عرب وأتراك وأدب في اللغتين

المتابع للثقافة التركيّة التي كانت لفترة قريبة ذات صلة بالثقافة العربية لا يجد أثرا للثقافة العربيّة في ترجماتها في الفترة الأخيرة مقارنة بالماضي.
الأحد 2018/02/25
الثقافتين التركية والعربية تواجهان تحديات مهمة (لوحة ساشا أبوخليل)

ما المعايير التي تحكم حركة الترجمة بين اللغات، وعلى الأخص من وإلى اللغة العربية؟ وما هي الموضوعات الأكثر رواجا التي يفضّلها مَن يترجم عن اللغة العربية؟ وهل ثمة توازن بين ما يُنقل إلى العربية مُقابل ما تنقله اللغات الآخرى منها؟!
هذه أسئلة تُطرح كلّ يوم، خاصّة في ظلّ الانكباب اللاهث على كلّ ما تطرحه المكتبات الغربية من كتب على اختلاف أنواعها، وإن كانت الغلبة للروايات والمذكّرات على حساب الكتب الفكرية. السّياق الثقافي يقول إنّ ثمّة عوامل جديدة صارت تتحكّم في الترجمة بعضها مُتعلّق بطبيعة القارئ الذي تغيّرت ذائقته القرائية؟ وهو ما تكشف عنه متاجر سوق الكتب، وأيضا المراجعات التي تقدّم بيانات حقيقية عن النشر وأرقام التوزيع وهي مع الأسف مُفتقدة في واقعنا العربيّ؟ فلا المؤسّسات الحكومية وهي الأكثر قدرة وجاهزية على القيام بهذا الجهد أو حتى الجهود الفردية قادرة على عملية الترويج للكتاب العربي!
المتابع للثقافة التركيّة التي كانت لفترة قريبة ذات صلة بالثقافة العربية، بحكم المشتركات المُتعدّدة، لا يجد أثرا للثقافة العربيّة في ترجماتها في الفترة الأخيرة مقارنة بالماضي! فالأتراك الذين كان أحد أهم مصادر ثقافتهم يعتمد على ما تنتجه الثقافة العربية من كتابات، حيث الأسماء العربية الملهمة كانت حاضرة بثقل في التكوين الثقافي التركي، بفعل حركة الترجمة من العربية إلى التركية، وبحكم حالة الاستقطاب التي كانت تفعلها العواصم العربية المؤثرة كالقاهرة ودمشق لطلاب العلم الذين يدرسون في جامعاتها.
 كان طه حسين حاضرا، وبالمثل يحيى حقي، ومحمد عابد الجابري، ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، والطيب صالح، ونزار قباني ومحمود درويش والماغوط وإدوارد سعيد وعبدالرحمن منيف.. كما أن الحضور العربي جاء متنوّعا فلم يكن مقتصرا على الترجمة فقط بل تجاوزها إلى أُطروحات علمية. فكانت هذه الشخصيات أشبه بحملة مشاعل التنوير والثقافة باعتراف الكثيرين من الأتراك الذين تأثروا بهذه الكتابات، وهذا تأكيد على دور الثقافة كقوى ناعمة من قبل، وهو الدور الغائب الآن.
 فيكفي إلقاء نظرة دقيقة على المكتبة التركية في الحقبة الأخيرة فلن تجد أسماء جديدة انضمت إلى الأسماء القديمة إلا قليلا جدّا فالأسماء القديمة هي الحاضرة والمهيمنة على سوق ترجمة الكتاب العربي وكذلك في داخل حلقات البحث العلمي. قديما كان اسم الكاتب وحده كفيلا بالشروع في الترجمة. صارت عوامل جديدة تتحكُّم في نشر الكتاب العربي إلى التركية، منها موضوع الكتاب وليس الكاتب نفسه! وفي بعضها الأمر كله مرهون للعلاقات الشخصية لا الحضور الإبداعي والأمثلة حاضرة، وسنعود إليها في فرصة أخرى!
الإشكالية الأهم أن الأسماء العربية غائبة تماما -أيضا- على أسماع الكُتّاب الأتراك. وعلى العكس تماما في الأوساط الثقافية العربية فأسماء الكُتّاب الأتراك لا تغفلها عين، حتى ولو كان المشهد مُسيطرا عليه من قبل أورهان باموق وأليف شفق، ومن قبل ناظم حكمت ويشار كمال. إلا أنّ أسماء كثيرة خرجت وشقت طريقها إلى الترجمة العربية كرشاد نوري غونتكن صاحب رواية “الأوراق المتساقطة” وأحمد حمدي طانبار، صاحب رواية “طمأنينة” وقد ترجمها عبدالقادر عبداللالي، وهاندة آلتايلي صاحبة رواية “الشيطان امرأة”، وموغه إيبلكجي صاحبة رواية “جمرة” التي ترجمها بكر صدقي. وبالمثل الأديب أحمد أوميت المهتم بالكتابة التاريخية، وغيرهم من الأسماء التي شقّت طريقها إلى العربية، في المقابل لا توجد كتابة عربية حديثة نقلت إلى التركية إلا في أضيق الحدود.
الغريب في هذه العلاقة بين الثقافتين التركية والعربية وهما تواجهان الآن تحديات مهمة خاصة بعد حالات اللجوء العربي المطرد إلى تركيا، وهو ما قد يكشف مستقبلا عن كتابات تضع ذوبان الهوية موضع المساءلة.
أخيرا لا بد من الملاحظة أن الترجمة أكانت عن التركية أم عن العربية تأتي بلغة وسيط هي الإنكليزية إلّا في حالات نادرة. على الرغم من حالات الانفتاح التركي على اللغة العربية في مجالات التدريس في المدارس والجامعات. وهو ما يدفع إلى التساؤل: أين هم العرب الذين صاروا رقما مهمّا في داخل النسيج التركي، من هذه المهمّة؟

10