عراقي يعيش مع الزواحف في عالم بلا حدود

شاب عراقي يخصص في بيته غرفة أسماها غرفة السعادة التي تضم مجموعة من الزواحف والثعابين التي جلبها من مختلف دول العالم.
السبت 2018/03/24
لوحات من الألفة والتعايش

بغداد - تربية الزواحف بمختلف أنواعها، هواية يعتبرها البعض غريبة عن المجتمع العراقي، والبعض الآخر يراها مكلّفة قياسا بباقي الهوايات، أما هاوي تربية الزواحف مهدي ليث فيعتبرها عالما بلا حدود.

جلّ ما كان يفكر فيه الشاب الثلاثيني هو تربية الزواحف والثعابين النادرة، فهو كحال بقية الهواة يرى فيها متعة لا تساويها هواية بالنسبة إليه، ففي بيته الواقع بحي الكرادة وسط بغداد، والذي لا تتعدى مساحته سوى مئة متر، خصص هذا الهاوي غرفة للزواحف وباقي حيواناته أسماها غرفة السعادة.

وفي غرفة السعادة هذه يدخلنا مربي الزواحف إلى عالم جميل، يضم مجموعة من الزواحف والثعابين التي جلبها من مختلف دول العالم، فاهتمام العائلة بهواية ابنها نمّى في داخله إحساسا إنسانيا عاليا.

إنه عالم يختلف جذريا عمّا نسمع به ونراه، فللثعابين كما يقول مهدي لموقع “نقاش” أسماء وأوصاف متنوعة ويعيش أغلبها في البر، وتنحدر من جنوب شرق آسيا، فيما يصل طول بعضها إلى سبعة أمتار.

سعى هاوي الزواحف وصديقها منذ الصغر إلى تربية ضفادع وثعابين مائية وعناكب وحيوانات بمختلف أنواعها، أما ولعه بالزواحف فقد بدأ قبل عشر سنوات فقط.

مربي الزواحف، الذي وجد نفسه أمينا على تربية وحماية الزواحف من خطر معاداتها، يرى أنه “ليس من حق البشر قتل حيوان خلقه الله، فنسبة الثعابين السامة قليلة جدا إذا ما قورنت بالأنواع الأخرى التي هي في الأصل حيوانات أليفة لا تؤذي”.

 

في الوقت الذي يتجه فيه العراقيون إلى تربية العصافير والكلاب والأسماك والقطط لأنها حيوانات أليفة غير مؤذية، يكسّر شاب عراقي قاعدة المألوف ويتجه إلى تربية الزواحف، وهو أمر يقرف البعض وخاصة من أقربائه، لكن الشاب العراقي يقر بأن هذه الحيوانات غير مؤذية والحفاظ عليها من الانقراض ضروري

ويضيف لـ”نقاش” قائلا “لدينا في العراق ثمانية أنواع فقط من الثعابين السامة، من أصل أربعين نوعا تنتشر في كل أنحاء العراق”، مبيّنا أن 20 بالمئة من ثعابين العالم فقط هي ثعابين سامة، والأخرى غير سامة، وتصل أسعار بعضها إلى 50 ألف دولار”.

صاحب هذه الهواية دفعه ولعه بتربية الزواحف للوصول بها إلى مرحلة التكاثر، ويعتبر نفسه الشخص الوحيد والأول ممن اهتم بتكاثر هذه الأنواع من الزواحف في العراق دون المتاجرة بها، فهو يمتلك أنواعا مختلفة من الزواحف والثعابين، ويرصد مبالغ لإطعامها.

وحول طريقة إطعام الزواحف يقول مهدي “الزواحف التي بحوزتي تختلف من حيث تغذيتها، فالثعابين تتغذى على الفئران والطيور المجمّدة، التي أحرص على استيرادها من خارج العراق وبعض السحالي تتغذى على الحشرات، وهو ما دعاني إلى إنشاء مشروع لتكثير الصراصير التي تتميز باحتوائها على بروتينات عالية، والبعض الآخر من الزواحف يكون غذاؤها نباتيا”.

وبينما ينشغل هاوي الزواحف بمعالجة جرح بسيط أصاب أحد الحيوانات، يقول “أحضّر بشكل دوري أنواعا معينة من النباتات كوجبة طعام للثعابين من نوع السحالي، والبعض الآخر يعتاش على أكل لحوم الدواجن وأنواع أخرى”.

