"عراق بايكرز" فريق يجول البلاد تحت راية كل العراقيين

فريق "عراق بايكرز" مولع بالدراجات النارية يرفع شعار لا للسياسة ويشترط على أعضائه أن يعتزوا بوطنيتهم ويسعون إلى إعلاء الوحدة بين العراقيين.
الثلاثاء 2019/01/22
ألوان تجمع العراقيين

يعلّق العراقيون آمالهم على الشباب لطرد شبح الطائفية والاقتتال الذي تفشّى في السنوات الماضية وجعل الحياة تستحيل في بلد يكتبه التاريخ بأنه من أقدم الحضارات، جمع كل الديانات على أرض واحدة، الشباب الذين يحبون العراق لكل العراقيين يعملون على بعث رسائل السلام والحب بالفنون والرياضة، كما يفعل فريق “عراق بايكرز”للدراجات النارية الذي يشترط على أعضائه أن يحبوا الدراجات والعراق.

بغداد- مع هدير دراجاتهم النارية على الطرقات في بغداد يحاول أعضاء فريق “عراق بايكرز” إظهار ما هو أكثر من شغفهم بدراجاتهم والملابس الجلدية السوداء التي يرتدونها، إذ يريدون أن تساعد حماستهم في مداواة جراح الطائفية العميقة في العراق.

ولا يقود إلا قلة من المحظوظين دراجات من طراز هارلي ديفيدسون، وهو طراز نادر وباهظ الثمن في العراق، فيما يضطر آخرون للاكتفاء بدراجات أدخلوا عليها تعديلات لتبدو مثل التي ظهرت في فيلم ومجلة “إيزي رايدر”.

وأسس بلال البياتي (42 عاما)، وهو موظف حكومي الفريق في عام 2012 بهدف تحسين صورة فرق الدراجات النارية، والدعوة إلى الوحدة بعد سنوات من الصراع الطائفي.

ويشترط البياتي على الأعضاء ألا يكونوا ذوي خلفية تحرّض على العنف، مرحّبا بالأعضاء من جميع الأطياف الدينية والسياسية، ومن يرى أنه يعتز بوطنيته ويسعى إلى إعلاء الوحدة بين العراقيين، فالمطلب الوحيد لعضوية فريق “عراق بايكرز” أن يحب العراق والدراجات.

قال شاب مسيحي عضو في الفريق رفض ذكر اسمه، ويعمل خياطا في بغداد، “بقيت في الفريق نحو سنة ولم يعرفوا أنني مسيحي لأنه لا توجد طائفية في الفريق ولا يسألونك عن دينك أو طائفتك، حتى جاؤوا إلى محلي لتفصيل ملابس فرأوا صورة السيد المسيح، فسألوني أن كنت مسيحيا، فأجبتهم: نعم”.

وقال البياتي، “الهدف جمع الأخوة والإنسانية وتغيير نظرة المجتمع إلى هذه الدراجة، نحن لسنا عصابة كما هو شائع في الغرب، نحن غيّرنا هذه الوجهة إلى أهداف سامية جذبت الكثير من الشباب العراقي الواعي المحب للبلد، إذ بلغ عدد أعضاء الفريق 380 فردا جميعهم من الرجال من كل الأعمار والطبقات الاجتماعية والعقائد، من تسع محافظات، وهي، بغداد وأربيل وكركوك وديالى وصلاح الدين وواسط وبابل وكربلاء والبصرة”.

عصابة سلام
عصابة سلام

وبيَّن البياتي، أن “الفريق يقوم بتثقيف الشباب لكي يكونوا قدوة للعراقيين عن طريق حملات التوعية المرورية، وحملات التبرع بالدم، وزيارة دُور الأيتام ودور المسنين”، مؤكدا على أن أول قاعدة لفريقه للدراجات النارية هي عدم التحدث في السياسة.

وأضاف البياتي، وهو يجلس مع زملائه من الدراجين في مقهى يتجمعون فيه عادة، “ممنوع منعا باتا على أي شخص أو أي عضو داخل الفريق أن يتكلم بموضوع السياسة، ويعرّض من يتكلم في السياسة إلى الإنذار مرة أولى، ثم مرة ثانية، بعد ذلك يقع طرده من عضوية الفريق، فنحن لم نعد نحتمل هذه المآسي التي تقع جرّاء السياسة والسياسيين، ولا نريد العودة إليها”.

وبعصابته السوداء على رأسه ولحيته الصغيرة، يبدو البياتي الذي يطلقون عليه لقب “الكابتن” مثل أحد الدراجين الأميركيين الخارجين عن القانون كما تُصوّرهم الأفلام، لكن البياتي خريج كلية الرافدين، قسم الإدارة والاقتصاد، كان يبحث من وراء بعثه لفريق “البايكرز” عن طريقة للنأي بالشباب العراقي بعيدا عن الصراعات الطائفية والحزبية.

وقال البياتي، “الهدف من تأسيس الفريق هو رفع علم العراق في كل المحافل الدولية من خلال مشاركة فريقنا في المسابقات والمهرجانات سواء كانت في ألمانيا أو أوروبا، إضافة إلى محاربة الطائفية والمذهبية”. ومن أبرز المشاركات الدولية التي حضرها الفريق، منصة “جدة باي ويك” في السعودية، وجولات استكشافية في سلطنة عُمان وتركيا، ومهرجان تحرير لبنان، وافتتاح فرع هارلي ديفيدسون في أذربيجان.

