عرب وشرقيون في لحظة وجودية فارقة

الأحد 2014/01/05
الماضي مضى والحاضر جرس المستقبل

تميل ثقافتنا العربية الحديثة إلى إيثار ما تعرفه عن ذاتها على ما يمكن أن تطرحه من أسئلة، وإلى اعتماد خطاب شمولي لا يلحظ الفروق الواقعة في الظواهر، ولا يميّز بين الاختلافات الجوهرية الكامنة في الأفكار والقضايا وصولاً إلى الأعراق والجماعات والدول وما تتأسس عليه من تنوّع واختلاف وتناقض وتناحر. وتبدو هذه المشكلة حادة ومركّبة ولها أعراض كارثية عندما يتعلق الأمر بالآخر قريبا وبعيداً، ونظرتنا إليه، ومسلكنا المعرفي إزاءه. فالغرب واحد، لكن الشرق ليس واحداً. وهذا تناقض سلبي غريب من نوعه، ونتائجه أغرب!

وإذا كان الماضي شَهَدَ طرحَ العديد من الأسئلة الشائكة المتعلقة بالتطور وقضاياه وبالأمة ومستقبلها، وبالثقافة وظواهرها البارزة، وذلك على خلفيات متعددة من الأفكار والأيديولوجيات التي عملت وسادت، فإن المنطق الذي حكم التفكير العربي وطروحاته النظرية حول الآخر، لم يكن ثرياً في تنوعه ولا دقيقاً في ملاحظة الفروق في الأشياء، عندما كان الأمر يتعلق بتقديم تشخيص لصورة الآخر، وتحليل لهذه الصورة؛ على هذا المَيْل يمكن القول إن الآخر، حتى أواسط القرن التاسع عشر، كان بالنسبة إلى العرب والمسلمين هو الغربي، ولقد كف الغربُ عن أن يكون منفرداً بهذا الموقع منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى عندما قرر العرب أن يرجّحوا صورتهم القومية على أي صورة أخرى كانت لهم في فترات الزهو الحضاري التي عاشوها. هنا، عند هذا المفصل، تحول التركي إلى آخر، وقد كان من قبل شقيقاً، وكذلك الإيراني، وقد كان كلّ من هذين العنصرين التركي والفارسي قد جرى استدخالهما إلى جانب الأفغاني والهندي والحبشي وغيرهما، في الذات الحضارية للعرب المسلمين على مدار قرون طويلة من الرواج الذي عرفته الحضارة العربية – الإسلامية. القرن العشرون شهد ذروة هيام العرب بالغرب وذروة تخبطهم وانسحاقهم أمامه، وقد حدث هذا على كل مستوى؛ في الثقافة والسياسة، وفي الأيديولوجيا والعلم، وفي الصناعة والتجارة، أي في كل ما أسس لما يسمى بالمدنية الحديثة.

الشرق المسحور


شُغِفَ العرب بالغرب وغرائبه الحديثة، وقاتلوه كلما نبض فيهم عصب الماضي واعتدادهم بذاتهم الحضارية الجريحة، اعتمدوا صياغاته البارعة، ونَفَروا من الفحوى الذي حملته هذه الصياغات أو ضمرته في نسيجها الحيّ، فكان تارة في صورة الأخلاق الغريبة عليهم، وأخرى في صورة الخصم الأيديولوجي، وفي كل الحالات الفاتح الحديث سارق الثروة. اعترفوا بهزيمتهم الشاملة أمامه، وظل الأمل يحدوهم بتجاوز هذه الهزيمة، فكان عكوفهم على الأماني وانقضاء الوقت دون تحققها سبباً مضاعفاً في المرارة التي نشَّطت فيهم - وهم المسحورون بالغرب - عصب الغضب منه، فجبنت النظم أمام قوته، وانتحر الأفراد عند جبروته، مقابل تأجج مشاعر الحقد على العنصر التركي الذي رميت على مشجبه كلّ أسباب الهزيمة الحضارية للعرب وانسحاقهم أمام عجلة التقدم الغربي. ولعل الريبة العدائية التي نشَّطها في نفوس العرب تنافس الخطابين القومي العربي ضد الأتراك الطورانيين، والطوراني التركي ضد العرب، وهي نفسها الريبة التي حكمت التفكر المتبادل بين العرب في دولهم المتعددة والإيرانيين الجدد في قلعة مشروعهم الثيوقراطي الشمولي، كانت سببا رئيسياً في بناء رصيد الجميع من الجهل المتبادل بالثقافات العربية والتركية والفارسية الحديثة، والتعامي عن منجزاتهما الحاضرة في جغرافياتها والمتطلعة نحو العالم.

