عراقيات ضحايا ابتزاز رقمي يفتقدن الملجأ الاجتماعي والقانوني

غياب الردع يفاقم العنف الجنسي الإلكتروني والابتزاز الرقمي ضد الفتيات في العراق.
الخميس 2019/11/21
عراقيات بين قضاء لا يعلم ومجتمع لا يرحم

تشكو نساء في العراق من وقوعهن ضحايا ممارسات ابتزاز جنسي عبر الإنترنت من قبل قراصنة رقميين، أو أشخاص ربطتهم بهن سابقا علاقات شخصية، تخللها قيام أولئك النساء بإرسال صورهن الحميمة إليهم، وتضع هذه التهديدات الضحايا في مواجهة تبعات مدمّرة في مجتمع عراقي محافظ، قد تراوح بين وصمهن بالعار، وصولا إلى جرائم الشرف.

بغداد - تلقت الشابة هلا ذات ليلة رسالة عبر تطبيق إنستغرام من مجهول يدعي حيازته صورا وتسجيلات خاصة بها، ويهددها بإرسالها إلى والدها، في ابتزاز جنسي يشهد تزايدا في العراق، ويضع نساءه تحت رحمة المبتزّ ومجتمعهن المحافظ.

تلقت هلا -وهو اسم مستعار لحماية هويتها الحقيقية- سلسلة رسائل مماثلة عبر مواقع التواصل المختلفة مثل فيسبوك وسناب شات وإنستغرام، بعدما قام مجهولون باختراق صفحتها وسرقوا صورا حميمة لها.

وتوضح الشابة لوكالة فرانس برس أن “بعضهم كان يريد أموالا وبعضهم الآخر يريد علاقة جنسية حتى لو عبر الهاتف فقط. والبعض الثالث لمجرد الابتزاز”.

وتعزو الضحايا ومحامون وناشطون هذه الممارسات إلى عدة عوامل تتمثل في العيش في مجتمع محافظ إلى حد كبير، وتحول مواقع التواصل إلى منصة افتراضية للمواعدة، وقوانين لا تحمي، وإجراءات أمن رقمي متواضعة تتيح النفاذ إلى الحسابات الشخصية.

وفي العام الماضي، قضت تاره فارس، عارضة الأزياء والنجمة المعروفة عبر إنستغرام، بإطلاق النار عليها في بغداد، في جريمة يرجح أن الدافع خلفها كان أسلوب حياة فارس وتحررها. وأتت تلك الجريمة حينها ضمن موجة استهداف شابات شهيرات، بينهن مديرتا أبرز مركزي تجميل في بغداد.

ويبقى مصيرهن ماثلا في ذهن هلا، لكن الأخيرة، المصممة على عدم الرضوخ للابتزاز، اضطرت إلى مغادرة البلاد في وقت سابق هذا العام، وتقول “ورغم ذلك، حتى الآن تصلني تهديدات. الناس لا ينسون”.

وأكدت الباحثة في قضايا العنف المرتبط بالجنس رُسُل كامل، أن الظروف الاجتماعية والقيود على الاختلاط بين الجنسين دفعت بالعديد من الإناث إلى اللجوء إلى مواقع التواصل للمواعدة والتعرف إلى الشبان.

وفي غياب التربية الجنسية، تلجأ الشابات في بلاد الرافدين إلى منتديات افتراضية خاصة بهن، للبحث في مسائل مرتبطة بالجسد أو البحث عن نصائح من أقرانهن.

وغالبا ما يقوم الثنائي في علاقة عبر الإنترنت، بتبادل صور حميمة بدرجات متفاوتة، علما أن بعض هذه الصور التي قد تقتصر على صور لشابة من دون حجاب “تعتبر عارا في هذا المجتمع”، بحسب كامل.

ويتم استغلال صور مماثلة بشكل متزايد، بحسب كامل وناشطين، استنادا إلى شهادات من ست شابات رفضن إجراء مقابلات صحافية.

الابتزاز الجنسي الرقمي يتضمن تقريبا كل أنواع العنف القائم على النوع الجندري، جنسي ونفسي واقتصادي

وأوضحت صديقة إحداهن أن الأخيرة اضطرت إلى دفع 200 دولار أميركي شهريا، أي نحو نصف الحد الأدنى للأجور في العراق، على مدى أربعة أعوام، لصديقها لكي لا ينشر صورها.

