عراقي تتبعه زرافة تتشمم قميصه.. ويسبقه ثور أشوري إلى مكتبة

الأحد 2013/09/29
شاعر السوريالية العربية صلاح فائق.. من كركوك إلى جزر الفلبين في زورق إنكليزي

صلاح فائق واحد من أكثر الشعراء العراقيين الأحياء حداثة في شعره، وأكثرهم تجديدا في الشعر، وإخلاصا له، شاعر صاحب نبرة خاصة، ورؤية خاصة، وصوت خاص، بنّاءُ علاقات تشكيلية في اللغة، ومدفّق موجات موسيقى عبر تشكيل بصري مدهش للكلمات. وعندما غرقت لغة الشعر وصوره في منظومة الكآبة والبلاغة اللغوية المفرطة، وادعاءات الحداثة، ذهبت قصيدته إلى منطقة الخفة والطرافة والبحث، فيما أهمل الشاعر عمله، في زوايا متجددة من صور الوجود البشري، بشيء من السوريالية التي تنهل من الواقع ومن لغة الفن البصري، ومن تاريخ الألم البشري، عبر مخيلة خصبة، وروح تطرد عن نفسها باللعب الفني كآبة العالم.

صلاح فائق ليس مجرد شاعر سوريالي من كركوك معتكف اليوم في الفلبين، كما قد يرى البعض،… إنه شاعر خلاق.

في واحدة من نصوص الانفعال اللحظي من جانب القراء وذواقة الشعر على ما ينشره الشاعر على صفحته الشخصية على الفيس بوك ما كتبه قحطان جاسم بعد قراءته قصيدة للشاعر.

يتساءل الذواقة قحطان جاسم: ما الذي يكتبه صلاح فائق وهو شاعر غني عن التعريف في قصيدته "غزالة تطارد برقا"؟ إنه يكتب بسريالية فائقة وعينه على تفاصيل الواقع الدامية والملطخة بكل ما هو ارضي معروف او غرائبي. يمزج الرمز بما هو اسطوري لكي يدلنا على ما هو يومي. وفي قصيدته الراهنة يواصل بحثه عمّا هو مفقود في الحياة التي يمكن تسميتها طبيعية. يفتتح هذا البحث باعلان عن الخسارة : هذا يوم سقيم" ..كأنه يطلب منا التوقف برهة للتبّصر في أحوالنا، فهذا الإعلان ليس بداية قصيدة، بمعنى انها ليست تهويما أو شيئا من تركيبات محضة للخيال. إنه الألم الإنساني، وهو يخوض محنته في عالم مشوش نعايشه في لحظة لها خصوصيتها. هذه اللحظة التي تختزن الراهن والأبدي، المكرور والزائل، وهو ألم مصاغ بتهكم سقراطي حين يغني دون أقنعة في حضرة مياه شلال ستذهب الى سجن ليس فيه أحد.! وهذا التحول من الحرية الى السجن ، الذي يقابله نقيضه الهروب "الى حقول كروم"، المعادل الممكن للحرية ، يظل ناقصا فهو هروب مع سجانين، كما أن حريتهم ليس لها أفق، وهم يهربون إلى فردوس فيكتشفون أن "رملا في أدمغتهم" . وبين مسافة الحرية واللاحرية تلك، حيث يصف التفاصيل الكونية بسخرية تشوبها المرارة ، يعود الشاعر ثانية لتذكيرنا بما يحسُّ ،انه "يوم سقيم" لكنه هذه المرة يكتشف نزول الاله "أنليل" ..إله الهواء ، مادة الحياة الجوهرية ، بهيئة البرق ..فيدعوه ان يكون رحيما بالمدينة والناس والحيوانات، ربما تعويضا عن تلك العزلة المحيقة بالشاعر التي تغرقه بإحساس من العدم حيث تغيب "الغزالة "، والمكان. إنها قصيدة، ككل شعر صلاح فائق، تجسد سعي الانسان إلى الحرية التي صارت تشبه البرق في وجود غامض تعيث فيه متناقضاتٌ يقصر عن بلوغ أبعادها كلها الإدراكُ.

هنا قصائد للشاعر تنشر للمرة الأولى خص بها "العرب" ومقالة عنه.

