عراب الرواية يودع عزلته

الثلاثاء 2014/04/22

خرج ماركيز من عزلته قبل أيّام في مشهد كرنفاليّ يحتفي بالبسمة والأمل، وهو على أعتاب الوداع، يلوّح بيديه ويؤمّل محبّيه، ظهر أمام محبّيه وكأنّه استشفّ النهاية واختار التوديع ببسمة المبشّر، وهو الذي ظلّ بسمة للقرّاء والمستضعفين، ووسواسا للطغاة والمستكبرين.

بعيدا عن كلمات الرثاء التقليديّة، وتراكيب التأبين المستنزفة، فإنّ الرحيل لا يليق به، وهو الحاضر دوما بتأثيره في الخيال وتفعيله له، هو الهائم في سماوات الحكاية وسحرها.

لا أدري إلى أيّ حدّ قد تصدق صفة الراحل عليه وهو الذي يتواجد في اللغات الحيّة كلّها بإبداعاته..؟ كيف يرحل وهو الذي عاش ليروي، ويجمّل الحياة بسحره..؟ يرقد ماركيز بجانب غانياته الحزينات، يضمّد جراح أرواحهنّ، قصّة رحيله معلنة كعزلته، رائحة الجوّافة تعبق في كلماته وترتحل مع دوائر التأثير المتعاظمة بالتقادم.

كان يقول: “أكتب كي يتذكّرني أصدقائي”. اليوم يرحل ويترك آثاره أيقونات في تاريخ الأدب، مع ملاحظة منقوشة تؤكّد استحالة نسيانه. ضجيج العزلة التي صوّرها تتقاطع والحبّ الذي جسّده، والدهشة التي عمّمها وأبقاها متفعّلة تتمازج مع الدمار الذي عالجه وعاينه.

يصعب أن تعثر على روائيّ معاصر لم يتأثّر بشيء من سحر ماركيز، استحقّ الأبوّة ولم يبحث عنها أو يتشبّث بها، تمرّد على الصيغ والقوالب ورسم ملاحمه الروائيّة الفريدة، أعطى فأبدع، وألقى بمرساته في بحر اللذّة وفردوس الحكايات.

لربّما يستحيل تأطير دور ماركيز وتأثيره في عالم الأدب والرواية والإبداع، وهو الذي أطلق العنان للخيال ورسم خرائطه الروائيّة في عالم مفعم بالتناقضات، أفصح عن بعض أسرار الصنعة لديه، رسّخ جمالية الحقيقة التي صاغها بحيله الفنيّة.

نقل “غابو” إلى القارئ صورا عن قريته الصغيرة “أراكاتاكا” التي جعلها متحفا روائيّا، حسبه أنّه حوّلها إلى عاصمة عالميّة للأدب، وضعها في مصافّ المتاحف الكبرى، وجعلها محجّا لعشّاق أدبه، والباحثين عن آثار شخصيّاته بين ثناياها وفي زواياها.

أربك ماركيز الطغاة، بحياته وموته، أربكهم بتصويره لخباياهم. كتب “خريف البطريرك”، لعن الديكتاتوريّة، ردّ بطريقته كمبدع على الظلم والإذلال والإجرام، سعى إلى تأبيد الربيع والاحتفاء حين عرّى الديكتاتور، وصرخ صرخته الواعية الحرّة.

الأب، المعلّم، الشيخ، العاشق، المجدّد، الساحر.. أوصاف تليق بمبدع ثار على الظلم وفضحه. يرحل “غابو” عرّاب الرواية، وما يزال البطريرك الحرباويّ؛ لوياثان العصر، يفسد في الأرض ويلوّث الإنسانيّة.


كاتب من سوريا مقيم في بريطانيا

15