عربات الطعام المتنقلة في مصر تطارد الرزق والحكومة

فرض أداءات ورشاوى على أصحاب العربات يضاعف من طوابير البطالة.
الأربعاء 2021/08/04
لقمة عيش مغمسة بالشقاء

يلجأ الشباب إلى العمل في المهن الهامشية كبيع الطعام والمشروبات في العربات المتنقلة في ظل غياب الوظائف في القطاع العمومي والخاص. لكنّ الملاحقات اليومية من موظفي البلديات ومطالبتهم بالتراخيص أو دفع الرشاوى، تجعلهم يفكرون في هجر المهنة رغم ما يهددهم من شبح البطالة.

القاهرة - اضطر محمود سيد وهو شاب مصري حاصل على شهادة تعليمية متوسطة، إلى التخلي عن عربة الفول التي كان يمتلكها ويقف بها في أحد شوارع الإسكندرية الشهيرة، حيث يزداد رواج بضاعته خلال أشهر الصيف التي يتضاعف فيها الإقبال على المدينة الكبيرة للاستمتاع بالبحر.

ووجد في هذه العربة ملاذا للهرب من شبح البطالة بعدما أخفق في الحصول على وظيفة في القطاعين العام أو الخاص.

ويستغل الشاب مكاسبه الزهيدة من العربة يوميا في توفير متطلبات حياته الشخصية ومساعدة أسرته التي تعيش في محافظة البحيرة البعيدة عن الإسكندرية بنحو مئة كيلومتر. ويرغب سيّد في توفير جزء من المال ليقدم على خطوة الزواج من ابنة عمه التي وافقت على الزواج به رغم مهنته المتواضعة، لكنه أكد لها أنه يجني من عربة الفول مكسبا  معقولا يستطيع أن يوفر منه الحد الأدنى لتحقيق حياة كريمة.

وصار موظفو البلدية يطاردون الشاب ومن على شاكلته أكثر من مرة أسبوعيا، فمرة يهددونه بحجز العربة لأنها دون ترخيص وأخرى يحصلون منه على غرامات مالية، حتى صارت النقود التي يجمعها تتناقص بشكل دوري حتى وصلت علاقته بالعربة حد الكراهية، ووجد أنها لم تعد باب الرزق الذي يعيله وأسرته ولم تعد الوسيلة التي تبعده عن الاستدانة من الناس أو ضمان مستقبله.

وانتفض مجلس النواب المصري ضد الحكومة مؤخرا لتراخي الأحياء عن تفعيل قانون ترخيص عربات الطعام المتنقلة في الشوارع والميادين مثل الفول والطعمية والكشري والكبدة، وعربات المشروبات الساخنة كالشاي والقهوة وغيرهما، باعتبار أن النسبة الأكبر من هذه العربات لم تحصل على ترخيص لمزاولة المهنة أو تدفع للدولة الضرائب المستحقة عنها.

وانتفضت الحكومة منذ ثلاثة أعوام لتجميع عربات الطعام والمشروبات في أماكن محددة من القاهرة حفاظا على المنظر الحضاري في أحياء مثل مصر الجديدة ومدينة نصر والدقي وغيرها، ووفرت لهم الخدمات اللازمة وبدت التجربة لافتة في البداية وشهدت إقبالا جماهيريا، لكنها سرعان ما انطفأ نشاطها وأغلق عدد كبير منها، لأن المردود المادي لم يعد يتواءم مع المصروفات المطلوبة، ولم يعد هذا المشروع جاذبا للناس أو أصحاب عربات الطعام التي تعمل في إطار منظم من قبل الحكومة.

إجراءات معقدة

لقمة عيش مغمسة بالشقاء
لقمة عيش مغمسة بالشقاء

يتطلب ترخيص كل عربة متنقلة لبيع الأطعمة والمشروبات المختلفة من تلك التي يمتلكها الشباب دفع 20 ألف جنيه (1280 دولارا)، نظير الحصول على رخصة تشغيل مع دفع الآلاف من الجنيهات الأخرى لموظفي الحي بشكل دوري تحت مسمى “أجرة إشغال الطريق”، وهو ما لا يستطيع الكثير من العاملين في هذا المجال توفيره في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وشح الموارد.

وقال الشاب محمود لـ”العرب”، إن صاحب العربة عندما يدفع الآلاف من الجنيهات نظير الترخيص وإشغال الطريق فلن يستطيع توفير أي أموال تعينه على متطلبات حياته الشخصية وإعانة أسرته، لأن الحكومة بذلك تطالبه برفع الأسعار على الناس، وهو ما لا يمكن حدوثه، لأن الأغلبية التي تشتري من هذه العربات وهي فئات في معظمها بسيطة، وتلجأ إليها لانخفاض أسعارها.

وبمقارنة أسعار الوجبات السريعة والمشروبات على العربات مع نظيرتها في المطاعم والمقاهي، فإنها زهيدة وتناسب شرائح عديدة لذلك يتهافت كثيرون على التعامل معها بشكل أغرى فئة من الشباب للعمل فيها كمشروع يدرّ ربحا، لكن أمام الأموال التي تخطط الحكومة لجمعها لم تعد هذه العربات بنفس المكانة حتى هجرها الكثير من العاملين.