صلاح فائق شاعر فريد من جماعة كركوك وابن العصر الذهبي للشعر العراقي الحديث
باسم فرات

بدأت علاقتي بجماعة كركوك في الثمانينات، تعرفت عليهم كما تعرفت على عدد كبير من شعراء الحداثة العربية، وحين بدأت الأخبار في وسائل الإعلام العربية تتحدث عن حضور الأب يوسف سعيد وسركون بولص وصلاح فائق لمهرجان المربد الشعريّ، وذلك في منتصف الثمانينات، كنتُ مع مجموعة من أقراني (أنا الأصغر سنًّا بينهم) نتحدث بالأمر- الحدث، ففينا شغف بشاعرين مميزين طالما شغفتنا نصوصهم التي حصلنا عليها بطرق شتى، فالحظر الثقافي تحت يافطة "السلامة الفكرية" قد طال الكثيرين.

وحين حضروا للمربد تم طبع مجموعة شعرية لكل واحد منهم، وكان التنافس بين الاثنين - وأعني سركون بولص وصلاح فائق - حاميًا بيننا، بعضنا يفضل الأول غير ناكر أهمية الثاني الذي يرى فيه الأهم بعد الأول، وبعضنا الآخر يرى في صلاح فائق أكثر أهمية من سركون بولص، مع التأكيد على أن الأخير هو الأهم في جماعة كركوك بعد الأول.

حين انتقلت إلى عمّان، كان ذكر الشاعرين يتردد في المجالس والنقاشات التي كنتُ حاضرًا فيها، ولطالما سألت الآخرين عن رأيهم بشاعريّ المفضلين. وما كان يحدث في العراق انتقل معنا إلى الأردن، حيث انقسام المهتمين إلى فئتين كل فئة ترى في أحد الشاعرين أنه الأفضل مع التأكيد على أهمية الآخر، حتى كاتب هذه السطور الذي ظل الجميع يجهل موقفه من هذين الشاعرين المهمين والمفصليَّيْن بالشعرية العربية، لا ينكر أنه يشعر من الصعب الانحياز التام لأحدهما من غير التأكيد على أهمية الآخر. أقول هذا وأنا أشعر أن مَن قرأ الحوار الطويل الذي أجراه الشاعر والكاتب وديع شامخ معي حول سركون بولص، ومن ثم كتابتي لمقالتين عن سركون، سوف يعتقد أنني منحاز تمامًا إلى سركون بولص على حساب صلاح فائق، بينما ظروف الحوار والمقالتين فرضت نفسها عليّ. لا أنكر ما ذكرته سابقًا أن سركون بولص هو الأقرب إلى ذائقتي، ولكني لا بدّ من التأكيد على أن قصائد صلاح فائق تدهشني وتذيقني متعة الشعر الخالص والمتفرد الذي يخلو من العواطف المبتذلة وينحو نحو تخليص الشعر منها والانحياز إلى نقاء الشعر، حيث لا مكان لغير اللغة الشعرية والجملة الشعرية، هذه اللغة التي يصعب- إن لم يكن يستحيل- استعمالها خارج نطاق الشعر:

لا أحدٌ يعرف، حين أكون في منزل دولفين

ضيفًا أو لاجئًا، آوي إلى فراشي بملابسي الأنيقة

هبوب رياح معادية ضد غابة نخيل في رأسي،

ضد تلاميذ حفاة،

ضد قطيع ثيران تندفع نحو هاوية

متوهمة وجود ينبوع فيها.

"عندما أكون ضيفا في بيت دولفين"

وإذا وجدنا كلامًا لا ينطبق عليه قولنا، نجده يختمه بجملة شعرية مدهشة لا تمنح مجالاً لعدم الرضا، كما في هذا المقطع من قصيدته "موعدي مع لوتريامون في كركوك":

بعدهم صادفتُ تاجرًا، اشتهر بأكاذيب كثيرة

في بعض السواحل، وكان احتال عليّ.

طاردته نحو بركان، اختفى.

في ما بعد علمت ما يلي: أكاذيبه تراتيل أديان

منذ آلاف الأعوام.

