عراق العجب وكعبة الضلال المبين

الكعبة التي صاروا يؤمّونها فتُتخذ مجلسا للكسالى إنما هي تشبههم في النهاية لأنها من جنس الخديعة الطائفية ذاتها التي حولت "آية الله" علي خامنئي إلى إمام المتقين.
الأربعاء 2021/02/24
إنه عراق خامنئي

عندما أصبح “السرسرية” هم قادة العراق، وميليشيات إيران هي من تحميه، صار من الممكن للمرء أن يتوقع كل شيء وأي شيء. بما في ذلك إقامة نُصب للكعبة في كربلاء ليحج إليه “السرسرية” و”الهتلية” و.. الذين لا يعرفون ما هي الكعبة ومن بناها ولماذا أقيمت في ذلك المكان، ولماذا يحجّ إليها الناس، ويأتوها من كل فجّ عميق.

و”الهتلية” و”الأدب – سزّزية” من الأوصاف التي تطلق على أنماط وفئات من سقط المتاع. وكانت في السابق ضئيلة العدد، ويكاد المرء لا يرى في كل حي إلا واحدا أو أقل، من هذه النوعية. إلا أنهم اليوم صاروا قادة ميليشيات وفرق موت، ويحتلون مراكز مهمة في الدولة ويضعون على أكتافهم نجوما كضباط كبار. فصار من الممكن لبيت الله العتيق أن يقع ضحية للاستهتار بالقيم والحرمات والتاريخ والمعاني والمقدسات كلها دفعة واحدة.

كيف لا، والأمية صارت هي الحاكم وهي المشروع؟ وكيف لا، والفساد صار هو الدولة؟ وكيف لا، وصار العجمي، الذي إذا كسر عظمه… يطلع ما تعرفه، هو الذي يوجه السلطات والمرجعيات والإدارات وقوات الأمن والجيش، حتى صار “الشلايتية” يحملون شهادات من جامعة زواج المتعة، ليتصدروا “المشهد السياسي”، ويوفرون الرعاية والحماية و”الخُمس” من منهوبات العراق، إلى مؤسسات الزنا الشرعي التي تقودها حفنة من رجال الدين الذين يضعون على رؤوسهم عمائم ولكن لا تعرف ماذا يوجد تحتها. ثم وكيف لا، إذا أصبحت “السرسرلوغية” هي الخطاب السياسي السائد من جميع الاتجاهات؟

إنه عراق خامنئي الذي إذا كسرت عظمه، يطلع قاسم سليماني وأبومهدي المهندس. وإلى كعبته يحجون. وبدماء ضحاياه يتبركون

إنه عراق العجب. بلاد ألف ليلة وليلة، إنما الخالية من الأدب، وإنما المخيلة فيه تذهب إلى أقصى ما يمكن للمخيلة أن تبلغه في السفالة، ليس السياسية وحدها، وإنما الدينية أيضا.

كم رجل دين، احتجّ على وجود تلك “الكعبة”؟ على الأقل من باب احترام التاريخ؟ أم أن فلسفة “التشابيه” التي استبدلت أصنام الماضي بأصنام جديدة، صار من الجائز لها أن تحوّل الكعبة نفسها إلى “صنم”؟

لم يبق مثقفون. هذا أمر مفهوم في أي مستنقع. ولكن ماذا عن رجال الدين، الذين يفترض أن يكون الدين شغلهم؟

رجال دين يغرقون حتى آذانهم في الموبقات، والتستر على جرائم السياسة والميليشيات، يمكنهم أن يجدوا تبريرا لكل شيء. هذا أمر مفهوم أيضا. ولكن ماذا عن يقظة الضمير؟ هل ماتت؟

عندما يذهبون إلى الصلاة، فأي وجهة يتخذون؟ (ولا أقول عندما يُقيمون الصلاة، لأنهم لا يقيمونها أصلا، وها هي تقعد قعدة ضلال وادعاء وتجارة باطل). أفهل يمارسون الخديعة حيال بيت الله الحرام، عندما يتجهون إلى الكعبة وقلوبهم تميل إلى كعبة أخرى في كربلاء؟ أم أنهم يُيسرون للعجمي الذي يعتبر نفسه “حاجا”، إذا زار كربلاء، ولطم على الحسين، ثم زنا.

أم أنها “تجارة” لتسويق “السياحة الدينية” التي جلبت العجم ليقيموا ويحصلوا على الجنسية، ومن ثم ليصوتوا لأحزاب الولي الفقيه وميليشياته؟

مذهب صفوي تلبّس بالإسلام زورا، ليمزق الإسلام من داخله، لا عجب أن يبتكر كعبة غير الكعبة وإمام متقين غير إمام المتقين، ورسولا آخر غير الرسول الذي نزلت عليه الرسالة

بناء كعبة وهمية، قد تشبه ديانة الوهم السائد في بلاد هذا هو العجب، حيث لم تُبق شيئا لم تُضفِ عليه تشوّها، إلا أنها تظل أمرا مستنكرا مستهجنا حتى لا تكاد العين تجرؤ أن تنظر إليها حياء ممن أنزل في الكعبة ما أنزل، وممن أحاطها بالتبريك والحرمات.