ويخشى الشباب أن تصل الحكومة إلى مرحلة فرض العقوبات على من يرفض ترخيص العربة منهم، لأنها تصل إلى الحبس أو الغرامة بقيمة تصل إلى 1200 دولار، بدعوى أن صاحب العربة يرفض الانصياع للقانون وقام بتشغيلها دون ترخيص، وقد يتعرض إلى مطاردة يومية أو دفع أموال (رشوة) لموظفي البلدية لغض الطرف عنه.

ويتعامل أغلب المصريين مع عربات الطعام المتنقلة بأنواعها المختلفة باعتبارها تقدم وجبات ذات مذاق خاص لاحترافية العاملين فيها، وإعدادهم الأطعمة أمام أعين الزبائن بشكل طازج، خاصة الفول والطعمية، وهما وجبتان شهيرتان في مصر، ومثل هذه العربات منتشرة ويصطف الناس عليها في طوابير طويلة جراء شدة الزحام والرغبة في الشراء.

إذا سألت أيّا من المصريين عن الفارق بين طبق الفول على العربة ونظيره الذي يتم تقديمه في مطاعم فاخرة وبطريقة راقية، سوف تأتي أغلب الردود لصالح الوجبة المقدمة بشكل بدائي ويتناولها الناس في الهواء الطلق، أو وهم يجلسون على الأرصفة بدلا من الالتزام بالجلوس على طاولات منمقة في أجواء قريبة من جو المنزل.

ورغم أن أغلب المصريين بإمكانهم طهي الفول في المنزل، لكنهم يرتبطون بالعربة بشكل نفسي واجتماعي وثقافي، فالعشوائية حول العربات صارت متعة في حد ذاتها، ولا مانع أن تجد سيارات فارهة تمتلكها شخصيات مقتدرة ماديا أمام عربات الطعام الموجودة بالشارع لاستمتاع أصحابها بتذوق طعامها أو احتساء المشروبات من خلالها.

وهذا لا يرتبط بانخفاض الأسعار بقدر ما يتعلق بمتعة تناول المأكولات المطهية على العربة، فهناك سيدات مصريات لديهن خبرة ومذاق خاص عند إعداد الطعام ويساعدن أولادهن الشباب في البيع والطهي، أي أن الأسرة بكامل أفرادها قد تكون منخرطة في العمل على العربة كمشروع ربحي جيد.

نشاط للفتيات أيضا

ترخيص العربات المتنقلة لبيع الأطعمة والمشروبات يتطلب دفع 20 ألف جنيه مع الآلاف من الجنيهات الأخرى تحت مسمى أجرة إشغال الطريق
ترخيص العربات المتنقلة لبيع الأطعمة والمشروبات يتطلب دفع 20 ألف جنيه مع الآلاف من الجنيهات الأخرى تحت مسمى أجرة إشغال الطريق

أغلب النساء ينحدرن من أسر بسيطة أو يقطن في مناطق شعبية ولديهن طريقة سحرية في إعداد الطعام، فعلى طريق القاهرة الإسكندرية الزراعي توجد العشرات من العربات التي تبيع المأكولات والمشروبات الساخنة وتديرها فتيات يقمن بتقديم الطعام والشراب لمستقلي السيارات على هذا الطريق الطويل، وقد تجذب عربة واحدة العشرات من الأفراد ممن يرفضون تناول الأكل في أجواء المطاعم الفاخرة.

وقالت إحداهن لـ”العرب” وتُدعى سحر، إنها ورثت العربة عن والدها وتتحصل يوميا على مبالغ معقولة من مستقلي السيارات لكنها تتعرض لمضايقات كثيرة، مثل مطالبتها بالترخيص أو طلب أموال نظير إشغال الطريق وفكرت كثيرا في بيعها أو تأجيرها، مع أن العربة صغيرة ولا تستحق كل هذه الضجة حولها أو تأخذ حيزا من المكان الذي يؤثر على حركة المارة والسيارات.

وأضافت سحر، أن “الحكومة تريد أن تحصل على أموال من الشباب أصحاب العربات لقناعتها بأنهم يحصلون على مبالغ طائلة، وهذا غير دقيق، لأن الربح اليومي يكاد يساعد الأسرة على الوفاء باحتياجاتها الرئيسية، وعندما يصل الأمر إلى دفع الآلاف من الجنيهات المصرية مقابل الترخيص فإن بيع العربة سيكون قرارا نهائيا ولن يعمل الشاب نهارا ليبيع للناس ويذهب في المساء ليسلم أمواله لموظفي الحي”.

ويبرر نواب البرلمان أن تفعيل قانون ترخيص عربات الطعام والشراب سوف يحصن جمهورها من الإصابة بالأمراض ويسّرع من تطبيق الإجراءات الصحية، مع أن الطقس السائد عند أغلب الناس هو الاستمتاع بتناول المأكولات والمشروبات في الشارع أو الطريق أو في الميدان من دون السؤال عن الاشتراطات الصحية التي لا يعيروها اهتماما، ونادرا ما يركزون في مثل هذه التفاصيل المهمة.