وهكذا لم يعد في وسعنا نحن المثقفين العرب، مثلا، أن نسمع بشاعر تركي إلا إذا كان الأتراك قد أنزلوه السجن (ناظم حكمت) ولا بروائي مبدع إلا إذا كان كردياً مضطهداً (يشار كمال)، أو سينمائياً هارباً من بلاده ومقيماً في فرنسا ( يلماز غوناي)، أو بسينمائي إيراني هارب من بلاده، أو شاعر منشق ومقيم في الغرب. باختصار كان على المبدع في هذه الثقافات أن يكون منشقاً عن مجتمعه - مجتمع الآخر المستجد بفعل الرعب الشرقي المتبادل من الآخر القريب- حتى يمكنه أن يدخل في مكوننا الثقافي، وفي حيّز الإعجاب به.

وريقات قليلة


وهكذا عرفنا صادق هدايت، الفارّ من إيران والمنتحر في فرنسا سنة 1951 بصفته الروائي الأوحد، فكانت "البومة العمياء" هي الرواية الإيرانية الوحيدة المعروفة لدى العرب طوال النصف الثاني من القرن العشرين، فأي فقر ثقافي شرقي مدقع عرفه العرب، مثلا، الذين ترجموا خلال قرن واحد آلاف الروايات الغربية، ولم يتمكنوا من ترجمة أكثر من رواية إيرانية أو اثنتين، وترجموا أعمال مئات الشعراء الغربيين (بينها الأعمال الكاملة لعدد من الشعراء من أمثال إليوت، وبودلير، ورامبو، ولوتريامون، وشيكسبير، ودانتي أليجيري، وميلتون، ووالت ويتمان، وفدريكو غارثيا لوركا، وبوشكين، وغيرهم، ويفتشون اليوم بالمايكرسكوب عن صغار الشعراء الغربيين ليترجموا أعمالهم)، ولم يترجموا سوى وريقات قليلة للشاعرة فروخ زاد، أو أحمد شاملو، أو سهراب سبهري، وحتى شاعر إيران الحداثي نيما يوشيج، أو الشاعر التركي جمال ثريا أحد مؤسسي تيار التجديد الشعري، أو الشاعرة لالي مولدور والشاعر اوزكان مارت وهما من أهم شعراء الجيل الجديد المجدد في الشعر التركي.

شرق وشرق


وإذا كانت المحاولات الشحيحة للترجمة عن الفارسية والتركية قد تمت بفعل مغامرات شخصية، فإن ماكنة الترجمة عن لغات الغرب ارتبطت باستمرار بمؤسسات كبرى وبمراكز ثقافية غربية، غلبت عليها الفرنسية والإنكليزية فالألمانية ونهضت لها مشاريع لا تحصى، لم تكن كلها حسنة النية أو سليمة الدوافع.

ولنتذكر في هذا السياق فضائح استقطاب المبدعين والمفكرين العرب إلى مشروع مؤسسة فرنكلين الأميركية في الخمسينات والستينات، وأعمال شراء ذمم المثقفين العرب عبر هذه المؤسسة أو تلك من المؤسسات الثقافية الغربية، كـ"منظمة حرية الثقافة" التي موّلت في الستينات مشروع مجلة (حوار) وهي المجلة التي جلبت على الشاعر توفيق صايغ نهايته المأسوية، وحطمت سمعة واحد من ألمع شعرائنا الحديثين، وكان لهذه المنظمة، في الوقت نفسه، عطفها على مجلة (شعر) وعلى جملة المشروع التحديثي في الثقافة الذي رعاه الشاعر يوسف الخال، وأمدّ في عمره من بعده أدونيس في مجلته (مواقف).

على العرب أن يتفكروا بالثراء الكبير الذي تنهض عليه مجتمعاتهم القائمة على التنوع الديني والقومي والثقافي، وأن يجددوا في الرابطة التي جعلت منهم أمة ومدارا سبحت فيهما عبر عصور كواكب الفكر والادب والتصوف والعلم والمدنية.

