ أن سعىٰ الهازاريون للتمرّد على حالة القمع الطائفي التي يقوم بها الباشتون، حتى كان من الأخير إلى أن قام «بتصفية عرقية لهم وطردهم إلى خارج البلاد، وحرَّقوا بيوتهم وباعوا نساءهم»، ثم يتجدَّد عام 1933 في عهد الملك محمد ظاهر شاه، عندما رأت عائلة الشّابين اللذين صدما امرأة وزوجها الهازارييْن، أنَّ حُكَمِ القاضي على الشَّابّيْن بأنْ يخدما في الجيش حُكمٌ قاسٍ لوَضاعة الأسرة المقتولة، وقد يأخذ صورة أخرى كرفض الآخر له تمامًا، كما في وأد حُلم رحيم خان وحومايرا، من الزواج وإقامة عرس عظيم وفخيم، وبناء بيت كبير محاط بأسوار عالية ونوافذ كبيرة، كل هذا وُئد لأنهما كما قال رحيم كانا «ضد العالم».

يسيطر الوصف على طبيعة المكان والأزياء، والحياة الاجتماعية، على اختلاف التراتبية الطبقية، وإلحاحه على توزيع مفردات فارسية على النص

نفس هذا الميراث ينتقل إلى آصف، الذي يتحوَّل في مرحلة لاحقة إلى متطرف ينتمي إلى طالبان، يجد متعته في ممارسة الجنس مع الغلمان والفتيات، وإن كانت عنصريته تتصل في أحد فروعها بالعنصرية النازية عن طريق جينات الأم الألمانية، إلى جانب باشتونية أبيه، وهذه العنصرية تظهر في صراخه أمام أمير «أفغانستان أرض البشتون، كانت هكذا، وستبقى هكذا، نحن الأفغان الحقيقيون، الصافون، ليس ذو الأنف المفلطح هذا، شعبه يلوث أرضنا، وطننا، يوسخ دماءنا، يوسخ… مسح الفضاء حوله بإشارة كبيرة بيديه أفغانستان للباشتون، هذه هي رؤيتي (ويكمل) سأطلب من الرئيس أن يقوم بما لم يمتلك الملك القوة للقيام به أنْ يُخَلِّصَ أفغانستان من كلِّ الكاسيف الوسخ الهازاري»، وصولاً إلى اضطهاد طالبان لهم بعد توليهم السُّلطة، فقاموا بـ«ذبح الهازارا في مزار شريف»، في حربهم ضد من يخالفهم هويتهم الدينية.


انتهاك الأطفال


يوازي السَّرد في أحد محاوره بين تاريخ العلاقة بين الطفلين، في مراحلها المختلفة، وبين تاريخ الانهيارات والهزائم الذي منيت به أفغانستان بعد انقلاب الجمهوريين 1973، على الملك محمد ظاهر شاه، ثم جاء الانقلاب الشيوعي في نيسان 1978 ضد السَّردار محمد داود خان الذي خلعَ عمه، ثم تدخّل السوفيت لمصلحة هذا الانقلاب بالدبابات (كانون الأول 1979)، لتدخل أفغانستان مستنقع التدخُّلات الخارجية، وهو ما أعقبه تفكَّك الروابط والأواصر الاجتماعية والعرقية والثقافية للمجتمع الأفغاني. وعلى الجانب الآخر يُظهر النَّص معاناة الشَّعب الأفغاني المتكرِّرة والتي تبدأ فصولها من وحشية الروس، ممثَّلة في مشهد الجندي الروسي الذي أراد اغتصاب امرأة أمام زوجها، مرورًا بوحشيّة طالبان التي تحلّ بعد طرد الروس، وسعيهم لتطبيقهم الخاطئ للشَّريعة الإسلاميَّة، وفي سبيل ذلك هدموا ما تبقى من الروس، بما أحدثوه من مذابح، وفرض الحجاب على النِّساء ورجم المحصنات، وما مثلته هذه الجماعة من فكر أعاد أفغانستان إلى عصور الجاهلية الأولى، بمنعهم في عام 1998 مسابقات الطائرات، بما أحدثوه من ممانعات كحديث النساء بصوت عال، وارتداء اللاعبين الشورت، مرورًا بتدميرهم للتراث الثقافي على حد زعمهم في تطهير أرض أفغانستان من تماثيل بوذا في باميان علاوة على ما قاموا به من انتهاك لآدمية الأطفال ذكورًا وإناثًا على نحو ما فعل آصف، في مفارقة مثيرة ضمن عناصر التشويق التي يعتمدها السَّرد، تبرز المأساة التي عاشتها أفغانستان إبان زيارته لها بعد احتلال طالبان لها، وكأن نبوءة والد الراوي تحقّقت عندما قال له «فليرحمنا الله إذا وقعت أفغانستان تحت أيديهم».