في العاصمة النيوزلندية "وَلْنِغْتُن" وفي شهر أيلول 1997، التقيت الشاعر صباح خطاب، ومنه استعرتُ كتاب "انفرادات الشعر العراقي" كان الكتاب بالنسبة إلي مفرحًا، فمن خلاله استعدت معلومات كثيرة توارت خلف حجاب الذاكرة، وتعلمت الكثير أيضًا، فشهادات الجيل هي وثائق ثقافية وتاريخية لها أهميتها، ومازلت أتذكر تلك الشهادة التي كتبها أحد الشعراء البغداديين عن جماعة كركوك، حيث يقول "كنا نطلق عليهم التركمان، رغم أن غالبية ألقابهم عربية كمؤيد الراوي وأنور الغساني وجليل القيسي" لأن كركوك - وهي عراق مُصغّر كما يؤكد الكثير من مبدعيها ومنهم الراحل الشاعر سركون بولص، ولأنها مثل جميع المدن الحضارية - لا يمكن أن تكون لفئة دون أخرى، فهي أحد الأدلة على تراكم الحضارات والأقوام، كركوك السومرية هي آشورية وآرامية وهي عربخا أيضًا.

كانت مصيفًا في العصر العباسيّ، لواحدة من أعرق القبائل العربية في العراق والتي لعبت دورًا في تاريخه قبل الإسلام وبعده، وهي قبيلة بني شيبان، التي منحت العراق والعرب المثنى بن حارثة الشيباني وغيره قبل الإسلام، ولكنها في الإسلام منحت العراق والعرب والمسلمين محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة النعمان، وهو صاحب أول كتاب في اقتصاد السوق في الإسلام، ثم منحت مؤسس المذهب الحنبلي، فالإمام أحمد بن حنبل ينتمي نسبًا إلى هذه القبيلة.

بعد سنة 1055 ميلادية حيث احتلال بغداد من قبل السلاجقة، أصبحت كركوك كما غالبية مدن شمال العراق تضجّ بالأقوام التركية التي نزحت من أواسط آسيا، ولكن هذا لم يمنع الآرامية أن تنبضَ فيها، مثلها مثل شقيقتها العربية، لتمنحنا في القرن العشرين ما هو أهمّ من النفط كما أرى، ألا وهم جماعة كركوك التي ينتمي لها الشاعر صلاح فائق، بل يُعدّ أحد أهم أركانها، فنفط كركوك لعنتها ولعنة على العراقيين، بينما جماعة كركوك محط فخر الجميع، فعلى هذه الجماعة يتفق العراقيون، حيث أرومة أفرادها التي تنتمي للطيف العراقي منحها ميزة بل هي البرهان الأكثر إنسانية ووطنية على حقيقة العراق المتنوع مثله مثل جميع بلدان العالم الحضارية، والتي ساهم الجميع في تاريخها الحضاري.

صلاح فائق من أبٍ تركماني، ولد كما والده في كركوك، وأمٍّ كردية من بِشتاشان، جبال قنديل، تلك المنطقة التي شهدت بعد ولادته بأربعة عقود تقريبًا مجزرة بحق المناضلين الشيوعيين، نتيجة صفقة سياسية مع نظام صدام حسين. ثقافته عربية، وعاش طويلاً في بريطانيا ومن ثم في الفلبين.

يؤمن صلاح فائق بأن الانتماء هو ثقافي وجغرافي وليس انتماءً عرقيًّا، فهو عراقي سليل آشور وسومر وجميع حضارات العراق، إن لم تكن حضارات المنطقة.

أعتقد أنه مع الشاعر حسب الشيخ جعفر، ظلمهما كتاب "انفرادات الشعر العراقي"، فاختيار قصيدة واحدة لصلاح فائق واعتبارها نموذجًا كافيًا لتمثيل تجربته الشعرية، لم يكن منصفًا له، وفيه نوع من الإجحاف بحقّ تجربته الثرية والتي تُعدّ حقًّا تجربة رائدة، ضمن سياقها التاريخي، بينما معظم الشعراء في الكتاب تم وضع عدة قصائد لهم، رغم أن نسبة كبيرة منهم لم يشكلوا علامة فارقة في جيل الستينات، فكيف وصلاح فائق يُشَكّل علامة فارقة بالشعر العربي عمومًا.

وعلى الرغم من أنها كانت قصيدة واحدة له، أعدتُ قراءتها مرارًا ووجدت فيها متعة في كل قراءة، مثلها مثل بقية قصائده تقود لبرازخ الدهشة وعوالم غير مألوفة.

جريمة أمام بيتي

عزلتي تشتدّ في الليل

أختلقُ لها حكاياتٍ عن علماء يسكرونَ في أزقة

وعن حراسِ محمياتٍ يبيعونَ مغازل

إلى قروياتٍ مُهجَّرات.

