عراق المالكي: تأسيس الدولة الفاشلة

الثلاثاء 2014/06/24

في 14 يونيو الجاري، كتب الكاتب العراقي عدنان حاتم السعدي، مقالة غاضبة أوجز فيها الحالة العراقية والنكبة التي أدخل فيها نوري المالكي العراق وشعبه. يقول السعدي في تلك المقالة: «السيد نوري المالكي وفريقه السياسي البائس ومستشاروه الأمنيون غير جديرين وغير مؤهلين لإنجاز مهمة وطنية عراقية كبيرة وبالأخص إذا تم الإلمام والدراية لما شاب السنوات الماضية من الاحتراب الأهلي والصراع السياسي والعنف الطائفي واستبعاد مكونات عراقية مهمة، وإخضاع كل العملية السياسية لتأثير المؤسسات الدينية الإيرانية واستشراء الفساد المالي والإداري والسيطرة على كل مفاصل الدولة العراقية الأمنية والعسكرية ومواردها».

حين كنا نقول ذلك في السنوات الماضية، وعندما نقوله الآن، فإن أغلب المكونات الشيعية، عراقية وخليجية، تستنكر قولنا وتدافع عن المالكي باعتباره رأس حربة ديمقراطية وتنمية وصعود العراق الجديد. كانوا ربما يتمنون ذلك أو يمارسونه بحكم العاطفة المذهبية، خاصة وأن نوري المالكي من اليوم الأول اختار «الذوبان» في الطائفية وتحريض الشيعة على باقي مكونات العراق البشرية من سنة وغيرهم. وقد حقق له هذا اللعب الطائفي ولايتين متتاليتين، بينما انتخب مؤخرا لولاية ثالثة لا يبدو أنها ستتم بعد أن أطاحت به الأحداث المفاجئة الأخيرة في محافظتي نينوى وصلاح الدين.

الأميركان، الذين أسقطوا الحجر الأول في الجدار العراقي الوطني عام 2003، يعترفون الآن بأنهم ورّطوا العراق ولم ينقذوه كما روجوا قبل إسقاط نظام البعث. الجنرال جاي جارنر، رئيس الملف الأميركي لإعادة إعمار العراق، قال بأنهم كانوا وهم يدعمون المالكي، على دراية بأنه سيحرم الأكراد وسيضطهد السنة وسيكون دمية للإيرانيين. أي أنهم تركوا العراق تحت إدارة سياسية يعلمون سلفا أنها ستحوله إلى دولة فاشلة لا تستطيع أو لا ترغب، في حماية مواطنيها من العنف والدمار الذي يتهدد حياتهم.

بمعنى آخر لم يكسب العراقيون من سقوط نظام البعث ومن ولايتي المالكي السابقتين سوى تحويل مدنهم إلى ساحات للفرز والقتل على الهوية، وإلى ساحات للاعتصام ونقاط للتفتيش وملاذات للمجاميع الإرهابية التي تفرخ وتكبر في هذه الملاذات.

ولأن الفشل لا صاحب له فقد كان لابد للمالكي، أن يبحث عن شماعة أو مجموعة شماعات يعلق عليها فشله وإفشاله للدولة العراقية «الجديدة».

لم يكن المالكي بحاجة إلى البحث عن هذه الشماعات، فكل ما عليه أن يمد يده إلى جيبه ليخرج مجموعة منها: السعودية وبقايا البعث وأيتام صدام والخونة والمتآمرين. وبذلك يتصور أنه أثبت براءته مما حدث، خاصة حين يضع السعودية في قلب هذه الأحداث، ليرسل مرة أخرى رسالة طائفية كبرى جديدة إلى المكون الشيعي العربي الذي يعرف موقف السعودية منه، باعتباره قطعة إيرانية بوجه عربي، يتحرك وفقا للتربص الفارسي بالهوية العراقية العربية. وهو التربص ذاته الذي يساند النظام في دمشق ويستخدم ذراع حزب الله اللبناني ليخلخل الهوية العربية السورية، ضمن المخطط الإيراني الطويل الأمد لفرض هيمنة القومية الفارسية على المنطقة.

وهو أمر لمّح إليه وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في كلمته الأسبوع الماضي أمام اجتماع مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي، حين اعتبر أن إفرازات الوضع السوري أوجدت مناخا ساعد على تعميق حالة الاضطراب الداخلي السائد أصلا في العراق، نتيجة الأسلوب الطائفي والإقصائي، الأمر الذي نجم عنه تفكيك اللحمة بين مكونات شعب العراق وتمهيد الطريق لكل من يضمر السوء لهذا البلد، لكي يمضي قدما في مخططات تهديد أمنه واستقراره وتفتيت وحدته الوطنية وإزالة انتمائه العربي.