فيضٌ من القيم المتناقضة


كابول الخائفة


في هذا السِّياق يُلِّحُ السَّرد على الوصف، فيقدِّم صورةً متكاملةً عن العادات والتقاليد، والثقافة وتشبث الأفغان بهويتهم واصطحابهم لها إلى مجتمع المهجر كالتمسك بـ«الناغ والناموس» أي الشرف والكبرياء واحتفالات الزواج والكبرياء. وكأنَّ عين السَّارد الأنا أشبه بكاميرا، ترصد وتسجل ماضيا ما زال يسكنه بكل آلامه وأفراحه، لذا يأتي سرده أشبه بمرثية عن كابول تلك المدينة التي كانت في وقت ما، وعلى الأخص في منتصف الستينات، مدينةً عامرةً بالحياة تُقَام فيها المسابقات، كبطولة البوزكاشي السَّنوية في أوَّل يومٍ من أيام الرَّبيع، وبمدنيّتها الحاضرة في امتلاك السَّيارات الفارهة واحتساء النبيذ الفرنسي، وانتشار دور السينما التي تعرض أفلامًا أميركية وإيرانية. إضافة إلى أنها زاخرة بأسواقها، التي يتجوَّل فيها الناس ويشربون دون ممانعة، وما أعقبها من حركية في بنية المجتمع من خلال التطورات الاقتصادية التي حدثت بعد الانقلاب الشّيوعي، والحديث عن حقوق المرأة والتكنولوجيا الحديثة، هذه الكرنفالية البادية على المجتمع، ما إن يعود أمير مرَّة ثانية في مطلع الألفية الثانية حتىٰ يرى صورةً مناقضة لها، أبلغ وصف لها ما ذكره حسَّان في رسالته لأمير، هكذا يقول «آسف أخبرك أن أفغانستان (طفولتنا) ماتت منذ زمنٍ بعيد، الخير رحل، ولا يمكنك الهروب من القتل، دائمًا القتل في كابول، الخوف في كل مكان، في الشوارع، في الأسواق، إنه جزء من حياتنا هنا».

ويلاحظ سيطرة الوصف على طبيعة المكان والأزياء، والحياة الاجتماعية على اختلاف التراتبية الطبقية، وإلحاحه على توزيع مفردات فارسية على النص وأسماء وجبات وأعياد، يأتي كله كنوع من المقاومة، أولاً مقاومة الغُرْبة الحقيقة للكاتب الذي يعيش في أميركا، وثانيًا مقاومة ذوبان الهوية، والحرص على التمسُّك بها دون تفرقة إثنية أو دينية. كما يلاحق السَّرد شخصيات الرِّواية في بلاد المهجر، راصدًا حياتهم والمعاناة التي تكبدوها من ويلات الحرب ويصوِّر الكاتب بؤس الحياة الجديدة التي عانى منها المهاجرون الأفغان في سان فرانسيسكو. العجيب أنه مع كُلِّ هذه المعاناة فقد عاش الأفغان في المنفى بعضهم لم يشعر بوطأة الاغتراب كأمير، الذي درس الأدب الإنكليزي، وتخرَّج في الكلية وتزوج من ثريا ابنة الجنرال، والآخرون مارسوا حياتهم دون الشّعور بأن ثمة نوستالجيا تخايلهم باستثناء الجنرال.