حالتي أسوأ في الشتاء فأنا بلا طيفٍ

لأنهُ يهاجرُ لأشهر

ساحباً عربةً تغني فيها امرأتهُ العمياء.

وتحصلُ أمامي جريمة: رسامٌ يصرخُ على لوحته

يشتمُها ثم يمزقها. ماذا أفعلُ؟

أذهبُ إلى غرفتي،

أهاتفُ شرطة المدينةـ

لا أتحمّلُ جريمةً كهذهِ أمامَ بيتي.

غزالة تطارد برقا

هذا يومٌ سقيمٌ، يليقُ بسفراء

بنساءٍ بديناتٍ بلا ضفائر.

ليستْ هذه بداية قصيدةٍ لي أو لغيري

إنما هكذا أغني الآنَ وأنا تحت مياهِ شلالٍ

وهناكَ أشجارٌ تتطلعُ إليّ،

لذا لا أتعرى تماماً وأعرفُ هذه المياه تذهبُ إلى

سجنٍ ليسَ فيه أحدٌ ـ هربوا إلى حقولِ كرومٍ

مع سجّانينَ، بعضهم إلى فردوس ٍخلفَ تلك الهضبة

مرتدينَ معاطفَ خشنة إزراها أسنان ذئاب

هناكَ اكتشفوا رملاً في أدمغتهم، في صرخاتهم

وفي عطورٍ كانت هدايا من خليلات.

يوم سقيمٌ لأني أعُدُّ أضلاعي فأجدها ناقصة مرة أخرى

وقبل أن أغضبَ يمرُّ برقٌ أمامي يطاردُ غزالةً

فافتحُ لها بابي أنصحُها تختفي في السقيفة

ينزلُ البرقُ أمامي فإذا هو إنليل، إله الهواء

أدعوهُ لا يُطاردُ حيوانات هذه الجزيرة

وبقية البلدان أيضاً ويهتمّ بسكانِ بابل

يلوّحَ بمشعلٍ في الليلِ لسواقِ شاحنات

أو يشارك في مظاهرةٍ يقودها عميانٌ لإنقاذِ قروياتٍ

من إطراءٍ مبتذلٍ وأعرضُ عليهِ أن يمثّلَ في غرفتي

نصهُ الوحيد أو شيئاً عن كلكامش، بعيداً عن جمهورٍ وأضواء ـ

اللامرئي وحدهُ سيكونُ معي، لكنهُ لا يقبلُ عروضي

ويختفي. أعودُ إلى غرفتي، أصعدُ إلى السقيفةِ

لا أجدُ تلكَ الغزالة، ولا في مكان.

ظلمة تغطيني

مثل لحاف فلاح


في الظلمةِ أجمعُ شظايا نافذتي

أخافُ على كلبي وعلى زوارٍ مملّلينَ من معبدٍ قريبٍ

لا يرغبُه أحد.

قرأت اليومَ، في صحيفةٍ، عن أبٍ شنقَ نفسهُ أمامَ أولاده

وكانوا يصفقون

لا ألومهم: أدخلُ شيخوختي أحياناً،

أسمع ُصرخاتٍ فأهربُ إلى حانةٍ،

تخدمني صاحبتها: أظنني رأيتُها في ملحمةِ كلكامش

ـ هل كنتِ صاحبة حانةٍ في ملحمةٍ سومرية؟

- نعم

أعودُ، ألتقي تلكَ الظلمة ونتحادثُ

تحيطني، تغطّيني مثل لحافِ فلاّح.

ممثلون يبكون

أمام مسرح


أحياناً أكتبُ وأنا أنامُ

سفنٌ محطمةٌ في قاعِ بحر

علماء يصورونَ، يلفّونَ حولها

كأنهم هنودٌ حمرٌ يرقصونَ حول نيرانٍ

في فيلمٍ قديم،

أو كقراصنةٍ يغنونَ على سفحِ جبلٍ

أمامَ قفائرِ عسل ـ أحدهم يحرقُ قواربهم عند ساحل

هذا ما أرى.