وقامت شابة أخرى ببيع هاتفها النقال ومجوهراتها، لدفع أموال لمقرصن كان يبتزها ويهددها بنشر صور لها، بينما تلقت ثالثة تهديدات من شخص كانت على علاقة به عبر مواقع التواصل، بإرسال صورها إلى زوجها.

وتقول كامل إن هذا النوع من الابتزاز الجنسي الرقمي “يتضمن تقريبا كل أنواع العنف القائم على النوع الجندري، جنسي ونفسي واقتصادي.. ونادرا ما يكون للضحايا أي ملجأ اجتماعي أو قانوني”.

وتشهد تلك الممارسات تزايدا في العراق في الآونة الأخيرة في ظل عدم وجود “أي رادع” في مواجهتها، بحسب المحامية مروة عبدالرضا التي تعاملت مع العشرات من هذه الحالات خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

وتوضح عبدالرضا أن زيارة مقر للشرطة تعد من المحرمات بالنسبة إلى العراقيات اللاتي يخشين أيضا أن يكون مبتزهن محميا من قبل نافذين أو عشائر، مشددة على أن “أغلب الضحايا لا يردن أن يتقدمن بشكوى”. وتضيف “المحكمة هي عبارة عن بعبع عند الناس”.

وإذا كان للضحايا ما يكفي من الجرأة للمضي في مسار قانوني، غالبا ما يجدن أنفسهن في مواجهة سلطة غير مطّلعة على قضايا الإنترنت أو طبيعة الجرائم التي قد يتم ارتكابها باستخدام هذه الشبكة.

وتوضح عبدالرضا أن “القاضي يقول مثلا: أَلْغي الفيسبوك. ما هو الفيسبوك أصلا؟”، مشيرة إلى أن المسار في المحكمة يخضع لتقويم القضاة، فبعضهم قد يضعها في إطار “إرهاب المرأة” وبالتالي فرض عقوبة تتراوح بين السجن ستة أشهر والإعدام، لكن “يمكن لقاضٍ آخر أن يراها جريمة سب وقذف (قدح وذم) تبقى أبسط عقوبة لها الغرامة”. وكشفت وزارة الداخلية العراقية أنها فتحت في الشهر الماضي وحده ثلاث حالات من الابتزاز الجنسي عبر الإنترنت. لكن الشرطة المجتمعية تحاول مقاربة هذه المسألة من زاوية مختلفة، فأقسامها تضم العديد من الشرطيات لتشجيع النساء على تقديم الشكاوى، كما تلقت وحداتها تدريبا في التعامل مع العنف الجندري.

ويقول قائد الشرطة المجتمعية غالب عطية إن وحداته “توفر السرية والثقة، هذه أولوية بالنسبة إلينا. نحاول أن نطبق ما يريده الشخص الذي تعرض للابتزاز، إن كان بإنهاء الموضوع من خلال إلقاء القبض على المبتز أو دون اللجوء إلى المحكمة، أو خارج المحكمة”.

وفي مدينة الموصل، تمكنت الشرطة المجتمعية خلال أسبوع واحد من حل ثلاث قضايا ابتزاز جنسي عبر الإنترنت بالتراضي. لكن عطية يحذر من أن هذه الممارسات تشهد “انتشارا واسعا وخطيرا”، مشيرا إلى أن النساء يشكلن ما بين 60 و70 في المئة ممن يتعرضون للابتزاز الرقمي، وغالبيتهن في بغداد والمحافظات الجنوبية.

ويشدد على الحاجة إلى سن قانون، وعندها “إذا صدر.. سيخفف هذا الأمر”.

لكن عبدالرضا ترى أن ذلك لن يكفي، بل ثمة حاجة إلى تغيير جذري يشمل تغطية وسائل الإعلام لهذه المسائل، وتدريب منظمات المجتمع المدني للشابات بشأن الأمن الرقمي، وحمايتهن في حال تقدمن بالشكوى. وتضيف أن “البنت يمكن أن تقتل في ثانية بسبب هذا الموضوع”.

21