ليس ما أحاوله هنا التماهي مع (أو حتى الاقتراب من) الخطاب التكفيري الذي أسس له المتزمتون الإيديولوجيون العرب، وإنما الدعوة إلى نقد حركة الحداثة العربية من الداخل، ولفت نظر المبدعين والمثقفين العرب المؤمنين بفكرة التحديث إلى ضرورة تفكيك خطابات الحداثة العربية وفحص ما خالطها من أوهام وما سادها من ركَّة باسم الجديد، وتهلهل باسم الحرية، واستعلائية باسم الإرتقاء، وانقطاع عن الناس باسم المستوى الرفيع، وعزلة عن المجتمع باسم إيثار الهامش. إن ما ظل مسكوتاً عنه ومهملاً طرحه في ثقافتنا هو الأسئلة الأكثر صعوبة، أعني الأسئلة الأكثر جوهرية، ومن بينها السؤال المتعلق بثقافات الجوار.

غلّب العرب النزاع السياسي على التفاعل الثقافي مع الجوار، أي انتصروا للآني العابر فيهم على السؤال الحضاري، وللسياسي على الثقافي.

فالموقف من الأتراك مثلاً وضعهم غداة سقوط الإمبراطورية العثمانية مطلع القرن العشرين في سلة واحدة، والترك لم يكونوا كذلك إلا لأن الغرب شاء لهم ولنا ذلك.

إن ما سيظل مؤسفاً على الدوام أن النخب العربية المثقفة لم تفصح عن النضج الكافي لفحص أساس نظرتها إلى الشرقي الشقيق وقد صار آخر.وما ينطبق على موقف ثقافتنا العربية من المثال التركي ينطبق على مجمل الثقافات الشرقية المحيطة بنا، والتي تهتكت بيننا وبينها شتى الخيوط، وساد العلاقات بها التباس السياسي بالثقافي، والآني بالمستقبلي.

واليوم نشهد طورا جديدا من أطوار الالتباس في العلاقات الثقافية بين العرب وجوارهم، بفعل النزاعات السياسية والأيديولوجية التي تنشط على خارطة المشرق العربي، الذي يشهد مخاضا دامياً، تنسحب الثقافة والفنون إلى هوامشه، وتتقدم الأسلحة الفتاكة من أيديولوجيات متوترة ونزعات دينية وأعمال عسكرية وألاعيب سياسية، لا يبدو أن اشتباكها كلها سينتج شيئا آخر غير الموات، في ظل استئساد على العرب كشفت عنه قوى النكوص الحضاري المتحكمة بإيران خصوصاً.

وقد بات واضحا أن شعوب المنطقة تتمزق الآن هي وثقافاتها في حمأة صراع دام بين قوى ظلامية عابرة للجغرافيات، من صفاتها أنها حارسة للاستبداد، بلغة قاطعي الطرق، وقوى أخرى تحمل تطلعات مدنية، وتحاول إعادة تعريف هوياتها الثقافية والحضارية، وتأكيد خصوصياتها عبر طموح إلى استبدال تركة الاستبداد بعقد اجتماعي جديد يضمن لها دولة مدنية تضمن حريات الأفراد والجماعات، وتمكنها من استئناف محاولاتها التي بدأتها في فجر القرن العشرين لدخول العصر الحديث إسوة بالشعوب والأمم الأخرى في العالم، شرقا وغربا.

لقد تحول مصطلح الممانعة، وهو مصطلح ثقافي سياسي عرفته المنطقة في فترات سابقة عنوانا للمتاجرة بالقضية الفلسطينية، إلى مصطلح مهلهل يشتغل لصالح تأبيد الاستبداد والتطرف، يتشدق به المتشدقون من مثقفي جماعات القتل في سياق ألعاب ومناورات مكشوفة لصالح طاغية هنا، وغاز هناك، والهدف دائما، صرف الأنظار عن فظاعات المستبدين ضد شعوبهم.

لكن الورقة الفلسطينية لم تعد تستر حتى أصحابها الأصليين ممن فشلوا فشلا ذريعا في تحقيق ولو خطوة واحدة إلى الأمام لصالح الضحية الفلسطينية، فكيف بالمتاجرين بها وقد افتضحت أفعالهم في ضوء انتفاضات الشارع، فما عادوا يملكون سوى أنيابهم البارزة عن تكشيرات لا غير.

