عراقيل تشريعية في طريق الحكومة البريطانية لخنق التطرف

الخميس 2016/08/18
علاقة محفوفة بالحذر

لندن- أعاد اعتقال الواعظ البارز في بريطانيا انجم شودري ومساعده، تسليط الضوء على تحد قانوني يواجه المملكة المتحدة في التصدي للمتشددين، حيث سبق أن أعلن رئيس قيادة مكافحة الإرهاب في شرطة لندن وجود إشكال في مواجهة هؤلاء، مؤكدا أن شودري ومساعده ميزان الرحمن كانا ملتزمين لسنوات بالقانون مع أنهما ينتهكانه صراحة، لكن لا يوجد شك لدى أي شخص في أجهزة مكافحة الإرهاب بشأن تأثيرهما والكراهية التي ينشرانها وبشأن الناس الذين شجعوهم على الانضمام إلى منظمات إرهابية.

وشودري ومساعده قد لا يكونان استثناء في خضم الجدل القانوني وسبل مواجهة المتشددين، وتطرح تساؤلات كبرى في البلاد عن ضرورة حصر مفهوم المتطرف أو المتشدد. ويختزل المشهد معضلة تشريعية تواجهها بريطانيا بين حماية أمنها من جهة والتزامها بضمان الحريات بمفهومها الأوسع العقائدي والسياسي من جهة أخرى.

وبالنسبة إلى من هم في موقع تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة، فإن التصدي للتطرف يعني عدم التهاون بعد الآن مع من يرفضون القيم البريطانية من الديمقراطية وحرية التعبير والمساواة وسيادة القانون. غير أن الحكومة البريطانية وغيرها من الحكومات الغربية تواجه المشكلة ذاتها التي تصارعها تلك الحكومات منذ اعتداءات 11 سبتمبر عام 2001 في الولايات المتحدة، وتتلخص في كيفية منع مواطنيها الشبان من الاتجاه للفكر المتشدد دون أن يبدو أنها تفرض رقابة على أصحاب الرأي الآخر.

فقد شد الآلاف من المسلمين بينهم أكثر من 800 بريطاني الرحال من أوروبا إلى العراق وسوريا لينضم الكثيرون منهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية، في حين أصبحت الهجمات الدامية الأخيرة في باريس وبروكسل ونيس شاهدا حيا على الخطر الذي يمثله البعض ممن أغرتهم قضية عنف الإسلاميين. وتسلط الضوء من جديد على هذه المسألة بعد الكشف، الثلاثاء، عن إدانة انجم تشودري الذي يعد من أبرز الدعاة الإسلاميين في بريطانيا بدعوة أتباعه لدعم تنظيم داعش.

خطط تضييق الخناق على الأفراد قد تؤدي إلى أثر عكسي من خلال تحقيق أغراض الساعين لتجنيد المتشددين

ووضعت إدانة تشودري نهاية لسنوات عديدة كان فيها زعيم منظمات محظورة وتفادى تقديمه للمحاكمة وذلك بالتدقيق في اختيار ما يدلي به من تعليقات على الملأ. وأثار المنتقدون الشكوك في السبب الذي جعل السلطات تستغرق فترة طويلة جدا في التحرك ضد شخص ظل على مدى عقدين من الزمان إحدى الشخصيات البارزة في تيار التشدد الإسلامي، وشارك أتباعه في مؤامرات نفذها متطرفون وأعمال عنف في مختلف أنحاء العالم.

وقالت صحيفة “صن” أوسع الصحف البريطانية انتشارا “يجب عدم التساهل بأي شكل من الأشكال مع أي رجل دين ينادي بآراء متطرفة ويرفض القيم البريطانية – سواء كان مسلما أو غير ذلك. لقد تساهلت بريطانيا لفترة طويلة جدا مع أمثال تشودري من الرجال”. وفي خطاب ألقته في فبراير الماضي قالت تيريزا ماي التي ظلت تشغل منصب وزير الداخلية على مدى ست سنوات قبل أن تتولى رئاسة الحكومة لاحقا “حيث لا يجد التطرف غير العنيف من يقف في وجهه تتفتت القيم التي تربط مجتمعنا معا”.

وأضافت “لذلك ورغم أن التطرف لا يؤدي بالضرورة إلى العنف فإنه يخلق بيئة يمكن لمن يسعون لتفريقنا أن ينجحوا فيها”. وكانت ماي إبان فترة شغل منصب وزير الداخلية مسؤولة عن وضع مشروع قانون لمكافحة التطرف يفرض حظرا على الأفراد أو الجماعات التي تعتبر متطرفة وغلق الأماكن التي ينشط فيها المتشددون.