أمدُّ يدي، أزيحُ مشهدهم

فيظهرُ مسرحٌ مقفلة أبوابهُ

قربها يبكي ممثلونَ

أسمعُ نحيبَ ممثلاتٍ من الداخل

فجأةً يظهرُ ثورٌ مجنحٌ

فوقهُ يقفُ طفلٌ، يخطبُ:

لا جدوى من البكاءِ والنحيب، افسحوا في المجال

يتقدمُ الثورُ، يحطّمُ باباً بعد باب

أفتحُ عينيّ، أسمعُ طائرةً مروحيةً تدورُ حول بيتي.

جنودٌ يطرقونَ بابي بشدة

- ماذا تريدونَ، أصرخ ُ

- اِفتحْ الباب، أين ثوركَ المجنّح؟

- لماذا، ماذا فعلَ ؟

- أتدّعي أنك لا تعرفُ؟

ثوركَ حطّمَ أبواب سجنينِ حتى الآن

في سيبو ومانيللا، رآك حراسٌ تقفُ فوقهُ وتحرضه

أهرعُ إلى البابِ أفتحهُ، لا أحد.

أنادي خادمي، أساله ُ:

- من كانَ يطرقُ الباب؟

ـ لم أرَ أحداً

- والطائرة المروحيّة، ألم تشاهدها وتسمعها أيضاً؟

ـ طائرةٌ مروحيّة؟ هنا؟

أحياناً أنامُ وأنا أكتب.

أغنية

نعم أميلُ إليكِ. لا أعرفُ لماذا.

لستِ مقدسةً أو متشحةً بضوء القمر

كنتُ أفضلكِ راهبة معبدٍ لأغريكِ

بصوتي وذكرياتي.

مثلي، تحبينَ البيت بلا أثاثٍ تقريباً

وتضحكينَ عندما أقرأ قصيدةً لي

في حضيرةِ ماشية.

- أخبرني عن تاريخك الشعري

- كتبتُ قصائدي الأولى في كهفٍ

قرأتُ بعضها على أشجارٍ

أخريات على أمواجٍ تهدرُ، فلم تسمعني جيداً

كما أظن.

انتهيتُ تلميذاً فاشلاً، لكني حققتُ ما أردتُ:

أن أضحكَ وأضحك

كما أنتِ الآن

- جميل. أحبُّ أن أجلسَ على ذلكَ الحصان

أرجوك ارفعني.

أحملها إلى اسطبلٍ

أقرصها هناكَ، أمسّدها، أعرّيها على حصانٍ أبيض

ألحسُها بلسانِ شاعرٍ وأتشممُها، مثل كلب، ثم أغنّي:

أعرفكِ تحبينَ رطبَ بلادي

يحسدني لصوصُ مزاراتٍ ومقابر،

حينَ يرونكِ معي

أقولُ لهم لستِ امراةً بلا نظير، لا يوافقون.

أريدُ أن نبتعدَ، أبعدَ فأبعد

إلى أرضِ فقماتٍ وأيائلَ وضباع

أميلُ إليكِ ولا أعرفُ السبب.

قصة نسيها

هوميروس وأخرى لي


أبوابٌ تُغوي مسافرينَ

أبراجٌ تنتظرُ اقترابهم

كي ترسلَ إشاراتٍ إلى ذلك الميناء

هل تتجسسُ الأبراجُ والمنائر أيضا؟

قرأتُ عن هذا المكان، مرّ جنودٌ بدروعٍ من هنا

بالوا على جدران المنائر، غنوا أكلوا وناموا لأيامٍ

فجأةً، في فجرٍ،هاجموا ـ تسلّقوا سفن أعدائهم

لم يجدوا فيها أحداً، فغضبوا

تقاتلوا في ما بينهم حتى المساء

ثم ألقوا أسلحتهم، مع جثثٍ وجرحى

إلى الأمواج واختفوا

في كتابتي المقبلة سأوضحُ كيفَ حصلتْ هذه القصة

وأين ذهبوا

الآنَ أنا أمامَ نصبٍ تذكاري

لقادة بلدي منذ مائة عام: أشتمهم

أسخرُ من أكاذيبهم ووعودهم، لا يستجيبونَ

أحدهم يحكّ عضوهُ، آخر يصرخُ على سائقِ سيارة أجرة

وهناك قائدٌ عسكري، بدينٌ وقصيرٌ

فشلَ في كل المعارك

يحملُ نياشينَ، ميدالياتٍ كثيرة، ويبتسم

أذهبُ إليه، أعضّ ذقنهُ بقوة

فلا يردّ أو يشكو، أبتعدُ

وأحسُّ بآلامٍ في فمي.

12