عراقيل سياسية ومعضلات أمنية تعيق اليمن الحالم بالاستقرار

الاثنين 2014/03/17
تعنت الحوثيين و محاربتهم للحكومة و مشروع الدولة اليمنية من أبرز العوائق

صنعاء - يحاول اليمن النهوض بعد التغييرات التي حدثت على المشهد السياسي والأمني والتي صاحبت المرحلة الانتقالية بعد رحيل نظام صالح عن الحكم واعتماد المبادرة الخليجية أساسا لبناء حياة سياسية مختلفة.

بعد سلسلة مبادرات واجتماعات دولية وعربية اعتمد مجلس الأمن الدولي في أواخر فبراير الماضي، دعما للعملية الانتقالية في اليمن، القرار 2140 الذي يُهدّد بفرض عقوبات على أي أفراد أو كيانات يمكن أن يعطّلوا العملية الانتقالية، ومنعهم من السفر في محاولة للمساهمة في دعم وبسط سيطرة السلطات اليمنية على الدولة. و قد تناولت العديد من التقارير مدى استطاعة هذا القرار الأممي المساهمة في بناء لبنة الدولة الجديدة في اليمن، وهو ما جاء في دراسة تحليلية صادرة عن موقع صدى التابع لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

يشير الباحث ناصر الربيعي في الدراسة إلى أن صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات يشكلان الخطوتين الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة، بعد الحوار الوطني الذي امتدّ طيلة عشرة أشهر في اليمن، ويتفق المتتبعون للشأن اليمني على أنه لا يمكن تطبيق توصيات الحوار من دون الحصول على دعم إضافي من الخارج، الأمر الذي قد يتسبّب في إحداث خلل في الميزان السياسي الهش.

واعتمد القرار 2140، عقب الخلافات بين المجموعات المتنافسة حول القرار المدعوم من الأمم المتحدة بتقسيم بلادهم إلى ستة أقاليم، أربعة في الشمال واثنان في الجنوب، ضمن دولة اتحادية.

وقد صدر القرار 2140 بعدما بات واضحاً، لليمنيين على الأقل، أنه سيكون من شبه المستحيل على الرئيس عبدربه منصور هادي كبح الممارسات التي أدّت حتى الآن إلى عرقلة العملية الانتقالية لاسيما الاغتيالات وعمليات الخطف، وتفجير منشآت الغاز والنفط والكهرباء.

فعلى سبيل المثال، هاجم تنظيم القاعدة مؤخرا السجن الذي يخضع للإجراءات الأمنية الأكثر تشدّدا في البلاد، فتمكّن 29 إرهابيا ومجرما من الفرار، بعدما كان قد هاجم سابقا مقر وزارة الدفاع في الخامس من ديسمبر الماضي، مما أسفر عن مقتل أكثر من 52 شخصا في مستشفى المجمّع.

وتُظهر هاتان العمليتان الإرهابيتان اللتان نُفِّذتا في العاصمة اليمنية أن تنظيم القاعدة يشعر الآن بأنه أكثر أمانا في صنعاء منه في أي مكان آخر، حيث تستطيع الطائرات الأميركية دون طيّار أن تقصف بسهولة.

في غضون ذلك، توجّه الحكومة الانتقالية بقيادة الإسلاميين وحتى الرئيس هادي، أصابع الاتهام إلى الرئيس السابق علي عبدالله صالح بدعم المخرّبين، ومن بينهم القاعدة.

أحمد الصوفي: سيصبح اليمن مستنقعا للحروب، إذا انتهكت المبادرة الخليجية


جهود أممية


لم تستطع الأمم المتحدة، على الرغم من حسن نواياها والجهود التي تبذلها، تحديد المخرّبين، باستثناء تنظيم القاعدة ذي الأهداف التخريبية الواضحة، وجمع أدلّة كافية ضدهم لتطبيق القرار 2140 تطبيقاً كاملا ومنهجيا. في حين يتواصل الجدل في العامين الأخيرين حول هويّة المخرّبين، لم يتمكّن مستشار أمين عام الأمم المتحدة الخاص بشؤون اليمن، جمال بن عمر، ولا الخبراء اليمنيون من تحديد مخرّب واحد لدى أيٍّ من الطرفَين المتخاصمين، على الرغم من الهجمات وعمليات الخطف المتكررة. يُفترض بالقرار 2140 معاقبة المخرّبين عبر تجميد أصولهم ومنعهم من السفر، إلا أنه ليس بمقدور أية مجموعة جمع أدلّة دامغة تثبت أن أعضاء الطرف الآخر مخرّبون.

فشل بن عمر الذي أراد تأدية دور الوسيط بين الفريقَين المتناحرين (حلفاء النظام السابق والثوّار المعارضين له) في البقاء على الحياد. فهو يميّز في بعض تصريحاته بين “الثوّار” و”غير الثوّار” (أي النظام السابق)، في إشارة إلى طرفي النزاع، على الرغم من أن اتفاق المرحلة الانتقالية نصّ على اعتبارهما شريكَين متساويين.