اهتم بأمورك


اللافت أن مسارَ العلاقة بين الصديقين؛ أمير جان وحسَّان يحكمه السُّؤال، وقد تغدو صيغة السُّؤال، وما يحتويه من نبرة تعاطف أو سخرية أو زجر، أو ازدراء، المقياس الحقيقي والكاشف لجوهر العلاقة بينهما، فيحضر مع بداية العلاقة كنوع من التعاطف مع مأساة أمه التي هربت موازيًا بين ذاته وذات حسَّان «كنت أتساءل دائمًا إن كان قد حَلُم بها، كيف تبدو، أين هي؟ تساءلت إن كان يتمنى لقائها، هل تألَّم لعدم وجودها كما تألمتُ لعدم وجود أمي؟».

هل تدخل رواية حسيني في إطار ما يمكن وصفه بـ«المدن المستعادة سردا»، كإسطنبول في رائعة أورهان باموق

وما إن تَدْخُل الغيرة قلب أمير، حتى تتبدَّل صيغ السؤال والجواب فما أن يعنفه أبوه بعد سباق البوزكاشي، لعدم معرفته هنري كسينجر، يسأله حسان برفق «إن كان شيء يزعجه»، فما كان جوابه إلا نظرة قاسية وقال له اهتم بأمورك، وقد يطلُّ السؤال بصيغة تحمل معاني ودلالات تعكس الرغبة الداخلية لأمير، كأنْ يتساءل مُوجِّهًا كلامه لأبيه: «بابا هل فكَّرْتَ بجلب خدم آخرين»، في إشارة لرغبته في التخلُّص منه.

وقد تُحقَّق الأسئلة ما فشل في الاعتراف به بينه وبين نفسه، يوم أن كتبا «سلاطنة كابول» على ساق الشجرة، إلى إقرار حقيقة العلاقة بأنه «مجرد هازارا خادم»،على نحو جوابه ذات مرّة لآصف وهو ما تكرَّر مع العجوز بائع الفاكهة المجفّفة، فيعترف بعد السؤال عن علاقته به «بأنه خادمي». ثم يأتي السؤال الأهم: «هل كان ثمنًا عادلاً؟ الجواب……. إنه هازارا بائس ليس أكثر، أليس كذلك؟» ، ثم تتحوَّل الأسئلة إلى الجرس الذي عُلق للقط، «هل علم أني أعرف؟ وإن علم، إذا ماذا سأرى إن نظرتُ في عينيه، اللوم؟ السُّخط. أو لا سمح الله ما كان أكبر مخاوفي إخلاص تام؟ كان هذا أكثر من أي شيء لا أحتمل أن أراه»، ويتجاوز الجرس إلى الشعور بالذنب فيصرخ أمير في ذاته:«ماذا سأفعل معك حسّان».


سرد المدن


الشَّيء المُثير حقًا، فهو أنَّ الكاتب وَقعَ في فخ الدِّعَاية الأميركيّة الفجَّة للحُلم الأميركيّ، والانبهار به، لذا أحالَ كُلَّ ما حدث إلى الإسلاميين دون أن ينتقدَ النموذج الأميركي أو يوجِّه اللَّوم له، رغم أنه المُسبِّب الأكبر لما حدث، بل كان الأداة التي ساعدت ودعَّمت حركة المجاهدين ضد الروس، والتي انبثقت عنها طالبان، ثمّ انقلبت على الحليف بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وطاردت قادته في معارك طاحنة. ومع كُلِّ هذا، هل يمكننا القول إن الرواية تدخل في إطار ما يمكن وصفه بـ«المُدن المُستعادَة سَردًا»، كإسطنبول في رائعة أورهان باموق «إسطنبول: الذِّكْريات والمدينة»، ومدينة ماركيز «ماكندو» في رواية «مئة عام من العُزلة» وهو ما تكرَّرَ في «الجمر والرماد» لهشام شرابي، و«سيرة مدينة» لعبدالرحمن منيف و«رأيت رام الله» لمريد البرغوثي، وغيرهم من روائيي العرب؟!. الجواب بكل بساطة، ولِمَ لا!

12