وشهدت السنوات الأخيرة انتشار شائعات كثيرة حول الفول المعروف في مصر بـ”المدمس” الذي يتم تقديمه على العربات واحتوائه على مواد كيميائية سامة بهدف التسريع من الطهي، وأنه تتم إضافة مادة بعينها في الماء بشكل يوفر الغاز الطبيعي الذي يستخدمه صاحب العربة، وهي أنباء لم تؤكدها وزارة الصحة والجهات الرقابية.

وبررت الحكومة تدخلها لتنظيم عمل عربات المأكولات المتنقلة في الشوارع، بأن 95 في المئة من وجبات الفول يتم تقديمها للمواطنين من خلال عربات الشوارع، وجميعها غير مرخصة ما قد يلحق الأذى بالناس ويتم تحميل الدولة أسباب هذا التقصير، بالتالي فإن ترخيصها مسألة صحية بحتة.

وصحيح أن الإجراءات الصحية مطلوبة، لكنها غير مطبقة على الكثير من المطاعم الفاخرة نفسها، وكثيرا ما ضبطت حملات وزارة الصحة أطعمة فاسدة ومنتهية الصلاحية، في حين أنه من النادر تكرار نفس الأمر في العربات، لأنها تقدم وجبات طازجة ومشروبات جماهيرية يصعب التلاعب فيها، أيّ أن الهدف من القانون، وفق أصحاب العربات، هو جمع الأموال قبل الحفاظ على صحة المواطنين.

مجازفة غير محسوبة

Thumbnail

أمام التعقيدات المالية التي أقرتها الحكومة على التراخيص والاشتراطات الصارمة الموجودة في القانون، اختفت مظاهر الالتفاف حول العربات بنسبة كبيرة في الكثير من الشوارع ولم يعد يتبقى منها أمام الناس سوى تلك التي يمتلكها أشخاص بعينهم، وهؤلاء يبيعون الفول والطعمية والكشري طوال السنة وصاروا من العلامات البارزة في الشوارع والميادين وبإمكانهم تعويض خسارتهم بسبب ارتفاع أموال التراخيص.

ورأى سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية في القاهرة أن خضوع شباب العربات للضرائب والإلزام بالتراخيص في وسط أزمة كورونا قد يكون مجازفة، لأنه يثير امتعاض شريحة استغنت عن مساعدة الحكومة في توفير حياة كريمة لنفسها وما زالت مطاردتها مستمرة.

وأضاف لـ”العرب” أن الحكومة ترغب في إخضاع كل الفئات العاملة في القطاع الاقتصادي غير الرسمي للضرائب لأن لديها شحّا في الموارد، وذلك لا يعني اللجوء إلى جيوب الشباب والفئات البسيطة لأنهم عندما يعودون إلى طوابير البطالة سيكون هناك عبء مضاعف على الدولة.

ويرى الكثير من الممتعضين من مطاردة عربات الطعام والشراب المتنقلة أن قرار تنظيم عمل عربات الفول اقتصادي في المقام الأول، حيث تبحث الحكومة عن ضم كل الأطراف التي تعمل بعيدا عن مظلتها وتتربح دون دفع ضرائب لتكون تحت سيطرتها وتستفيد منها ماديا ضمن مساعيها لضبط الاقتصاد غير الرسمي والمشاركة في أرباحه بأي طريقة كانت.

بعض المعارضين للحكومة يرون أن مطاردة أصحاب عربات الطعام جزء من لعبة مصالح بين نواب من المجلس والمستثمرين

ولا يمانع الشباب الذين كانوا يسترزقون من عربات الطعام في أن يحصلوا على تراخيص عمل نظير دفع مبالغ مالية معقولة، لكن القانون اشترط أن تكون التراخيص سنوية بتكلفة ضخمة تفوق قدراتهم المادية ما يتنافى مع الهدف بأن تكون العربة ملاذا للحياة الآدمية، أو تساعد في توفير متطلبات بعض الأسر التي أغلقت في وجهها الكثير من أبواب الرزق.

وقال صادق لـ”العرب”، “الحكومة في غنى عن النبش في الغضب مع شريحة شبابية تبحث عن الحياة الآدمية دون الضغط على الدولة، وهذا يتطلب رد فعل عقلاني بأن يتم التدرج في التطبيق وعلى سنوات متقطعة، بحيث تأخذ الحكومة حقها بهدوء دون إثارة مشكلات في توقيتات قد تكون خاطئة مجتمعيا وسياسيا”.

وأمام ارتفاع قيمة التراخيص بشكل يعجز أغلب الشباب عن توفيرها، فإن بعض المعارضين للحكومة يرون أن مطاردة أصحاب عربات الطعام هو جزء من لعبة المصالح التي كانت واضحة بين أعضاء داخل مجلس النواب والمستثمرين ومن بينهم بعض أصحاب المطاعم الكبرى التي كانت تعاني من هجرة الجمهور لها مقابل التهافت على عربات الشوارع.

20