عرب السياسة وسياسيو العرب

الخميس 2013/12/05

في حقيقته فإن ذلك القول يعني واقعيا أن العربي يهدر الكثير من وقته، بل جل عمره في ما لا ينفع من الأمور. وهو أمر يسر له السياسيون (المحترفون مجازا). فهم لا يرون في اللغو السياسي الذي يغرق المجتمع في مستنقعه إلا وسيلة للإلهاء.

وإذا ما كان الحديث في السياسة ممنوعا في ظل الأنظمة الشمولية، فإن ذلك لم يمنع تلك الأنظمة من تشجيع رعيتها على الغوص أكثر في ذلك المستنقع.

لا تناقض بين الرقابة الحديدية التي كانت تلك الأنظمة تمارسها وهي تحصي أنفاس رعيتها التي لا علاقة لأفرادها بمفهوم المواطنة، وبين رغبتها في تحويل تلك الرعية إلى زيت يغذي ماكنتها السياسية بالأوهام.

تعرف تلك الأنظمة أن ما من شيء في الحياة العربية يمكنه أن يشكل أساسا لحوار جامع، يتمكن من خلاله الأفراد من توحيد رؤاهم وأحلامهم وتطلعاتهم ليشكلوا كتلة من شأن قيامها أن يشكل خطرا على السلطة المطلقة.

إن ما لم يكن يعترف به محترفو الحديث السياسي، وهم الأغلبية، وما تعرفه الأنظمة الحاكمة جيدا أن كل شيء في الحياة السياسية في العالم العربي لا يمت إلى عالم السياسة بأي صلة تذكر.

غالبا ما كانت هناك عصابة من العسكر أو من الحزبيين، مكّنها القدر عن طريق الدسائس والخداع والمؤامرات والانقلابات من السيطرة على مصير شعب، قدر له هو الآخر أن يكون كائنا مختبريا يجري عليه زعماء تلك العصابات تجاربهم في الحرب كما في السلم.

عن طريق الإلهاء السياسي استطاعت الأنظمة أن تعيق قدرة مجتمعات كاملة على التطور والرقي والتحضر. لقد أعمى الاهتمام بالسياسة أفراد تلك المجتمعات عن النظر إلى مفردات كثيرة، يشكل الاهتمام بها ورعايتها أساسا متينا لحياة، لن يكون للسياسيين القدرة على تخريبها والعبث بها.

لقد كانت التعبئة السياسية التي اعتمدتها أنظمة الاستبداد فقرة ناجحة في برنامج التجهيل والإفقار الفكري وإفراغ الحياة من معانيها الحقيقية الكامنة.

يعيش العربي حياته معلقا على حبل كان يمتد بين افتتاحيات الصحف الرسمية اليومية وخطب الزعماء، مرورا بالأناشيد الوطنية التي لا تخلو من وصايا العنصرية التي تنام على وسائد الماضي.

هستيريا الجموع كانت تستلهم إيقاعها من وعي سياسي كان بالغ التفاهة في شقائه.

وهو ما يجعل هتافا من نوع «بالروح بالدم نفديك يا…..» ممكنا في أية لحظة، الآن كما في المستقبل. حتى أن ذلك الهتاف قد انسحب على الموتى من الزعماء، باعتبارهم رموزا لعبودية مرت على مهل وببطء، من خلالها تحولت الثورات إلى عبء ثقيل على الشعوب وتحول الثوار إلى طغاة.

كان العراقيون وقد أنهكتهم العقوبات الاقتصادية في تسعينات القرن الماضي يأنّون تحت وطأة نظام فقد القدرة على إدارة أحواله الخاصة وكانوا عباقرة في التحليل السياسي، ولكن حين حانت لحظة التغيير لم يجدوا بداً من الاعتراف بعجزهم فسمحوا للاحتلال الأميركي في أن يقضي على ما تبقى من تطلعاتهم.

لم يكن السوريون، وهم الذين اخترعوا القومية العربية المعاصرة، أقل شغفا بالسياسة من إخوتهم العراقيين، وها هي عبقريتهم السياسية تحيل بلدهم إلى سوق للفجور السياسي، لا يُسمع فيه صوت يعترف بحقيقة أن سوريا قد أصبحت ملعبا للقوى الكبرى، أما السوريون فقد صاروا مواد تتوزع بين معامل التعليب التي جهزها العالم لتقديم عرضا جديدا للشفقة.

في الجانب الأكثر ألما، وهو الجانب الذي يفصح عن سخرية سوداء يقف الفلسطينيون، باعتبارهم روادا في اللغو السياسي. لقد مرت الكثير من المياه الملوثة تحت جسورهم وما زال الكثيرون منهم يجدون في أنفسهم القدرة الماكرة على اصطياد أسماك الحقيقة.

سياسيين بالفطرة كان العرب. غير أن غرائزهم البدائية قادتهم إلى الحضيض.

كانوا في حقيقتهم مرضى بالسياسة وكان عليهم أن يلقحوا أطفالهم بالأمصال الوقائية التي تمنع إصابة أولئك الأطفال بذلك المرض.


كاتب عراقي

9