عرب السينما والدوبلاج.. ولكن اللغة العربية ليست لغة جوامع فقط

السينما نفسها أصبحت فنا مشكوكا في وجوده إلاّ من خلال المهرجانات، أي أن الأفلام العربية أصبحت مجرد ظاهرة مهرجانية، وهي أزمة أخرى متعددة الأوجه.
الأربعاء 2019/05/08
البعض يرى أن العربية ترتبط بالشؤون الدينية لا الدنيوية

  خلال عقد الثمانينات، أي قبل ظهور وانتشار الأسطوانات المدمجة (دي.في.دي) وغيرها من الابتكارات الحديثة، كنت كلما أزور باريس، أبحث بشغف عن الأفلام الفنية النادرة التي قرأت عنها كثيرا لكي أشاهدها.

وكنت أشتري، بناء على نصيحة أصدقائي هناك، مجلة أسبوعية رخيصة الثمن، متواضعة في نوع ورقها وطباعتها، كانت على ما أتذكر تصدر كل ثلاثاء، وربما ما زالت تصدر حتى يومنا هذا، وهي عبارة عن دليل تفصيلي لكل ما يعرض بدور السينما والمسارح وقاعات الفنون وغيرها.

وكنت أدقق لكي أعرف دور العرض التي تعرض ما أريد مشاهدته من أفلام فنية وكيف أصل إليها، وكنت أيضا أضع دوائر بالقلم حول نوع النسخة المعروضة من هذا الفيلم أو ذاك، لكي أعرف ما إذا كانت نسخة “أصلية” أي ناطقة باللغة الأصلية التي صنع بها الفيلم، أو نسخة فرنسية.

فالمعروف أن الغالبية العظمى مما يعرض في فرنسا من أفلام تكون عادة ناطقة بالفرنسية حتى لو كانت من الأفلام الأجنبية وعلى رأسها الأميركية بالطبع، وذلك باستخدام ما يعرف بـ”الدوبلاج” حسب المصطلح الفرنسي الذي أصبح منذ زمن بعيد شائعا في العالم.

هذه التقنية منتشرة في عموم بلدان أوروبا الغربية مثل إيطاليا وإسبانيا وألمانيا، وهناك أجيال من الممثلين والممثلات الذين يعيشون ويتعيشون من العمل في دبلجة الأفلام إلى لغات بلادهم، أي من خلال الأداء الصوتي المطابق بقدر الإمكان لحركة الشفاه وإيقاع الممثل، وهو فن يجيده الإيطاليون أكثر من غيرهم.

أما بريطانيا فهي لا تعرف نظام الدوبلاج، لأن القانون البريطاني يفرض ضرورة ترجمة جميع شرائط الأفلام الأجنبية إلى اللغة الإنكليزية وطباعة الحوار على الشريط نفسه، وهو نفس النظام المعمول به في مصر حيث صدر قانون عام 1936 يفرض ترجمة الأفلام الأجنبية إلى اللغة العربية، وكان العرف في زمن الوجود الكبير للأقليات الأجنبية في مصر قبل نزوحها، أن توجد أيضا ترجمة مطبوعة إلى الإنكليزية أو الفرنسية إلى جانب العربية.

في فرنسا، من الطبيعي أن ترى ميريل ستريب مثلا تتحدث الفرنسية بلكنة باريسية رفيعة، وتشاهد أنطوني كوين ينطق الحوار بالفرنسية، وروبرت دي نيرو في أفلامه التي أخرجها مارتن سكورسيزي، يسب ويلعن بألفاظ سوقية فرنسية، ولكن هناك دور عرض في باريس تعرض الأفلام في نسخها الأصلية (مع ترجمة إنكليزية مطبوعة) لأن باريس تزخر بالسياح الأميركيين وتعيش على الدخل الهائل الذي يأتي من السياحة.

اعتاد الفرنسيون مشاهدة الأفلام المدبلجة للفرنسية، كما اعتاد عليها أيضا إخواننا في بلدان المغرب العربي: تونس والجزائر والمغرب، بحكم العلاقة الخاصة المستمرة مع فرنسا ومع الثقافة الفرنسية منذ الاستقلال، أو على الرغم من الاستقلال، لكن هناك أيضا الكثيرين من إخواننا “العرب والأمازيغ” من سكان تلك البلدان، من يتمسكون بالفرنسية ويفضلونها على العربية.

والأمر لا يتعلق بمصالح فئة معينة فقط كما يسود الاعتقاد، أو برغبة في التظاهر السطحي بمعرفة لغة أوروبية متفوقة، بل بفكرة راسخة هي أن اللغة العربية “لغة جوامع”، أي لغة عتيقة لا تصلح للتخاطب في القضايا الفكرية والفلسفية المعقدة خاصة مع غياب قاموس عربي حقيقي عملي لمثل هذه المصطلحات الفلسفية، يجعلها سهلة وسلسة ومفهومة.

كنت أشارك ذات مرة في ندوة بمهرجان سينمائي في المغرب، وكان جميع الموجودين يتحدثون العربية، وعندما أراد مخرج تونسي معروف الحديث، أخذ يتكلم بالفرنسية، فطلبنا منه التفاعل مع الحضور بالعربية التي استخدمناها جميعا.

وكان هذا المخرج تحديدا قد أخرج جميع أفلامه باللغة العربية الفصحى، أي أنه يفترض أن يكون أكثر الجميع تمسكا بها، لكنه أخذ يعتذر بدعوى أنه لن يتمكن من التعبير عن نفسه بوضوح كافٍ وكما ينبغي، باستخدام اللغة العربية التي لم يعتد عليها، ثم ذكر أيضا أن العربية تعتبر في بلده لغة مرتبطة بالمساجد، أي بالشؤون الدينية لا الدنيوية (ناهيك عن الفلسفة والعلوم الحديثة)، لكن المدهش أنه عندما استجاب لنا أخيرا وأخذ يتحدث بالعربية جاء كلامه واضحا وسلسا ومفهوما، وهي عقدة مزمنة لا أظن أن من الممكن التغلب عليها لأجيال قادمة.

عودة إلى موضوع “الدوبلاج”.. كان البعض قد اقترح في وقت ما في الماضي، بدلا من وضع ترجمة عربية على شرائط الأفلام التي تنتج في بلدان المغرب العربي، دبلجتها إلى اللهجة المصرية حتى يمكن توزيعها في مصر أو في المشرق العربي بوجه عام، لكن السينمائيين في هذه البلدان رفضوا وما زالوا يرفضون الاستسلام لهذه الفكرة استنادا إلى أن فهم اللهجة مسألة ترتبط بالاعتياد، وأنهم كما يفهمون اللهجة المصرية، يجب أن يبذل المصريون جهدا إلى أن يعتادوا على لهجة المغاربيين ويفهموها.

وهي وجهة نظر تبدو صائبة من السطح بالطبع، غير أنها تظل فكرة يصعب كثيرا تحقيقها في الواقع، فلو فهم المصريون أو المشرقيون عموما، اللهجة العربية المغاربية لربما استعصى عليهم فهم الكلمات والتعبيرات الفرنسية أو المشتقة من الفرنسية التي تتردد كثيرا في هذه الأفلام.

والمشكلة لا تزال قائمة، لكن لا أحد يتكلم فيها الآن، فالسينما نفسها أصبحت فنا مشكوكا في وجوده إلاّ من خلال المهرجانات، أي أن الأفلام العربية أصبحت مجرد ظاهرة مهرجانية، وهي أزمة أخرى متعددة الأوجه.

15