ويتابع هاوي تربية الزواحف والابتسامة بادية على محياه، “رغبتي بتبني هذه الموهبة منعتني من اقتناء حتى سيارة شخصية، فكل ما أحصل عليه من مردود مالي أصرفه على توفير غذاء ملائم للحيوانات، أو شراء حيوان آخر، والتي أعتبرها أهم من كل ملذاتي الشخصية”.

ويمتلك الشاب البغدادي فلسفة خاصة حيال العلاقة بين الإنسان والزواحف، لذلك فهو يختار لها أسماء عربية ويسمي بعض الحيوانات القريبة إلى قلبه بتسميات خاصة مثل توكي، روني، ليلي، رولا، اليكس إيفو، كوجي، وهي أسماء لثعابين من أشرس الحيوانات العراقية التي يعتز بها هذا المربي.

“أربعة ثعابين بطول مترين ونصف، ونوع آخر يسمى الشبكية، وأربعة من الأرول العراقي، وثلاث سلاحف واحدة بحجم كبير واثنتان بحجم صغير، ثلاثة ثعابين أوروبية هي المقرنة والفارسية ولبتينا، وسرطان البحر الأجنبي، ورفش عراقي” كلها نماذج من الزواحف التي بحوزة مهدي.

وعن العلاقة التي تربطه بتربية الزواحف يقص مهدي كيف اشترى ما يسميها “القزمة العراقية”، وهي واحدة من الثعابين الشهيرة كان عمرها لا يتجاوز السنتين، وقد حرص على تربيتها منذ الصغر وكانت من أجمل وأقرب الحيوانات إلى قلبه.

ويمضي قائلا “أتغزل بالقزمة العراقية كل ليلة، وأقضِي ساعات عديدة معها، لكن سرعان ما أصابها المرض وماتت بعد سنة، فبكيت عليها كثيرا، ولم أكن على ما يرام لمدة ثلاثة أيام”.

لكنه وإلى جانب مهمة تربية الزواحف، لا يخفي الهاوي غصة ومرارة حيال مواقف البعض من معارفه الذين كانوا ومازالوا يصفونه بـ”المجنون”، فهو على الرغم من ذلك لم يكد ينسى تحقيق حلمه، وأصر على ما يحب ويؤمن به، وهو تأسيس محميات للحفاظ وتكثير الزواحف النادرة وبالأخص العراقية، بعد أن اضطر إلى جمع ما بحوزته من أموال ومقتنيات والسفر إلى ماليزيا، فماليزيا كما يقول “بلد يهتم بتربية مثل هذه الحيوانات”.

ويقول مهدي “نجحت في تكثير أنواع نادرة من الزواحف هناك، وتعلمت الكثير عندما أسست شركة مع عدة مهتمين بتكثير الزواحف في الغرب، ولكن بعد سنة عدت إلى العراق بعدما حصلت على معلومات وتجارب قيمة”.

وعن أنواع الثعابين التي يعكف الهاوي على تربيتها يقول، “أحب كل الأنواع لكنني أسعى إلى تربية أنواع خاصة منها كالشبكية والأرول والأصلات التي يصل طولها إلى ثلاثة أو أربعة أمتار، ومن أكثر الأنواع التي أجد صعوبة في تربيتها الحرباء، فهي من الكائنات التي تتطلب تربيتها رطوبة وإضاءة معيّنتين”.

ولدى هاوي تربية الزواحف علاقات وطيدة مع المركز العراقي للحياة البرية ومنظمة المناخ الأخضر العراقية، وهي من المنظمات التي تعنى بالحفاظ على الحيوانات الفردية قبل انقراضها.

وعن طبيعة هذه العلاقات يقول مهدي “هي علاقة استشارية ليس إلا، لكنها انعكست بشكل إيجابي عبر تعاون جدي بيننا وبفضلها تمكنت من تأسيس ‘فريق المنقذون’ في العراق للحيوانات والحياة البرية”.

ويتمنى الشاب العراقي الطموح أن يترك بصمة صغيرة في مجال تربية الحيوانات، وبالأخص الزواحف العراقية عن طريق إنشاء محميات خاصة تنتشر في مختلف المحافظات العراقية لتأسيس ثقافة جديدة لجيل جديد يحب ويحترم الحيوانات والحياة البرية بشكل عام.

17