ونظراً إلى صعوبة التعرّف على هوية المخرّبين ومساءلتهم، قرّر مجلس الأمن الدولي تشكيل لجنة من أعضائه الخمسة عشر للمساعدة على كشف المخرّبين بغض النظر عن جهود بن عمر الذي تصفه بعض الأطراف في اليمن بـ”غير المحايد وغير المرغوب فيه”. لكن حتى لو تشكّلت لجنة قوية ومحايدة بالكامل، فقد لا تتمكّن من تحقيق ما أنجزه بن عمر لناحية الاجتماع بطيف واسع من الأفرقاء والعمل معهم – بما في ذلك الرئيس هادي وأكثرية الأحزاب والمجموعات المشارِكة في العملية السياسية – والتعرّف على هوية المخرّبين، فما بالكم بالعثور على أدلّة كافية لإدانتهم.


سيناريوهات محتملة


انطلاقا من هذه التحدّيات، ستواجه اللجنة ثلاثة سيناريوهات محتملة. في أفضل الأحوال، يتخوّف المخرّبون – حتى قبل التعرّف على هويتهم- من التعرّض لعقوبات شديدة الوطأة ومن لجوء الأمم المتحدة إلى تطبيق الفصل السابع من ميثاقها بهدف اتخاذ خطوات عسكرية وغير عسكرية لـ”إعادة إرساء السلام والأمن الدوليين”.

راجح بادي: سيردع القرار2140 المخربين، ولن يفشل على الإطلاق

في هذه الحالة، قد يدفع الخوف من التداعيات بالأفرقاء إلى التعاون ومنع حدوث تعطيل. أما في السيناريو الثاني، فتعمد اللجنة إلى جمع أدلة واضحة ومقنعة تسمح بالكشف عن هؤلاء المخرّبين ويمكن تسليمها إلى المحاكم لتحديد مسؤوليتهم. ثم يُحاكَم المخرّبون إما في محاكم يمنية، وإما خارج البلاد، وهذا الاحتمال الثاني أكثر ترجيحا لأن القضاة اليمنيين قد لا يرغبون في الإشراف على مثل هذه العملية أو قد يعجزون عن ذلك. لكن يُستبعد حدوث هذا السيناريو لأنه يتطلّب أدلّة دامغة تَبيّن حتى الآن أنه يصعب كثيرا الحصول عليها.

يبقى السيناريو الأخير والأسوأ حيث تُحدّد اللجنة المخرّبين بالاستناد إلى تقارير ملفّقة أو معلومات مسيّسة أو تخمينات إعلامية أو أحكام مسبقة. في هذه الحالة، يحتدم النزاع، ولا يعود أحد يكترث للتداعيات على غرار العقوبات الدولية.

المشكلة الأخرى التي تعترض قرار مجلس الأمن الدولي 2140 هي النظرة التي ترى فيه تدخّلا في الهيكليات السياسية الداخلية، الأمر الذي يخشى بعض اليمنيين أن يؤدّي إلى تهميشهم. ينصّ القرار صراحة على أن هدفه يتمثّل في “طي صفحة رئاسة علي عبدالله صالح”، ويعتبر اليمنيون أن ذلك يعني أن هادي سيتسلّم رئاسة المؤتمر الشعبي العام الذي لايزال يرأسه صالح حتى تاريخه، فيما يتولّى هادي منصب نائب الرئيس.

سيكون من الصعب إرغام صالح على التنحّي عن رئاسة الحزب نظرا إلى أنه وقّع مبادرة مجلس التعاون الخليجي التي تشكّل إطار الاتفاق الأولي للعملية الانتقالية في نوفمبر 2011 بصفته رئيس الجمهورية اليمنية وزعيم المؤتمر الشعبي العام.

وقد صرح أحمد الصوفي، المسؤول في المؤتمر الشعبي العام والسكرتير الصحفي لصالح: “إذا كانت القرارات تشكّل انتهاكا لمبادرة مجلس التعاون الخليجي بأي طريقة من الطرق وتُحوّلها إلى أداة لتصفية الحسابات، فسيصبح اليمن من جديد مستنقعا للحروب”. لكن في الوقت الراهن، يحظى القرار بالدعم الكامل من الحكومة المؤقتة. في هذا الصدد يقول راجح بادي، المتحدّث الرسمي باسم حكومة الوفاق الوطني المؤقتة والمسؤول الكبير في حزب الإصلاح الإسلامي، إنه لا يتوقّع أن يتحدّى أحد القرار، مضيفا “سيردع القرار المخرّبين، ولن يفشل على الإطلاق. لن يجرؤ أحد على مواجهة إجماع المجتمع الدولي حتى بمجرد التفكير في تعطيل نتائج الحوار”. قد يساعد القرار 2140 اليمن، شرط تطبيقه بحكمة ولاسيما إذا سمح لليمنيين بتحقيق الأهداف الأساسية للحوار الوطني. لكن يمكن أن يتسبّب أيضا في عرقلة العملية الانتقالية إذا ساهم في صبّ النار على زيت الانقسامات السياسية.

6