على الأقل، كنا نعلق على جدرانها مُعلقاتنا من أجمل الشعر وأعذبه. فتخلدت. فقط لأنها وُضعت هناك، ودار من حولها الناس حتى وإن كانوا في ضلال مبين. فما الذي سيعلقه على جدرانها “الأدب – سزّزية”؟ صورة الخميني، أم هادي العامري ونوري المالكي وقيس الخزعلي، ليتعبدوا الجريمة الطافحة من وجوههم؟ أم ذاك الطامح لرئاسة الوزراء بغبائه وجهله وسرسرلوغيته؟

الكعبة التي صاروا يؤمّونها، فتُتخذ مجلسا للكسالى وراحة للعاطلين وسوقا لبائعي “الشربت” و”الحلاوة”، إنما هي تشبههم في النهاية، لأنها من جنس الخديعة الطائفية ذاتها التي حولت “آية الله” علي خامنئي إلى إمام المتقين.

ما الفرق؟ الأمر هو نفسه. مذهب صفوي تلبّس بالإسلام زورا، ليمزق الإسلام من داخله، لا عجب أن يبتكر كعبة غير الكعبة وإمام متقين غير إمام المتقين، ورسولا آخر غير الرسول الذي نزلت عليه الرسالة ذلك “لأن جبريل أخطأ بالعنوان”.

وهو أخطأ بالعنوان لأنه لم يكن يستخدم جهاز “جي.بي.أس” ليدله على الطريق. ولم يستدرك من بعد ذلك. وما استدرك عقلهم المصدقون، لمّا علموا أن “المقصود بالرسالة” كان لا يزال فتى لم يبلغ الرشد. وهو ما يعني أن جبريل أخطأ بالتوقيت أيضا، لأن ساعته لم تكن “رولكس”.

تفاهات من هذا النوع، بدأت كتجارة خزعبلات، وانتهت إلى طائفة، فصارت هي الدين.

هذا هو عراق العجب.

إنه عراق خامنئي الذي إذا كسرت عظمه، يطلع قاسم سليماني وأبومهدي المهندس. وإلى كعبته يحجون. وبدماء ضحاياه يتبركون.

بعض من السفاهة أيضا، هو ما وقف وراء إنشاء تلك “الكعبة”. فالسفاهة هي الأداة إذا عز الرشد، وهي الوسيلة إذا انحدرت الطبيعة إلى جفاف تام في ماء الحياء. وبعد قليل سوف تكتسب الكعبة الجديدة من “القداسة” ما يجعل إزالتها “كفرا” و”حراما”.

فالأفّاقون الذين قدسوها، كانوا من التقاة العتاة في الدناسة. فجاز لـ”الهتليّة” أن يتبركوا بما كانوا يفعلون.

الأوصاف تلك إنما تخص نوعية من البشر، سقطت من جباههم قطرة الحياء مع الناس.

إنه عراق العجب. بلاد ألف ليلة وليلة، إنما الخالية من الأدب، وإنما المخيلة فيه تذهب إلى أقصى ما يمكن للمخيلة أن تبلغه في السفالة، ليس السياسية وحدها، وإنما الدينية أيضا

ولا غرو أن الناس يعرفونهم. ولا هم يستحون من الفضيحة أصلا. الكل يعرف جرائمهم، ويرى ما يرتعون فيه من عائدات الفساد. ولا تهمهم نظرة الناس إليهم. إذ ترفّعوا بالسقوط حتى بلغوا به أسفل المهاوي.

ولكنهم ذهبوا بمهاويهم إلى رب العالمين ليتاجروا ببيته الحرام ويطوفوا من حوله بالسحت وما خبث من المكاسب. ومن خلفهم رجال دين، نافقوا على التاريخ والحرمات والمعاني، نفاقهم على الدين، حتى أوجدوا دينا جديدا يتبع الدجالين، لينير دروب اللصوص والفاسدين. قالوا لهم، افعلوا ما شئتم، “فالشفاعة آتية لكل من أحب الحسين ولطم عليه”، مهما فعلتم من المنكرات، ومهما ارتكبتم من المعاصي. فشكلت تلك الفتوى الأساس “الشرعي” لكل ما يستخفون بارتكابه، وكل ما يفعلونه. وما قصّر سرسريتهم في أي شيء.

إنه عراق العجب. إنما لعل الأرض تنخسف بهم وإليه يُرجعون، بما أكلوا وما نكثوا وما عاهدوا إمامهم عليه.

9