عرسال: الأسئلة العاجلة

الجمعة 2014/08/08

نكبة ما تعيشه مدينة عرسال اللبنانية هذه الأيام. نكبةُ الجغرافيا التي جعلت منها حاضنةً طبيعية للعلّة القادمة من الحدود السورية. نكبةُ الديموغرافيا التي تجعلُ من هويتها نافرةً وسط بيئة تراكمَ عداؤها عاماً بعد آخر. نكبةُ هوية متّصلة بانتمائها السياسي إلى الدولة اللبنانية وحكومة بيروت من جهة، ومرتبطة بالصلات اليومية العتيقة التي تشدُّ الناس نحو الجهات الشرقية الممتدة في اتجاه الداخل السوري من جهة ثانية.

للمدينة تاريخٌ من التناقض مع نظام الحكم في دمشق. ولئن ارتبطت عرسال بنشاط التجارة والتهريب مع سوريا، بيْد أن الوعي العام لأهل المدينة لم يأنس يوماً للهيمنة السورية على بلدهم، وعلى منطقتهم، وأن التعايش مع الأمر الواقع تصاحبَ دائماً مع توتر وعدم ثقة سادا علاقة المدينة بحكام سوريا وتوابعهم في المنطقة.

حين بدأ حراك المعارضة في سوريا، كان لابد لما كان مكبوتا أن يخرجَ إلى العلن. وإذا ما حظيت المعارضةُ السورية بدعمٍ وتأييد من قبل قطاعات واسعة من المجتمع اللبناني، فإن دعمَ عرسال لتلك المعارضة لم يتوقف، بحكم ضريبة الجغرافيا، على ما هو نظري شعاراتي. قذفت الأزمة السورية مأساتها إلى داخل المدينة، ودخلت الكارثة إلى بيوت “العرساليين” واستوطنت أزقّتهم، ففاق عدد اللاجئين السوريين أضعاف عدد سكان المدينة (بما يمثّله ذلك من ضغط على الموارد والبنى التحتية والمعيشية).

تمثّل عرسال قمة الصدام المكبوت بين اللبنانيين أنفسهم. المدينة سنيّة تناصرُ المعارضة السورية، وسط بيئة شيعية موالية لحزب الله المقاتل إلى جانب نظام دمشق. والمدينةُ، بحكم رعايتها لتلك المعارضة، تتعامل مع مسلحيها وتتفهم تسرّبهم نحوها، فيما يراقب أهلها بعين ناقمة حراك حزب الله العسكري العلني حولهم، دون اعتراض عملاني من قبل الدولة اللبنانية وأجهزتها. وفي لبس ذلك يوميا، نمت مظلومية ناصرتها مواقع السنّة في البلد. وفي لبس ذلك، حصل الصدام تلو الصدام مع الجيش اللبناني.

المدينة مظلومةٌ في عرف أهلها، لم تفهم بيروت خصوصيتها (وربما اكتشفتها حديثا) فتركتها ميدانا مرتجلا تعالج أحداثه من خلال تدوير الزوايا، وتبويس اللحى، وتدبير الوسائل المتعجلة لتمرير الأزمات. والمدينة، وكما كان متوقعا، لا تحظى بإمكانات ردّ الوباء المنتشر، ولا تمتلك ترف النأي بالنفس عما تدعيه وتدعو إليه حكومة بيروت. في ذلك أنها سقطت هذه الأيام في يد الجماعات السورية المسلحة على تعدد مسمياتهم وصولاً إلى “داعشية” بعضها. وفي ذلك أنها أضحت جزءا داخليا للمأساة السورية الدموية، وامتدادا منطقيا لمعارك القلمون الحدودية.

أسئلةٌ كثيرة تحوم حول الحدث الحالي وتوقيته. راجت عشية المعارك أنباءٌ عن معارك تجري في جرود المدينة ضد مسلحين سوريين، لكن بعض تلك الأنباء أفاد بمشاركة الجيش اللبناني إلى جانب حزب الله والجيش السوري النظامي في تلك المعارك. ولئن أوحى حزب الله ودمشق بحسمهما لمعركة القلمون ابتداء من تلك الشهيرة في يبرود، فإن التطورات الحديثة تثبتُ أن منطقة القلمون ما زالت عصيةً، وأن سيطرة المسلحين السوريين على عرسال اللبنانية هي نتيجة مباشرة لتدخل حزب الله المباشر ضد المناطق السورية. بمعنى آخر يجمعُ اللبنانيون على أن العنف بطبعته العرسالية أو تلك الإرهابية التي شهدتها سابقاً مناطق لبنانية أخرى هو ردّ فعل على موقف حزب الله وسلوكه وتورطه المباشر داخل البركان السوري (إلا ما خرج به وليد جنبلاط مؤخراً من نفي للربط بين فعل الحزب وردّ فعل المسلحين).