ولأن الفريق يسعى إلى نشر الفرحة في بلد مزقته الحروب، اختار الشاب عمر وهو عضو في الفريق أن يقيم حفل زفافه على خلاف ما هو شائع بأن تخرج العروسة من بيت أهلها إلى بيت الزوجية في سيارة فخمة، فعمر احتفل بأجمل يوم في حياته على دراجته بعد تزيينها بالزهور، ومن شدة حبه للدراجات ونشر الفرحة بين العراقيين، قرر أن يأخذ عروسه على دراجته، يقول والد العريس، “طرح عليّ ابني فكرة أن يأخذ عروسه على دراجته، في البداية رفضت مستغربا الفكرة في مجتمع محافظ، لكن في النهاية اقتنعنا بعد أن قال لي عمر أريد أن أفعل شيئا جديدا في العراق واترك ذكرى جيدة بين الجيران وأهل المنطقة، فكان له ذلك بعد أن طرح الفكرة على أهل العروسة الذين قبلوا دون أن يناقشوا مغامرة العريس”.

وقالت والدة العريس، “إن الشباب هم من سيكونون بأيديهم مشعل قيادة العراق إلى طريق الحب والسلام، فالرياضة والفنون والآداب والشعر هي التي تبني العراق وتعود به إلى أحسن من الأول”. العروس لم تفكر في رفض طرح زوجها عمر فكرة أن يقوم بجولة في شوارع بغداد يتبعه سرب من الدراجات، فالعرس شعار المحبة والفرح، لذلك هي تؤيد هذه الفكرة الطريفة التي ستجعلها أول عروس تركب دراجة هارلي في العراق.

وعلى الرغم من أن أسلوبهم في الملبس والمظهر مستوحى دون أدنى شك من الثقافة الأميركية، إلا أن الدراجين يرفعون علم العراق على دراجاتهم النارية، ليجمع الفريق كل العراقيين من السنة والشيعة والمسيحيين والتركمان والأكراد، حتى يصبحوا أسرة واحدة تحت راية علم عراقي واحد.

ويؤكد البياتي، أنهم لا يقبلون أي دعم مادي لغلق الأبواب أمام الذين يصطادون الفرص واستغلال الفرق والجمعيات المدنية لأغراض طائفية أو حزبية، “نحن لا نقبل أي دعم مالي من أي جهة، نحصل فقط على الدعم المعنوي الذي يأتينا عن طريق وزارة الشباب والرياضة، والجيش العراقي، وذلك من خلال مشاركة في احتفالية ما مثل آخر مشاركة في عيد الجيش، أو تسليمنا لكتب شكر أو درع أو شيء من هذا القبيل، أما مبلغ مالي فهذا مرفوض جملة وتفصيلا”.

وقال، إنهم لا يخالفون القانون أبدا، فشروط الانضمام إلى الفريق تضع شرط العمر والتدريب على القيادة، “عُمر الشخص يجب ألاّ يقل عن 20 سنة، ويخضع العضو الجديد لدورات تدريبية في قيادة الدراجات النارية، وتعلّم قواعد المرور العامة، كما يحصل العضو على إجازة خاصة بقيادة الدراجات النارية”.

حماسة الشباب تداوي جراح الطائفية
حماسة الشباب تداوي جراح الطائفية

وأضاف، “نحن لسنا عصابة، كما يبدو الأمر في أندية الدراجات حول العالم، ولكن الأولوية الأولى بالنسبة لنا هو أن نظهر أننا أناس طيبون. وبعض أفراد الفريق هم أفراد في الجيش والشرطة الذين شاركوا في المعارك لطرد تنظيم الدولة الإسلامية من العراق في السنوات الثلاث الماضية، حيث اعتاد أعضاء النادي تكريم أي عضو يسقط خلال عمليات الاقتتال التي تحدث يوميا في البلاد بعدم تنظيم أي نشاط لمدة 3 أسابيع، وتبرعوا بالدم للجنود الجرحى.

وقال عضو الفريق أحمد حيدر (36 عاما) والذي يعمل في منظمة إغاثة دولية “هذا الفريق يشارك فيه جميع شرائح المجتمع العراقي، فمعنا الطبيب والضابط والموظف والمهندس والمحامي والعامل، فهو عبارة عن عراق مُصغّر”.

وقيادة الدراجات النارية عبر شوارع العاصمة بغداد تختلف عن الطرق السريعة في الولايات المتحدة، إذ على الدراجين الإبطاء عند الكثير من نقاط التفتيش العسكرية المقامة في أنحاء المدينة من أجل منع وقوع الهجمات الانتحارية والتفجيرات، كما لا يمكن للكثير منهم تحمّل تكلفة دراجات نارية من طرز شهيرة.

والدراجات التي يستخدمها أعضاء فريق “العراق بايكرز”، أبرزها الكلاسيكية الرئاسية والهارلي ألكترا بمختلف أصنافها، يقول كاظم ناجي وهو صاحب الورشة للإصلاح والتعديل تخصص في تحويل الدراجات النارية العادية لدراجات مميزة، “لا توجد وكالة لشركة هارلي في العراق لنستورد منها الدراجات أو قطع الغيار، فنحن نشتغل القطع عن طريق تعديل قطع دراجات أخرى، بل نعدّل دراجات بأكملها ونجعلها قريبة من الهارلي حتى تكون التكلفة أرخص من المستورد”.

ويتحدث البياتي عن أبرز الصعوبات التي يتعرّض لها الفريق قائلا، “من أبرز الصعوبات التي تواجهنا، الحصول على الموافقات الداخلية والخارجية، كي يتسنى لنا السفر بدراجاتنا الخاصة”، لكنه يؤكد على أن ركوب الدراجات ليس مجرد هواية فقط، بل هو رسالة خلق واقع آخر يجمع الشباب في مساحة مشتركة بعد أن أخذت الحرب من عمرهم الكثير.

20