عرس الكرة

رغم هذا الإقبال الجماهيري العارم، لا يزال ثمة من يستنكف من الكرة ولاعبيها، ويسخر من شغف الناس بها، وقد ينعت معتنقيها بالسذاجة، أو يشبّه من يكره بأنه "لاعب كرة دنيء".
الخميس 2018/06/14
الساحرة المستديرة في ضيافة الدب الروسي

بداية من اليوم حتى منتصف الشهر القادم، تنشدّ الأنظار إلى الملاعب الروسية، حيث يقام أهم حدث رياضي في العالم. هذا الحدث الذي يقام بانتظام كل أربع سنوات منذ عام 1930، باستثناء دورتي 1942 و1946 اللتين منعت الحرب العالمية الثانية انتظامهما، تستعد له البلدان المشاركة كما تستعد لحرب، من رصد ميزانيات، وتهيئة معسكرات للتدريب، ووضع مخططات واستراتيجيات لقهر الخصوم، فيما الشعوب تشحذ الهمم وتشدّ الأزر وتقوي العزائم من خلال أغانٍ حماسية وشعارات ولافتات تذكّر بالأمجاد وتحثّ على النصر. إنها كأس العالم في كرة القدم، التي تستقطب أنظار الهواة في كل بقعة من بقاع الأرض قاطبة – رغم أنها ظلت حتى يومنا هذا حكرا على دول غرب أوروبا وبلدان أميركا الجنوبية- وتحتل صدارة الأخبار، وتقتحم البيوت بغير استئذان، وتؤثث الأسمار، وتدفع الناس أحيانا إلى ما يشبه الجنون في سلوكهم.

ذلك أن كرة القدم صارت منذ ثلاثينات القرن الماضي اللعبة الأكثر شعبية في العالم، ولكنها صارت أيضا رهانا وطنيا وسياسيا وأيديولوجيا، فقد رأت فيها الأنظمة وسيلة لتحويل الأنظار عن بطشها وإقناع الشعوب بأن في انتصار فريقهم حجة لها، مثلما وجدت فيها أحيانا فرصة لهزم عدوّ لا تستطيع هزمه بقوة السلاح. بدأ ذلك مع موسوليني حين أرغم الفيفا على تنظيم الدورة الثانية في روما عام 1934، ليعزز عقب الانتصار مكانته، ويقنع الإيطاليين بصواب الخط السياسي الذي اختاره.

وتواصل في الأرجنتين عام 1986 حينما رأت الطغمة العسكرية الحاكمة في انتصار مارادونا وفرقائه ثأرا للهزيمة التي ألحقتها إنكلترا ببلادهم في حرب جزر أوكلاند. بيد أن بلدانا أخرى استغلتها لرص صفوفها واستعادة ثقتها في نفسها، مثل ألمانيا حينما فاجأت الجميع عام 1954 وهي التي نهضت لتوّها من دمار ساحق ألحقه بها الحلفاء. أو فرنسا عقب فوزها عام 1998، بفضل تضافر جهود البيض والسود والعرب، أمّلت من ورائه قضاء تامًّا على الحيف الاجتماعي وتجسيد مساواة حقّ في شتى مجالات الحياة.

ورغم هذا الإقبال الجماهيري العارم، لا يزال ثمة من يستنكف من الكرة ولاعبيها، ويسخر من شغف الناس بها، وقد ينعت معتنقيها بالسذاجة، أو يشبّه من يكره بأنه “لاعب كرة دنيء” كما قال شكسبير في مسرحية “الملك لير”. ولكنه حين يخلو إلى نفسه، لا يمكن أن يمتنع عن مشاهدة إبداعات عمالقة الكرة، الذين جعلوا من هذه اللعبة فنا لا يقل قيمة عن سائر الفنون الأخرى، وملاحم تذكّر بملاحم الإغريق.

15