عربة الأدعية أم عربة الحياة

الأحد 2016/07/10

كنت أظنّ الصلاة مجّانيّة وغير مكلفة -كيف لا، وهي التقرّب إلى الغنيّ القدير دون وساطة أو محسوبيّة أو طوابع ماليّة- إلى أن قادتني قدماي ظهيرة يوم جمعة، صحبة جاري الذي دعاني إلى الصلاة بالجامع الوحيد في إحدى الضواحي المرفّهة بالعاصمة التونسيّة، إبّان حكم المغفور لها.. أي الترويكا بقيادة حركة النهضة.

خلعت نعليّ وتربّعت في الصفوف الأماميّة، أنصت إلى خطبة يتوعّد فيها صاحبها أصدقائي العلمانيين واليساريين والليبراليين والغربيين وغير المسلمين، بجهنّم وبئس المصير، بل ويحمّسنا في خطبته على إرهابهم والجهاد فيهم بكل ما أوتينا من خيل ورباطة جأش.. ولا يعلم أنّي “مندسّ” في صفوف زبائنه المخدوعين، لكنني أعزل، إلاّ من إيماني بالله والمحبة والجمال.

قضيت الصلاة، وقبل أن ننتشر في الأرض، جيء لنا بصندوق قيل إنه “بيت مال المسلمين” وطلب منّا أن نساهم بما فيه النصيب، خدمة للإسلام والمسلمين.. ودون أن يوضّحوا نوعيّة هذه الخدمة.

مددت يدي إلى جيب بنطالي الجينز بصعوبة واضحة فأحسّ أحد السدنة أنّي ربما أكون متململا، وقال لي "إن لم يكن لديك "كاش موني"، فلدينا جهاز استخلاص رقمي من بطاقتك الائتمانية".

نسيت أن أخبركم بأني التقيت أمام الجامع برفيق الدراسة وأحلام اليسار الذي كان يزودني بالكتب الحمراء، وسألته "إلى من يعود ريع عائدات الصلاة هذه؟".

استنكر صيغة سؤالي وطالبني بتصحيحه، ثمّ ردّ "إلى المسلمين من أمثالي، لقد كنت قبل الهداية بلا عمل ولا زوجة ولا غاية، إلى أن قذف بنور في صدري، ووجدت إخوة لي في الدين يمدّونني بما أنعم به الله عليهم، وأنشأت هذه العربة المخصّصة لبيع العطور واليراقع وكتيّبات الأدعية".

مسح على ظهر يدي بعطر غريب الرائحة، ناولني كتيّبا أخضر اللون، ينزف أدعية لا تدعو إلاّ بالهلاك.. ثم مضى إلى تجارته، وتركني وحدي متجهّما، وأواجه آلاف الأسئلة في سؤال واحد: من هؤلاء؟ وماذا يريدون؟

أعترف أنّ هذا النهار الطويل من هذه الجمعة الحزينة، قد فتح عينيّ على أشياء كنت أجهلها، أوّلها أنّ الصلاة في أعرافهم ليست مجّانيّة، بل مقابل مبلغ، يذهب في أحسن حالاته إلى عربة الأدعية والروائح والبراقع، أمّا في غايته المنشودة، فإلى ما نشاهده -وما لم نشهده- من صور القتل والدمار.

ثاني هذه الأشياء، هي أنّ الأسلوب المدروس والممنهج في تدمير مؤسسات الدولة، قائم على أكثر من قدم وساق ومنبر، يبدأ بالضريبة الموازية وعظة المسجونين للمسجونين، وحتى السجّانين.. وينتهي إلى إقامة “جمهورية الظلام”.

المتتبّع لتاريخ دولة إسرائيل يعرف أنها قامت على هذا الأسلوب الاستنفاري، عبر اقتطاع الضرائب في دور العبادة، بقصد إبادة شعب آخر في مكان آخر.

تركت رفيق الأمس، تجرّه عربة الأبخرة نحو المنحدر، ونظرت إلى عربة البوعزيزي، وهي تحاول الصعود إلى السماء، محمّلة بالفواكه والحياة.

24