عراقيون يشدهم الحنين إلى زمن الملكية

في قلب بغداد القديمة يتنفس العراقيون المتوجهون إلى سوق الميدان عطرا قديما يذكرهم بعراقة تلك المدينة فيمرون من هنالك لاسترجاع ذكرياتهم فيها.
الأحد 2018/03/18
بيدي وثائق الزمن الجميل

بغداد – يدفع الحنين إلى الزمن الماضي عددا كبيرا من العراقيين إلى البحث عن مقتنيات في سوق تباع بها مواد قديمة نادرة، لتعود بهم الذاكرة إلى ذلك الزمن الذي طوته صفحات التاريخ.

في مقهى “المدلل”، يحتشد نحو مئة شخص جاؤوا من مختلف مناطق العراق لمتابعة مزادات تقام في سوق الميدان، إحدى أقدم الأسواق في وسط بغداد.

يقول علي حكمت البالغ 52 عاما، وهو دلّال بضائع في هذه السوق “لدى الزبائن شعور بالحنين”.

ويضيف “العملات الصادرة من البنك كانت أفضل من حيث نوعيّتها وصناعتها في الماضي، لهذا السبب الأسعار ترتفع”.

ويرتفع صوت هذا الرجل الضخم الذي يمارس المهنة منذ العام 1992، ليعلن عمّا يعرض للبيع، ومن ذلك أوراق نقدية وعملات معدنية وطوابع وأوسمة يعود تاريخ معظمها إلى زمن الملكية في العراق (1921-1958).

ومن المعروضات أيضا عملات تعود إلى بداية الحكم الجمهوري لعبدالكريم قاسم (1958-1963)، لكن السوق تخلو من أي مقتنيات تعود إلى الزمن الطويل لحكم صدام حسين.

 

الكتب لا تكفي العراقيين لتوثيق تاريخ بلادهم، لذلك هم يبحثون على الوثائق والتحف والعملات القديمة ليحتفظوا بها حتى يتباهوا بحقبة زمنية يعتقدون أنها الأفضل في تاريخ بلدهم، فجمع العملات المطبوعة والمسكوكات القديمة أصبح هواية واستثمارا تقام المزادات فيأتيها العراقيون من كل المناطق.

يقول أحمد كمال (53 عاما) وهو مدير مكتب وكالات عقارية في بغداد “مؤكد أننا نشعر بالحنين إلى العهد الملكي، كل منجزات الإعمار الرئيسية في البلد تعود إلى ذلك العهد، بكل أشكالها؛ الجسور والسدود وما تبقى”.

ويضيف أحمد وهو يحتسي الشاي “نتحسر على الماضي، الحقبة الملكية مثّلت بداية الدولة العراقية.. إن قارنّا الماضي باليوم، أكيد أن الحال كان أفضل”.

ويشاطره سعد محسن (43 عاما) الرأي قائلا إن زمن الملكية “كان أكثر ديمقراطية وأكثر نقاء من الآن”.

ويقول محسن وهو أستاذ في التاريخ الحديث في جامعة بغداد “كنا بعيدين عن الدم والقتال الذي عرفناه” بعد ذلك الزمن.

في العقود الأربعة الماضية شهد العراق حربين طاحنتين، تلاهما اجتياح أميركي، ثم تدهور أمني، وهجوم كبير لتنظيم الدولة الإسلامية المتطرّف انتهى بدحر التنظيم في آخر العام الماضي.

ويقول حسين الحكيم، وهو تاجر ملابس (43 عاما) مظهرا بفخر قطعتين تعودان إلى عهد الملكين غازي وفيصل الثاني بين عامي 1938 و1953، “أنا مولع بالماضي، وأهتم بتاريخ بلدي من خلال ما أجمع من مقتنيات، منذ العهد العثماني وحتى الجمهوري، لكني أفضل العهد الملكي”.

المزاد المقام في هذا المقهى مميز ليس من حيث القطع المعروضة فحسب، وإنما لأن القيّمين عليه يديرونه على أساس “بيع كل شيء بغضّ النظر عن السعر”، وهو ما يمنح الكثيرين فرصة شراء قطعة ما بسعر في المتناول.

ويقول علاء الحسيني، وهو موظف حكومي في الخامسة والثلاثين جاء من محافظة النجف جنوب بغداد، إنه يجمع هذه المقتنيات ليعلّم أولاده تاريخ بلدهم من خلالها، مشيرا هو أيضا إلى أنه يتحسّر على العهد الملكي.

لكن هذا الحنين لم يُترجم بشيء عملي، فالشريف علي بن الحسين المطالب بعرش العراق لدى وصوله بغداد في العاشر من يونيو 2003، لم يجد الكثير من الآذان الصاغية.

وفشل هذا الشاب المتحدر من سلالة العائلة الملكية التي حكمت العراق، في الفوز في الانتخابات البرلمانية.

يقول عبدالكريم صبري (75 عاما) الذي يدير مجلة “هوايتي” المتخصصة بالطوابع والعملات النقدية القديمة “الماضي دائما أكثر جمالا لأنه زمن الذكريات”.

لكنه يلفت إلى أن الكثيرين من المتواجدين هنا في المقهى لا يعرفون الشيء الكثير عن تاريخ بلدهم، وهم “يشترون فقط لأنهم يملكون المال ولأن ذلك استثمار جيد”.

يقول محمد جاسم أحد المغرمين بجمع العملات القديمة والطوابع البريدية إن العملات العراقية للحقبة الملكية ذات قيمة تاريخية لأن هذه الفترة شهدت متغيرات كثيرة، كان فيها العالم خارجا للتوّ من حرب عالمية وأحداث لسقوط الدولة العثمانية ونشأة الكثير من الدول العربية واستقلالها، فالعملات الملكية العراقية عملات قديمة تعكس تاريخ هذه الحقبة لذلك تجد هواة الأنتيكا يبحثون عنها لقيمتها الجمالية والتاريخية وحتى الربحية.

فالقيمة المالية للعملة يحكمها التاريخ وعدد الطبعات المتوفرة، فهناك عملات اندثرت واختفت وإن وجدت ستكون غالية الثمن.

ولا يقتصر بيع النفائس التاريخية على المزادات العلنية فالمغرمون بجمع التحف والوثائق التاريخية يبحثون عنها أيضا في محلات الأنتيكا، وهي محلات جميلة تفوح منها رائحة التاريخ والتراث.

ففي خان “المدلل” الذي يقع في ساحة الميدان وسط بغداد توجد دكاكين تبيع المقتنيات والتحف النادرة مثل السيوف والخناجر والطوابع البريدية، وأجهزة الراديو، والأواني الفخارية والتماثيل النحاسية والبرونزية والساعات الرملية وغيرها مما طال عمره وأصبح يعد وثيقة لحقبة تاريخية.

وفي سوق الهرج يعرض التجار إلى جانب أصناف أخرى من التحف التاريخية العملات العراقية القديمة مثل الدينار العراقي وفئات مختلفة من الخمسة والعشرة دنانير، روبيات وليرات عثمانية ذهبية وفضية.

يقول ناظم الذي يجمع العملات القديمة ويتاجر بها أيضا إنه لا بد للتاجر أن تكون لديه معرفة بتاريخ المطبوعات النقدية، ويتداول أيضا بالسوق الدينار العراقي الذي استبدل بعد نهاية حكم الزعيم قاسم، وهناك ايضا الليرة الذهبية والمجيدي والقرش وهي عملات عثمانية تم استبدالها بعد دخول البريطانيين للعراق، وهناك عملات أجنبية يعود تاريخ بعضها إلى بداية العام 1800.

20