عراف يصوغ الحكايات وشخصيات تتابع أقدارها بصمت

لم يعد مفهوم الحكاية في العمل الروائي بوصفها الأساس حاسما، فالحكاية أصبحت عاملا ثانويا حد الإهمال، فالتجربة الروائية أصبحت تركز على الرواية ذاتها كفنّ، وعلى تقنياتها في إيصال المعنى، ليكون الاشتغال الروائي على السرد أكثر منه على أصالة الحكاية وفرادتها.
الجمعة 2016/04/15
أوراق التاروت تجربة سيميائية محكومة بالاختيار

يستلهم الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو في روايته “قلعة المصائر المتقاطعة” تقنيات قراءة الطالع والحكايات المرتبطة بها، ليبني عمارا روائيا فريدا من نوعه تكون الحكاية فيه ملكا للقارئ، فالراوي يضع الأساسات ليترك القارئ يؤوّل كما يريد دون حكاية محددة.

الحظ واللعب هما الموضوعان اللذان يشكلان آلية تكوين الحكاية ضمن الرواية، التي تتكون بصورة دقيقة من نوفيلتين، كل منهما تحوي عددا من الحكايات التي استلهمها كالفينو من مجموعتين من ورق التاروت اللتين كانتا تستخدمان لقراءة الطالع، النوفيلا الأولى تعتمد على تاروت فيزكوني تاروزا (74 ورقة) التي تعود للقرن الخامس عشر ميلادي، والثانية تعتمد على تاروت مارسيليا (56 ورقة).

لعبة ورق

رواية “قلعة المصائر المتقاطعة” صدرت للمرة الأولى عام 1973، ومؤخرا صدرت ترجمة لها عن دار المدى أنجزها ياسين طه حافظ.

تحكي النوفيلا الأولى بعنوان “قلعة المصائر المتقاطعة” قصة مسافر حط في قلعة ما، ليلعب مع الحاضرين فيها ورق التاروت، فتبدأ كل من الشخصيات بسحب ورقة تلو الأخرى لتحكي حكايتها، الطاولة الافتراضية التي تضع الشخصيات عليها الأوراق، نراها أمامنا عبر الرسومات التي تحويها الرواية للأوراق، وكلما زادت الأوراق، تشابكت الحكايات، وازداد تعقيدها، كل ورقة يعاد تأويلها وفق الشخص الذي يروي، لتتداخل المصائر وتتحول إلى طبقات مختلفة من المعنى يمكن إعادة تركيبها مرة أخرى، فلا يوجد خط أفقي للحكاية التي نراها تتغير وتتبدل حسب التأويل.

فالشخصيات تحكي مرة واحدة تأويلاتها الخاصة، في حين أنّ القارئ يمتلك عددا هائلا من الاحتمالات/ التأويلات، في النوفيلا الثانية “نزل المصائر المتقاطعة” ذات التقنية، إذ تجتمع الشخصيات في غابة ما لكنها تفقد القدرة على الكلام، ليبقى الراوي وحيدا، فالشخصيات تختار الأوراق والراوي يؤوّل الحكايات التي تختلف حسب نوع الورقة التي اختارها الشخص وترتيبها على الطاولة.

مغامرة سيميائية

الرسومات والرموز التي تحويها أوراق التاروت هي التي تشكل الأساس في خلق الحكاية، وعملية الاختيار بالنهاية هي الحظ، أي “دالّ” تحمله أي من الأوراق هو الذي سيشكل سير الأحداث وبناء المعنى، إلى جانب مفهوم اللعب المرتبط بترتيب هذه الأوراق، فالتقنية هنا تجعل الحكاية خاضعة للهوى الشخصي لدى الراوي والقارئ، نحن أمام عدد لا نهائي من التأويلات المرتبطة بخصائص التاروت السيميائيّة وقدرة المتلقي على التأويل.

رواية تقنيات اللعب والحظ

ففي القسم الأول تحضر الأساطير والحكايات الشعبية المرتبطة بحكايات الملوك والسحرة والخيمياء، في حين في القسم الثاني نقرأ التناص مع التراث العالمي، إذ يحضر هاملت وأوديب وماكبث وفاوست، المصائر تتداخل، لتطرح التساؤلات حول طبيعة الخيارات التي قامت بها ومدى جدواها، لكن السؤال الأشمل هو، ما الذي يصنع المعنى؟

اعتباطية الحكاية

الصيغة التي تقدم فيها الرواية الحكايات مرتبطة بالقدر، نحن أمام بنى من العلامات السيميائية (الأوراق) تحمل في جوهرها عبثا واعتباطية أو “حظا” بصورة ما، وهذه الاعتباطية المرتبطة بطبيعة الدوال هي التي تحكم مصائر الشخصيات، فكل تأويل للعلامات على الورقة/ المصير مرتبط بالكفاءة السيميائية، نحن أمام بطاقات عشوائية وأقدار تتغير حسب التأويل الشخصي، لا توجد رؤية موضوعية للواقع –الخيال، وفقدان الشخصيات لقدرتها على الكلام في النوفيلا الثانية يبرز الجانب الآخر للحظ، وهو اللعب، الشخصيات تلعب وفق قواعد التاروت، لا تستطيع “لفظ” حكاياتها، فاللفظ والكلام هنا هما اللذان يحددان المصير، والوحيد الذي يمتلك قدرة خلقه/لفظه هو الراوي الحر في اختيار التأويلات، أما الشخصيات، فتنصاع لأوراقها/ أقدارها.

احتمالات لا متناهية

النص الذي يقدمه لنا كالفينو مفتوح على كافة الاحتمالات، هو تجربة سيميائية محكومة بالاختيار، فكل خيار هو احتمال للفقدان، وهذه الفقدانات/ الاختيارات التي لم تحصل، هي بحد ذاتها حكايات، تستدعي اكتشافها، هي موجودة بانتظار صوت لينطق بها، فخيارات اللعب مرتبطة بالمجهول، بالمصائر واللامعرفة التي تفترض ما يمكن أن يكون، فالراوي أشبه بعرّاف يصوغ الحكايات، أما الشخصيات فتتابع أقدارها بصمت يعكس بالعجز، ما في الأوراق سيحدث مهما تغير الترتيب، لا انفكاك من أقدار-حكايات مرسومة مسبقا.

في النهاية يحكي كالفينو حكايته مع “قلعة المصائر المتقاطعة”، فالجهود التي بذلها وصلت حد الهوس، في سبيل جعل البنيان الروائي متماسكا، بالإضافة إلى أنه فتح المجال أمام تأويلات أخرى، عبر استخدام أوراق وصور مختلفة عن تلك التي استخدمها، إذ يقول “فكرت بابتداع نقيض حاد، أن أعيد العمل بمادة حديثة، ولكن ما هو المماثل المعاصر للتاروت؟ الذي يقدم رسوما للاوعي الجمعي؟ فكرت بأشرطة صور هزلية، أخرى شديدة الدرامية، بأشرطة مغامرات مرعبة، بقطاع طرق، نسوة مرعوبات، سفن فضاء، وجوه أحذية، حرب في الهواء، علماء مجانين، فكرت بما يكمل فصلي القلعة والنزل بإطار مشابه، وذلك بكتابة (موتيل الأقدار المتقاطعة)”.

14