ومع ذلك لا يوجد ما ينم عن التحرك في اتجاه إصدار هذا التشريع وقالت وزارة الداخلية إنه سيصدر “في الوقت المناسب”. وإحدى العقبات التي تقف في طريقه هي وضع تعريف لمن هو المتطرف وما هو التطرف. وقالت نائبة حزب العمال المعارض هارييت هارمان رئيسة اللجنة البرلمانية المشتركة لحقوق الإنسان التي وضعت تقريرا ينتقد خطط الحكومة في يوليو “إن تقديم تعريف واضح للتطرف مهمة عسيرة ولم تنجح الحكومة حتى الآن في إنجاز هذا الأمر”.

بل إن وزير المالية فيليب هاموند اعترف في مايو بأن هذا الأمر “حقل ألغام” وقال “الخيط بين السلوك المقبول وغير المقبول رفيع ومحفوف بالمخاطر”. ويعتبر سلمان بط (ناشط إسلامي) في نظر من يحطون من قدره – ومنهم الحكومة البريطانية ذاتها – متطرفا تتناقض آراؤه في الإسلام تناقضا صريحا مع القيم البريطانية وتسهم في ترسيخ جو يمكن لأصحاب الأفكار المتشددة أن يستميلوا فيه الشبان لفكرهم.

ورغم أن سلمان ليس متهما بدعم جماعات متطرفة أو أعمال عنف، فإن السلطات البريطانية تعتقد أن تضييق الخناق على أمثاله من النشطاء وحرمانهم من منابر ينشرون من خلالها أفكارهم هو السبيل الوحيد للتصدي للخطر الذي يمثله الجهاديون والجماعات المماثلة لتنظيم الدولة الإسلامية.

فيليب هاموند: الخيط بين السلوك المقبول وغير المقبول رفيع ومحفوف بالمخاطر
غير أن منتقدي هذا الاتجاه بمن فيهم جماعات الحقوق المدنية وأساتذة جامعيون كبار وأعضاء في البرلمان، يقولون إن ما تحاول الحكومة فعله يرقى إلى فرض قيد على حرية التعبير، الأمر الذي قد يدق إسفينا بين السلطات ومسلمي بريطانيا البالغ عددهم 2.8 مليون نسمة. ويجادل هؤلاء بأن هذه الخطط لن تزيد الأمر إلا سوءا وترقى إلى مستوى الاعتداء على الحريات الأساسية التي تريد الحكومة حمايتها.

وقال سلمان (30 عاما) الذي يقاضي الحكومة البريطانية بسبب إستراتيجيتها في التصدي للتطرف “على مدى السنوات القليلة الماضية أخذت دائرة من يعتبر وما يعتبر متطرفا في الاتساع ببطء”. وأضاف “قبل ذلك كان مجرد شخص يرتكب جرائم أو يدعو إلى العنف ثم توسعوا أكثر فأكثر بما يشمل الناس العاديين الذين يتصادف أن ينتقدوا جوانب معينة من السياسة الحكومة أو يعتنقوا أفكارا إسلامية محافظة معينة”.

وفي سبتمبر الماضي كان سلمان (30 عاما) الذي يدير منتدى على الإنترنت من أوائل من سقطوا بمقتضى الخطوات الرامية لتضييق الخناق على المتطرفين ممن لا يلجأون للعنف، وذلك بعد أن تحققت منه وحدة سرية مشكلة من إدارات حكومية مختلفة لتحليلات التطرف أنشئت لتحديد مصادر القلق من الجماعات والأفراد.

وورد اسم هذا الناشط الحاصل على درجة الدكتوراه في الكيمياء الحيوية في بيان صحافي صدر عن الحكومة عن “خطباء الكراهية” باعتباره واحدا من 6 شخصيات ألقت خطبا في جامعات “وثبت أنها أبدت آراء تتعارض مع قيم بريطانيا”.

وذكر تفسير قدمته الحكومة في ما بعد إلى البرلمان أنه شبه في ما يبدو المثلية الجنسية بالاعتداء الجنسي على الأطفال، كما أنه ألقى خطبا جنبا إلى جنب مع شخصيات من منظمة كيدج التي ازداد الاهتمام بها لما ربطها من اتصالات بمحمد إموازي المتطرف البريطاني المعروف باسم “الجهادي جون” الذي ظهر في مقاطع فيديو نشرها تنظيم داعش وهو يذبح أسرى أجانب. وقال سلمان إن الاتهامات الموجهة له “كلام فارغ تماما” وأخذ إجراءات قانونية للطعن في أسلوب الحكومة في تحديد من هو المتطرف.

وحذر ديفيد أندرسون المسؤول عن مراقبة قوانين مكافحة الإرهاب في بريطانيا من أن خطط تضييق الخناق على الأفراد قد تؤدي إلى أثر عكسي من خلال تحقيق أغراض الساعين لتجنيد المتشددين. غير أن من يؤيدون الحكومة في ما تنوي عمله يقولون إن السماح للمتطرفين بحرية استخدام المنابر العامة أو الجامعات يسمح بتوصيل رسائلهم للضعفاء المعرضين للتأثر بآرائهم.

5