عرباوة ذاكرة المغاربة التي هزمت الاستعمارين الفرنسي والأسباني

السبت 2015/04/11
مجسم خطاب الملك محمد الخامس الذي نصب على هيئة كتاب مفتوح ليحكي صفحات من تاريخ المغرب في عرباوة

لما يقرب من نصف قرن، ظل أهل المغرب وزواره يستخدمون وثائق سفرهم أو إذن عبور، للانتقال بين شمال المغرب ووسطه، حتى حصلت البلاد على استقلالها عام 1956، بعدما كان شمالها وصحراؤها في أقصى الجنوب خاضعين للاستعمار الأسباني، بينما وسطها خاضع للاستعمار الفرنسي.

أشهر نقطة حدودية تقاسم من خلالها الاستعمارين الأسباني والفرنسي (1912-1956) التراب المغربي، كانت قرب قرية عرباوة، شمال غربي المملكة، والتي زارها سنة 1958 العاهل المغربي آنذاك، الملك محمد الخامس (جد الملك الحالي محمد السادس)، وأزال حواجز الحدود الاستعمارية بين إقليمي القنيطرة والعرائش (شمالا). لكن منذ ذلك التاريخ، وتلك المنطقة تشكو نسيانا شبه تام من المسؤولين.

محمد الزبيري، وهو موظف في بلدية عرباوة، وباحث في تاريخ المنطقة، يقول إن “بناية الجمارك القديمة للاستعمار الفرنسي في المنطقة، والتي أرجح أنها بنيت سنة 1912، كان الهدف منها هو ضبط الحدود بين الجانب المستعمر من طرف أسبانيا والآخر المستعمر من طرف فرنسا”.

الزبيري (50 عاما)، صاحب موقع “عرباوة” الإلكتروني والمعروف بذاكرة المكان، يمضي قائلا إن “الغاية من تلك البناية لم تكن هي فقط الجمارك، بل أبعد من ذلك، إذ كانت تهدف إلى ترسيخ الهيمنة الفرنسية وإبرازها، كما توضح البناية الباسطة لأجنحتها، فهذا النمط من البنايات كان غريبا على السكان في ذلك التاريخ، وكان الهدف منه أن تكون بناية مخيفة”.

و”اشتهرت نقطة عرباوة الحدودية بكونها الأشد مراقبة، وكان الهدف هو قمع المقاومة المغربية المناهضة للاستعمار، ومنع انتقال المقاومين والأسلحة، حيث كانت البناية محاطة بجنود، وفي مركز عرباوة كان المقر الرئيسي”، بحسب الزبيري.

وفُرض الاستعمار الفرنسي على المغرب يوم 30 مارس 1912، بعد توقيع معاهدة الحماية الفرنسية على البلاد من جانب السلطان عبدالحفيظ، وامتدت فترة الحماية حتى حصول المغرب على استقلاله سنة 1956.

وهو استعمار شمل المنطقة الوسطى بالمغرب، والذي سيطرت عليها فرنسا، بموجب معاهدة فاس، التي جرى تقسيم البلاد بموجبها إلى ثلاث محميات: المنطقة الشمالية والمنطقة الصحراوية في الجنوب، تحت الحماية الأسبانية، والمنطقة الوسطى تحت الحماية الفرنسية، فيما خضعت مدينة طنجة لحماية دولية مشتركة بين فرنسا وبريطانيا وألمانيا (1923–1956).

وبعد انتهاء الاستعمارين الأسباني والفرنسي، ضرب الإهمال عرباوة، حيث كان يعيش حوالي 5 آلاف نسمة في عام الاستقلال، زاد عددهم حاليا إلى نحو 41 ألف نسمة.

فهذه “النقطة التاريخية”، بحسب الزبيري، “لم تعرف أي ترميم ولا أي اهتمام، لدرجة أنها أصبحت الآن آيلة للسقوط. وأبلغت بلدية عرباوة الجهات المسؤولة بخطورة الوضع سعيا إلى إنقاذ هذه البناية. واقترح المهندسون أن يتم تشييد متحف في هذه البناية ومركبات ثقافية وتجارية، ومحطة للسكة الحديدية تمر من جانبها”.

وأضاف الزبيري أن هذا المشروع الذي تم وضعه قبل سنتين “لا يزال حبرا على ورق، ورغم أن هناك مساع لإخراج هذه الأفكار إلى الوجود، إلا أن التمويل يمثل عائقا”.

وعن أوضاع أهالي المنطقة خلال الاستعمار، يوضح الباحث المغربي أن “الاستعمار كان بطشه شديدا في المنطقة، حيث مارس بحق الأهالي شتى أنواع القمع، لأن عرباوة كانت تعرف حركة لرجال المقاومة المغربية وتهريب للأسلحة والذخيرة”.

وإنشاء متحف في عرباوة يهدف إلى توثيق تاريخ المنطقة، وما فعله المستعمر بها، فلا يوجد نُصب تذكاري ولا حتى لائحة توثق وتشرح خصوصية المنطقة، باستثناء مجسم للخطاب الملكي لمحمد الخامس، الذي ألقاه في المكان يوم 17 فبراير 1958.

وخرج هذا المجسم للنور عام 2011 بمبادرة مشتركة بين “المندوبية السامية للمقاومة وجيش التحرير” (شبه حكومية) و”جهة الغرب شراردة بني حسن” (حكومية) و”المجلس الجماعي لعرباوة” تم وضعها عام 2011.

والمجسم على هيئة كتاب مفتوح يحكي صفحات من تاريخ المغرب، ويقدم نص خطاب الملك الراحل، الذي حطم في نقطة عرباوة الحدودية سنة 1958 سياجات الحدود الاستعمارية سنة 1958.

ومن هذه النقطة الحدودية، وبحسب موقع “عرباوة” الإلكتروني، توجه الملك محمد الخامس إلى المغاربة قائلا “من هذه البقعة التي كانت فيما سبق حدا فاصلا بين شطري الوطن، نزف إليكم بشارة تملأ قلوبكم فرحا، وتهز عواطفكم مرحا، ونزجي نبأ حدث سعيد يدخل البهجة على كل بيت، ويشع المسرات في حواضركم وبواديكم، ففي فجر هذا اليوم (17 فبراير 1958) استكملت مملكتنا وحدتها الاقتصادية والمالية بإزالة فوارق النظام السابق الذي أكرهت عليه قرابة 50 عاما.

20