عذرية الأدب وعولمة الثقافة

الأحد 2016/11/20

واحدة من أقوى حجج المعارضين لإعانات دعم الثقافة والفنون على مدى سنوات طويلة هي أن الناس العاديين لا يعيرون اهتماماً كبيراً للثقافة، نظراً لاهتماماتهم المختلفة الأخرى المنصبّة على الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي وكرة القدم. لكن يبدو أن الأمر ليس كذلك، على الأقل بالنسبة إلى البروفيسور الهولندي روت فينهوفن، الذي قدّم دراسة عميقة وتطبيقية أظهرت أن الناس العاديين، وخصوصاً الأقل تعليماً، أكثر سعادة ويتمتّعون أكثر من غيرهم بالثقافة.

طبعاً الثقافة هنا ليست بالضرورة الأدب تحديداً، بل هي ما يمكن تسميته بالأدب المتحوّل أو المُعالج أو المحمول على محفّات أشكال إبداعية أخرى، مثل السينما والعروض المسرحية والألعاب الإلكترونية وغيرها من الأساليب. وعلى الرغم من أن قراءة كتاب ما أو رواية ما تبقى الممارسة الثقافية الأقل تكلفة في عصرنا، إلّا أن الإقبال على مشاهدة الأفلام والعروض المسرحية والموسيقية مازالت تشهد انتشارا وشعبية واسعين، لا سيما في الغرب، على الرغم من ارتفاع تكلفتها.

وبالنظر إلى اختلاف أساليب تلقي المتعة والشعور بالسعادة من شعب إلى آخر، وارتباط عملية إنتاج تلك الثقافة بمستوى استقرار أو اضطراب المجتمعات، فإن التعريف المعاصر لمفهوم السعادة هو تلك اللحظات أو السويعات التي يتمكّن فيها الإنسان المعاصر المضغوط بنمط الحياة العصرية المعقّد والمتسارع، من انتزاع نفسه من مشاغله للتمتّع بالخيال، سواء كان ذلك الخيال أو التحفيز عليه آتٍ من مشاهدة فيلم مصنوع بطريقة متقنة أو زيارة متحف مهم أو قراءة رواية جيدة.

وباستثناء السعادة الشخصية المبنية على العواطف الإنسانية، مثل التمتّع بالمشاعر الدافئة داخل الأسرة أو خوض غمار علاقة عاطفية عاصفة، فإن أسباب السعادة الأخرى بالنسبة إلى الناس العاديين في زماننا تكاد تكون مقتصرة على شراء المتعة، أو ما بات يُعرف في الغرب بالإنترتيمنت الذي يشمل كلّ ما يمكن تقديمه للناس من صناعة ونتاجات إبداعية قادرة على إخراجهم من همومهم اليومية مقابل أثمان مدفوعة، بما في ذلك الأدب الجيد والمسرح الجيد، وبالنظر إلى شدّة المنافسة في عالم بيع المتعة للجمهور، أصبح هذا الجمهور أكثر تطلّباً وحرصاً على اختيار أسباب متعته تلك، ومازال الأفراد غير مستعدين لدفع ما يعادل عشرين دولاراً مقابل رواية سيئة أو غير محكمة أو لا تنطوي على كمّ مناسب من الخيال ومسببات تحفيز المشاعر لديهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الفنون الأخرى.

وعلى سبيل المثال أدت رغبات الجمهور المتزايدة تلك إلى تغيّرات عميقة في أساليب الإخراج السينمائي والمسرحي، ولم يعد الجمهور مقتنعاً بعروض مسرحية يغلب عليها طابع الحوارات المملّة التي تحاكي أسلوب الراديو تغيب فيها الصورة المتحركة وعوامل المؤثرات البصرية الأخرى لتحقيق أكبر قدر من الإدهاش.

لقد لجأ بيتر جاكسون مخرج فيلم “كنغ كونغ” على سبيل المثال إلى تجسيد كمّ هائل من الإثارة على مدى ثلاث ساعات متواصلة ليرضي الجمهور المتلهّف ويغطّي التكاليف المهولة للإنتاج ويحقق الأرباح لشركات الإنتاج المساهمة في صنع الفيلم، وكذلك صنع المخرج جيمس كاميرون في فيلمه الشهير “تايتانيك”.

وخلاصة الأمر فإن مفهوم السعادة وارتباطه بالمتعة وفرض شروطه على المشتغلين في المجالات الإبداعية وبحث الجمهور الدائم عن الإدهاش جميعها أساليب وتمظهرات ثقافية جديدة ينبغي الاستعداد لها وتقبلها وعدم النفور منها والتقوقع في غياهب الماضي بدعوى الإخلاص لعذرية الأدب، ناهيك عن الرغبة العارمة للاطلاع على تجارب الشعوب المختلفة وفق مصطلح ما بات يُعرف بعولمة الثقافة وتناول قصص وحكايات الشعوب الأخرى، كما هو الأمر في قصص الفقراء في الهند وأحلامهم بالغنى التي عولجت في فيلم “المليونير المتشرد”.

كاتب من العراق

11