عذرا نبينا

الاثنين 2014/06/16

عذراً سيد الخلق وخاتم النّبيئين، عذراً نبيّنا الكريم، فنحن لم نبق على العَهد، بل لم نكن على العهد منذ البدء، منذ تركتنا للقاء رفيقك الأعلى، ألف عام ونصف مضت لم نفعل فيها ما يستحقّ أن تفاخر به بين الأمم، عدا تناسل أعمى وتكاثر ممل بلا طموح إنساني ولا أدنى أمل، من الحضيض دوماً إلى الحضيض، مثل السّلاحف الساكنة في البرك الآسنة، لا نبدع، لا نصنع، لا نرتفع، نساؤنا أرحام تدفع، ورجالنا سيوف تقطع، وأوطاننا حفر تبلع، قطّاع طرق صرنا بكل المقاييس، مسوخ آدمية، رعب نابع من فتاوى قديمة، قيح متورم على صفحات صفراء، أعشاب ضارّة على قارعة التاريخ. من يقتلعنا من جذورنا رحمة بنا؟ من يقنعنا بأن نكفّ عن العويل والهويل رحمة بالإنسانية؟

ليس من زاد لدينا غير المزايدة. نزايد على جهلنا بسلاطة اللسان، نزايد على فقرنا بكثرة التحريم والحرمان، نزايد على عُرينا بفرض الحجاب والنقاب والكتمان، نزايد على وَجعنا بأعمال العربدة والعدوان، نزايد على التعبّد بالتشدّد وعلى العقل بالنقل، وعلى البرهان بـ”قال فلان بن علان”، نزايد على الفشل في البنيان بنسف القباب والأبنية والعمران، نزايد على فشلنا في الحياة بكراهة الدنيا وطلب الموت وترتيل أناشيد الأحزان والأكفان. وهكذا صرنا، نعربد في كل الأحيان، في الدين والسُّكْر والسياسة والإدمان. زوّرنا أعز ما لدينا، بدّلنا ديننا، حوّلناه من رحمة للعالمين إلى جمرة ليوم الدين، ولم نكفّ عن العويل: “القابض على دينه كالقابض على الجمر”. فمن جعل ديننا جمراً؟ نستبيح دماء بعضنا ونغني النشيد: “وإمّا ممات يغيظ العدا”. فمن جعل مماتنا غيظاً لنا فينا؟ نعتزل العالم الذي نسكنه ونشكو غربتنا مولولين: “سيعود الإسلام غريبا”. فمن غرّب إسلامنا عن عالمنا؟

زايَدْنا عليك نبينا، زايدنا منذ البدء على القرآن، أحرقنا المصاحف وضيّعنا الأحرف السبعة التي أودعتها في الصدور والأوراق والوجدان، وبرّرنا ذلك كله بـ”وحدة العقيدة”! كلمة السر نحو خراب العمران وخلو الأوطان. ثمّ لم نحفظ من ذكراك شيئا يستحق أن يدرج ضمن تراث الإنسانية كما هو شأن عظماء البشرية. حتى خطب الجمعة والأعياد التي ألقيتها لم نحتفظ منها بسطر واحد، حتى قبرك جعلناه يندثر درءا للشرك.. قالوا.

زايدنا على أهلك وأصحابك وعشيرتك الأقربين، قتلنا ثلاثة من خلفائك الرّاشدين، قتلنا بعض آل بيتك، قتلنا جل رموز العشق الإلهي، جعلنا الدين عصيا مستعصيا، زايدنا على البسملة بالتكبير، زايدنا على أوجه الرّحمة بأوجه العبوس والتجهم. وتحت لواء التوحيد قاتل بعضنا البعض قتالا لا أول له ولا آخر. سفكت الدماء منذ موقعة الجمل، والفتنة الكبرى، وصفين، والنّهروان، وصولاً إلى الموصل وتكريت وبغداد وغيرها، قطعنا رؤوس بعضنا ولا نزال، سفكنا دماء بعضنا ولا نزال، سبينا نساء بعضنا ولا نزال، سلخنا الجلود، وفي كل مرّة كان القاتل ينطق بالتكبير وكان المقتول ينطق بالشهادة !

عذراً سيد الخلق نحن أمّة من الكذابين والمنافقين. دماؤنا رخيصة ونسترخصها يوميا ثم نثرثر بأنّ “الفتنة أشد من القتل” وبأنّ “دم المسلم على المسلم حرام” وبأنّ “لا إكراه في الدين”… نحن مجرّد ظاهرة صوتيّة بأسوأ المقاييس، نُكفر نُفجر نُدمر، وفي نفس الوقت نثرثر: “يريد الله بكم اليسر”، و”لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” فما أكذبنا!

عذرا نبينا الكريم، فنحن عالة عليك، عالة على الله، عالة على البشرية، مجرّد بشر زائدين عن الحاجة، مشاريع قطاع طرق ومفجري أنفسهم في المقاهي والمشافي والزحام، أوراق محروقة في أيدي تريد هدم المعبد على رؤوس الجميع، رهانات خاسرة في أيدي غير آمنة، أوراق ساقطة في مهب الرياح بلا حسبان، أغبياء هذا الزّمان.

عذرا نبينا.. نسفنا رسالتك باسم الرسالة، فجرنا مشروعك من الداخل، مزقنا الوصية إرباً إرباً، نَحَرْنا الإسلام بسيف الإسلام من الوريد إلى الوريد. ثم مسحنا آثار الجريمة، وسجلنا الشكاية ضدّ مجهول. فلا تشفع لنا نبينا.. إننا لا نستحق الشفاعة.


كاتب مغربي

8