عراقيون يجلّدون كتبا تحمل ذكريات محنهم

السبت 2014/05/31
تراجع الإقبال على تجليد الكتب وترميمها مع تطور وسائل الطباعة

البصرة – يعمل مجلد الكتب رافد هادي كاظم جاهدا في ورشته بمدينة البصرة بجنوب العراق على الحفاظ على حرفته من الاندثار.

نشأ كاظم مولعا بالكتب وشغوفا بالقراءة وبدأ يتعلم ترميمها وتجليدها في الثامنة عشرة من عمره حيث قضى عامين يتدرب على الحرفة في ورشة بالمدينة.

وقال كاظم (45 عاما)، “آخر المجلدين للكتب في البصرة”: “قبل قرابة 22 أو23 سنة كنت من هواة القراءة والمطالعة والأدب والكتابة، فالكتاب كان قريبا لي جدا. فالكتب التي بحوزتي كانت كلها قديمة وأوراقها بالية وشبه ممزقة، فكنت أرسلها دائما إلى المجلد كي يرممها ويصلحها، لكن مع مرور الأيام خلال قراءتي ومطالعتي بدأت أميل إلى هذه الكتب، ومن ثمة إلى التجليد ومعالجة الورقة”.

وأضاف أن حبه للكتب ساعده في إتقان حرفة التجليد والترميم التي تحتاج إلى قدر كبير من الصبر والخبرة والاهتمام بالتفاصيل.

وقال “بمرور الأيام عرفت كيف أجلد الكتاب وبدأت أشتغل عند رجل يجلد الكتب لمدة سنتين إلى أن أتقنت تفاصل المهنة وفنونها وأسرارها. الحمد لله، لقد تأهلت جيدا وفتحت بعد ذلك محلا أجلد فيه وأرمم الكتب القديمة”.

وتقع ورشة كاظم في منطقة العشار التجارية القديمة في البصرة بين المطابع وورش الخطاطين وبالقرب من أحد أقدم المقاهي في المدينة.

التجليد حرفة امتهنها العراقيون منذ القدم

وكان الطلب على حرفة كاظم في عهد الرئيس السابق صدام حسين كبيرا حيث كان يرمم ويجلد ما بين 50 و60 كتابا في اليوم، لكن العدد تراجع في الوقت الراهن إلى ما بين عشرة كتب و15 كتابا معظمها شيعية.

وكان كل من يملك أو يبيع كتبا شيعية في الثمانينات والتسعينات معرضا للسجن. وكانت كتب المذهب الشيعي تدخل العراق مهربة من الخارج وتطبع منها نسخ بطريقة التصوير الضوئي ثم ترسل إلى المجلدين لتغليفها بطريقة لا تشي بمحتوياتها.

لكن الوضع تغير كثيرا منذ سقوط نظام صدام وصارت الكتب الشيعية تباع في المكتبات والشوارع وفي مختف أنحاء العراق.

وقال كاظم: “في فترة النظام السابق كان أكثر الناس يهربون من واقعهم بالقراءة. فأغلبهم كان شغوفا بالقراءة، حتى غير المتدينين منهم. والمدنيون كانوا يقرؤون سواء هربا من الواقع أو بغضا للنظام. فالإقبال على الكتب كان أكثر في ذلك العهد، جراء غياب الفضائيات والإنترنت وحتى الاتصال بالعالم الخارجي كان تقريبا منعدما. أما اليوم فالعراق انفتح على العالم الخارجي، ومن ثمة قلّ الشغف بالكتاب”.

ويستخدم بعض المجلدين آلات أو أدوات حديثة نسبيا في حرفتهم لكن البعض الآخر لا يزال يتمسك بالأدوات التقليدية القديمة.

وقال كاظم: “حتى الآن هناك مجلدون لا يروق لهم إلا المهنة الحرفية اليدوية، أو النظام البدائي. ورغم قدم الأدوات التي استخدمها في التجليد إلا أنها لازالت تعتبر حديثة قياسا بالسابق وبالأدوات التي كنا نستخدمها. لم يعد يوجد “دريل” (مثقاب آلي) أو “مزرف” (مثقاب يدوي)، وخلال ثلاث ساعات نستطيع أن نخيط كتابا”.

ورغم التراجع الكبير في الإقبال على تجليد الكتب وترميمها يرى كاظم أن حب الناس لاقتناء الكتب سيحفظ حرفته من الاندثار.

وقال “أكثر الناس يصلحون الكتب القديمة لعدة أسباب. أولا كونها ربما تحمل لهم ذكرى جميلة أو محنة مرت بهم في وقت معين، ثانيا عدم ثقة الناس بالمطابع؛ فمثلا كتاب عمره 100 سنة لماذا يحتفظ به صاحبه ويحبه بالرغم أن الكتاب الحديث أغلى وذو تقنية وجودة عالية ولا يتسبب في أمراض كالربو وغيره على غرار الورق القديم الذي أصابته الأكسدة، وثالثا هناك أناس يفضلون الأشياء العتيقة والنادرة”.

وتتألف ورشة كاظم الصغيرة من غرفتين وتضم مكتبا يسيطا من الخشب ومجموعة من الأدوات والخيوط والشرائط اللاصقة وحاويات الغراء وآلة قديمة لقص الورق تعمل يدويا.

20