في الأسئلة أيضا ما يدورُ حول الحكمة من توقيف عماد أحمد جمعة القيادي في جبهة النصرة (وقيل إن النصرة تعتبره داعشيا)، وهو “غير مطلوب” للقضاء اللبناني، ومدى العجالة في ذلك، على الرغم من أن أمرا كهذا، وفي سياق المعارك في المنطقة، كان يشي بردّ فعل يأخذُ عرسال إلى مصيرها الحالي.

يتصل سؤال كهذا أيضا بالحساسية المعروفة بين الجيش اللبناني والسنّة في لبنان. فلطالما اشتكى السنّة من سلوك الجيش اللبناني تجاههم، مقابل تواطؤ مزعوم مع حزب الله. وهم حاليا، وحتى على لسان قيادات في تيار المستقبل، يصرخون غضبا ضد ما يعتبرونه افتراء، من خلال الحدث العرسالي، ضد ممارسات تستهدف السنّة دون غيرهم في البلد، على الرغم من سعي “المستقبل” إلى رعاية العلاقة وصيانتها مع الجيش، سواء بموقف التيار وزعيمه حاليا، أو بالحفل الذي أقامته النائب بهية الحريري لقائده العماد جان قهوجي في صيف العام الماضي (بعد أيام من انتهاء معركة عبرا والقضاء على حركة الشيخ أحمد الأسير).

في الأسئلة أيضا مدى ارتباط المعركة العرسالية بواقع الفراغ الرئاسي المقلق منذ نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان. الحدثُ يدفع المراقبين إلى الربط ما بين المعركة الطارئة وتوقيتها وطموحات قائد الجيش إلى تبوء هذا الموقع.

تأتي الشبهة قبل ذلك من مواكبة الجيش وغضّه الطرف عن الحركة العسكرية لحزب الله في اتجاه سوريا عبر الحدود، كما من بروز نشاط قائد الجيش الإعلامي على هامش الحدث العرسالي، بحيث قد يفضي الإجماع اللبناني الرسمي الحالي (المعلن حتى الآن على الأقل) المؤيد للجيش اللبناني إلى إجماعٍ محتملٍ حول شخص قهوجي رئيسا (كان لافتا اللقاء الذي جمعه بالنائب وليد جنبلاط الذي سبق ووضع “فيتو” عليه، وكان من أشد الرافضين لوصول العسكر إلى بعبدا).

في الأسئلة المشروعة أيضا وقوع المعركة وضجيجها في وقت تنشدُّ فيه الأنظار إلى المجازر التي ترتكب في غزة، ومدى علاقة التوقيت الملتبس بمواقيت إقليمية كبرى قد تغيب تضاريسها وتتوارى تفاصيلها عن الأعين، ومدى ارتباط المعركة بالحدث الداعشي في العراق وتداعياته وتطوراته المنتظرة في الأيام المقبلة.

وربما أخيرا نتساءل جميعنا عن النهايات البعيدة التي يُراد الوصول إليها بشأن مدينة عرسال نفسها. فحزب الله، الذي لطالما اعتبرت أوساطه وجمهوره أن المدينة متمردة وتأوي إرهابا، لا يستطيع اجتياح المدينة المشاكسة دون أن يُعتبر ذلك غزواً شيعيا للمدينة السنّية. فهل يعمل الحدث الحالي على الإيقاع بالجيش اللبناني لتكرار تجربة نهر البارد؟

سنيّة المدينة تجعلها نافرة، تمثّل استثناء معرقلا تجب إزالته على طريق رسم الخرائط وترتيب حدود كيانات جديدة قيد الإعداد، سواء في الجراحات السورية – الإيرانية، أو تلك التي قد تؤسس مستقبلا لتفاهمات تدفن حدود سايكس- بيكو.

ينبغي ملاحظة أنه بين ليلة وضحاها أصبح الجيش اللبناني سندا رسميا، من حيث لا يريد، للنظام السوري. يدك الجيش اللبناني مواقع الإرهابيين (حسب تسميات دمشق وحزب الله والآن بيروت) براً، فيما يقوم الطيران السوري بدكّها جوا. بين ليلة وضحاها أصبح تدخل حزب الله في سوريا ضد الإرهابيين مشروعا، طالما أن الجيش اللبناني يشاركه الهدف والقضية. وعليه ووفق ما كتب الصديق الدكتور حارث سليمان: “خسر الجيش وخسر العراسلة. وما يسميهم حزب الله إرهابيين سيرجعون إلى الجرود، وحزب ولاية الفقيه يربح ويخطّط”.

إذا لم تُحل مسألة عرسال سلميا، فمعركتها ستطول عسكريا (معركة نهر البارد استغرقت خمسة أشهر). المدينة كبيرة المساحة معقدة التضاريس فلن يمر أمرها كما مر أمر القضاء على ظاهرة الشيخ الأسير في صيدا قبل عام، ولا شك أن ثمن الحسم سيكون باهظا. وإذا ما كانت الطبقة السياسية برمتها تقف مع الجيش اللبناني، يتساءل البعض عن فلكلورية ذلك، فيما سلاح حزب الله يصول ويجول ويُذكّر أن قرار السلم والحرب بيده.


صحفي وكاتب سياسي لبناني

8