وإذا ما سلمنا بأن كل شماعات نوري المالكي صحيحة، فإن هذا التسليم يرتد عليه وليس على غيره، إذ أن فشله هو الذي مكن هذه الشماعات من الداخل العراقي لتؤثر فيه بهذه الصورة التي وصلت حد التهام محافظتين في بضعة أيام، وهروب جيشه من ساحة المعركة وترك عتاده نهبا للمهاجمين الذين باغتوه وخلطوا أوراق العراق بشكل خاص وأوراق المنطقة بشكل عام.

وبذلك يكون قد سجل فشلا عسكريا بعد أن سجل فشلا سياسيا واضحا، حين غلبته طائفيته وتبعيته للإدارة الإيرانية ولم يتمكن من جمع العراقيين على الوحدة الوطنية بقدر ما أسّس لعملية سياسية كرس فيها التجاذبات الدينية بهويات طائفية ومذهبية وعرقية لا تملك مقومات العمل الديمقراطي في داخلها، ولا تستطيع نفي انتماءاتها الخارجية التي باتت تسبق انتماءها للداخل وللحمة العراقية المشتركة.

هذا الفشل السياسي والعسكري لدولة المالكي يقع بموازاته فشل على الصعيد الاقتصادي، فمعظم المحللين يسجلون انهيارا في البنية التحتية للعراق «الجديد»، ويسجلون فشلا واضحا في بناء المقومات الاقتصادية المستدامة في ظل تعطل جميع أنشطته الاقتصادية وتحوله إلى دولة ريعية تربط مصيرها الاقتصادي بأسعار النفط صعودا وهبوطا. بل إن هناك من المحللين من أشار إلى حدوث تضخم وظيفي وبطالة مقنعة من خلال تشغيل حكومة المالكي لمزيد من العراقيين في وظائف وهمية لا أثر لها على صعيد الإنتاج أو المسار الاقتصادي.

صندوق النقد الدولي، أيضا، أورد في تقريره السنوي عن العراق لعام 2013 أنه استنفذ موارده النفطية الهائلة (751 مليار دولار) من عام 2003 إلى نهاية عام 2013 في عمليات فساد مالي منظم شاركت فيه السلطات العراقية. وحسب تقارير منظمة الشفافية الدولية عن العراق فإن الفساد، الذي كان واسعا زمن صدام خصوصا حينما كان يكلف البلاد الكثير من الأموال للتحايل على العقوبات، ازداد سوءا بعد الإطاحة بالنظام. ففي عام 2003 صنفت منظمة الشفافية الدولية العراق كواحد من أسوأ بلدان العالم.

وفي عام 2010 أظهر استطلاع دولي أن 77 بالمئة من العراقيين يعتقدون أن الفساد ازداد سوءا خلال السنوات الثلاث السابقة. وفي عام 2011 أجرى البنك الدولي استطلاعا حول العراق كانت نتيجته أن 62 بالمئة من الشركات تعتبر الفساد عقبة رئيسية أمام القيام بالأعمال التجارية هناك. وفي شهادة للقاضي راضي حمزة الراضي الرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد في العراق، فقد قال إن لجنة النزاهة قدرت حجم الأموال المفقودة من العراق بين أعوام 2003 إلى 2008 بـ18 مليار دولار فيما قدرت دراسة ممولة من صندوق النقد الدولي إن 65 مليار دولار قد تم تسريبها خارج البلاد من عام 2001 حتى عام 2010 أما في عام 2013 فيعتقد ديوان الرقابة المالية أن ما يقرب من 40 مليار دولار من الأموال غير المشروعة تغادر البلاد كل عام.

إذن، وبالنتيجة، فإن كل “شماعات” دولة العراق الجديد أو دولة المالكي تسقط أمام الأدلة الدامغة على الفشل السياسي والعسكري والاقتصادي. ولا يبقى من أثر لهذه الدولة الفاشلة سوى تكريسها للفساد وللطائفية التي تعصف بالعراق وتهدد المنطقة ككل، في الوقت الذي لا يزال هناك، من العراقيين ومن غيرهم، من يكابر ويدافع عن المالكي وحكومته وأجندته.


كاتب سعودي

8