"عربي المستقبل" قصة مصورة ضد سطوة الصورة النمطية

غضبت عندما قرأت قصة رياض صطوف المصورة، “عربي المستقبل”، ربما غضبت لعروبتي أو لسوريتي، للوهلة الأولى. كان الكتاب مشوقا جدا، وهذا ما أغضبني أكثر، لأنني تصورت أن الفرنسيين، الذين لا بد أنهم سيتمتعون به، سيشعرون بالاطمئنان والسعادة والرضا عن استمرار قناعتهم بالصورة النمطية المتخلفة التي يحملونها عن العرب.
الأربعاء 2015/06/10
كتاب رياض صطوف يطرح أسئلة كثيرة حول الصورة النمطية

عندما شاهدت رياض صطوف، صاحب القصة المصورة “عربي المستقبل”، في مقابلة على إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية، وكانت مثالا صارخا عن اللعبة الإعلامية، التي تعطل العقل والتفكير والتحليل، سكن غضبي من قصته، وهدأ روعي، فتريثت في الحكم. فقد كانت المذيعة تقول ما اعتادت أن تقوله دائما بغض النظر عما يقوله الضيف. وبمتابعة هذه الحلقة تابعت عملية تسطيح الوعي والإصرار على تكرار الصورة النمطية بطريقة ببغائية، مع أن كلام الضيف يدعو إلى التحليل والتفكير على نحو أعمق. كان الحوار من طرف واحد، فالمحاورون لم يسمعوا رياض صطوف، فبدا كأنه يتكلم مثلهم. لذلك أعدت قراءة كتابه “عربي المستقبل” كي أسمع رياض صطوف جيدا.

رياض صطوف، كاتب قصص مصورة فرنسي الجنسية، ينحدر من أب سوري وأم فرنسية. كتب قصة مصورة (صدرت سنة 2014 في فرنسا) عن ذكريات طفولته الباكرة في ليبيا، وفي بلد أبيه سوريا.

كان ذلك في زمن القذافي وحافظ الأسد، فلمَ الغضب؟ يبدو أنني كنت في غضبي تحت سطوة الصورة النمطية، مثل تلك المذيعة الفرنسية تماما، لقد اعتدنا على الغضب ممن يحاول انتقاد قبيلتنا، التي نعتقد في دخيلة أنفسنا أننا نمثلها بداهة. ولطالما اعتبرنا أن من ينتقدنا مغرض يفعل ذلك لأهداف مشبوهة، مرتكزين في هذا الاعتبار على صورتنا النمطية عنه.

لكن رياض صطوف كان، ببساطة، يحكي ذكرياته في قرية أبيه “تيرمعلة”، وهي قرية في ريف حمص الشرقي، ويصفها كما كانت في ذلك الوقت، بين عامي 78 و84. كان يحكي ذكرياته هو. وقد كان مبدعا في روايتها، واستطاع في كثير من الأحيان أن يجعلنا نرى بعين الطفل، ووصلتنا مشاعر الطفل بكل قدرتها على توصيل المشهد بعيدا عن الأفكار المسبقة. ربما غضب كثير من الفرنسيين أيضا من رياض صطوف، بسبب الصورة السلبية للمرأة الفرنسية، تلك المرأة التابعة المستسلمة لإرادة الرجل. وكذلك من صورة الرجل الفرنسي الذي يطلق زوجته من أجل أن يكون حرا، ويغازل بخفة أي صبية في الطريق، تاركا شريكة عمره تجلس جل وقتها أمام التلفزيون وحيدة مكتئبة، كما يصفها حفيدها في قصته وذكرياته. بينما جدته السورية تبدو سعيدة وهي تحتضن أولادها وأحفادها.

يطرح كتاب رياض صطوف وشخصيته أسئلة كثيرة حول الصورة النمطية. تلك الأسئلة نصطدم بها دائما عندما نتعامل مع الآخر المختلف. ومع أن الفلاسفة قالوا منذ زمن بعيد أن التعميم لغة الحمقى، إلا أننا جميعا نقع في هذا المطب، وبعضنا يقع فيه دائما، فنرتكب أسوأ وأغبى فعل يرتكبه البشر على الإطلاق، هو الاعتماد على الصورة النمطية في السلوك وفي التقييم وفي التحليل، ومن ثمّ، في الحكم على الآخرين.

على الرغم من غباء الصورة النمطية إلا أنها ذات سطوة كبيرة وثقيلة وراسخة في الأذهان، مع أنها لا تنطبق على أحد ممن نظن أنهم يمثلونها: فمن هو السوري مثلا؟ هل هو ابن تيرمعلة أم ابن دمشق أم ابن اللاذقية؟ هل هو المتدين أم المتطرف أم العلماني أم اليساري؟ هل هو السني أم العلوي أم المسيحي أم الدرزي؟ حتى في تيرمعلة هل هو ابن المدرس الذي درس في الجامعة أم ابن راعي الغنم؟ حتى أولاد راعي الغنم أو أستاذ الجامعة يختلفون في ما بينهم.

ومن هو الفرنسي؟ هل هو ابن بريتونيا أم ابن مارسيليا أم ابن جبال الألب؟ هل هو اليميني الفاشي أم اليساري؟ أم الوسط أم…؟ هل هو ابن الضواحي أم ابن باريس؟

من هو رياض صطوف؟ هل هو فرنسي؟ أم سوري؟

رياض صطوف أجاب “أنا كاتب قصص مصورة”. لم يأت جوابه من تيرمعلة ولا من بريتونيا، جاء جوابه ناصعا وجميلا ونابعا من كونه هجينا. ومع أننا من الممكن أن لا نرتاح كثيرا من صدور الكتاب في هذا الوقت بالذات، وأن نرتاب بأن يكون دافعه فقط الحصول على ثروة كبيرة من وراء الكتاب، لأنه يتبع الرائج ويتناول منطقة ساخنة حاليا، على الرغم من أنه لا يتطرق إلى السياسة إلا على نحو عابر، ويتحدث عن زمن سابق للثورة السورية، ولكني أعتقد أنه لولاها لما تذكر أصله السوري في سياق فنه.

15