خطابات المستقبل


والعبرة، في نهاية المطاف، أن لا يبدد الشباب الثائر على الماضي ممثلا في المشروعات الشمولية للعهود القديمة البالية والمؤبِّدة نفسها في حياتهم، طاقتهم في مقاتلة المشروع الاستبدادي وتهديمه وحسب، وإنما في تأسيس خطابات المستقبل عبر مشروعات جديدة لمثقفين مدينيين جدد يستأنفون مشروعا تنويريا نقديا عربيا يعمل على تفكيك ثقافة المراوغة والكذب والدجل، وثقافة الشطط والأوهام والخيالات الكابوسية، وثقافة الفكرة الشمولية المدمرة التي انهكت المجتمعات العربية والشرقية وسلبتها تنوعها وحرمتها من إظهار فرادتها، لصالح ثقافة جديدة تتصالح مع عصرها، وتؤمن بالتنوع، لا تنغلق على حضارة الإنسان أينما كان، ولا يكون الانحناء أمام كل ما يأتي من الغرب ديدنها، ولا يتقلص العالم، بالتالي، في نظرها، ولكنه يمتد ليتجاوز جغرافيات الغرب الثقافي، نحو ما هو أبعد في ثقافات الأمم البعيدة والقريبة، ولابد، مع مثل هذا التطلع، أن يشغل الشرق، على تنوعه وشساعته، حيزا حقيقيا في اهتمامات العرب الطامحين إلى التغيير، لتلحظ نخبهم أبرز ظواهره وأنضرها وأكثرها انتماء إلى العصر، من إبداعات أدبية وفنية مبتكرة وظواهر وتيارات فكرية خلاقة.

ثقافة الحرية


إن البرهة الكونية الراهنة، على تعاسة بعض ملامحها، إنما تزخر بالجديد الحادث، والإنساني المفعم بالجمال، ولا ينبغي للخلل والظلم والإجحاف الحضاري الذي تتعرض له تيارات التغيير في عالمنا العربي أن يكون مدعاة للنكوص الثقافي، والكآبة الفكرية، فلا ينفع الأمم في شيء العودة إلى خيالات الماضي والأفكار المعتمة التي ينظر أهلها إلى المستقبل بعيون عمياء، ويمضون بأبنائهم إلى مهاوي الردى وقد سلبت عقولهم استيهاماتٌ مرضية تريد أن تتخيل إمكان استعادة الماضي.

الماضي مضى، أما الحاضر فهو مختبر المستقبل.

اليوم، أكثر من أي يوم مضى، على العرب أن يتفكروا بالثراء الكبير الذي تنهض عليه مجتمعاتهم القائمة على التنوع الديني والقومي والثقافي، وأن يجددوا في الرابطة التي جعلت منهم أمة ومدارا سبحت فيهما عبر عصور كواكب الفكر والأدب والتصوف والعلم والمدنية.

فلا خلاص، ولا قوة، ولا مدنية، إلا بثقافة الجدل بدلا من الإذعان، والأسئلة المتعددة بدلاً من السؤال الواحد، والنظرات المختلفة بدلاً من النظرة الواحدة، وبالتطلعات الحرة بدلا من ثقافة العبودية، مصحوبة بالانفتاح على الجوار الشرقي القريب، أولا، بدلا من الهروب منه.

ولكن من موقع المؤمن بأن للعرب دورا فاعلا في التاريخ، لا دور المنفعل به، وانطلاقا من وعي مواضع القوة الكامنة في الأجيال الجديدة، والإيمان بالذات وقد حسمت موقفها من فكرة الحرية، والحق، والكرامة الإنسانية.

ها هنا ملح على الجرح المفتوح، وجرس في لحظة وجودية فارقة تستوجب من النخب المثقفة لاسيما العراقية والسورية واللبنانية ومعها النخب الفلسطينية إعادة قراءة الصراع في المنطقة، وإعادة تعريف العنصر الإيراني في هذا الصراع بوصفه نموذج احتلال لا شبهة فيه، يهدف إلى تقاسم موضوعي للنفوذ في المنطقة مع النموذج الإسرائيلي للاحتلال، وبالتالي فرض واقع استعماري جديد في المشرق العربي يتحول معه العرب إلى شعوب مسلوبة الإرادة خاضعة للأجنبي، وممزقة في هويتها وثقافتها وتطلعاتها.

11