عرضان تونسيان يفوزان بجائزتين في مهرجان الأردن المسرحي

"الرهوط" و"فريدم هاوس" مساءلة مسرحية لمفهومي الوطن والمواطنة.
السبت 2018/11/17
الحرية الافتراضية جعلت "الرهوط" فرادى رغم تجمعهم

اختتمت مؤخرا في المركز الثقافي الملكي بالعاصمة الأردنية عمّان، فعاليات الدورة 25 لمهرجان الأردن المسرحي الذي نظمته مديرية الفنون والمسرح بوزارة الثقافة، بفوز البلد المنظم الأردن بالجائزة الفضية للمهرجان في حين ذهبت الجائزة الذهبية والبرونزية لعرضين من تونس.

عمّان – منحت لجنة تحكيم الدورة 25 لمهرجان الأردن المسرحي، التي يرأسها المخرج الأردني خالد الطريفي، الجائزة الذهبية لأفضل عمل متكامل للعرض التونسي “الرهوط” أو “تمارين في المواطنة”، تأليف وإخراج عماد المي، والجائزة الفضية للعرض الأردني “من يخاف أن يعيش وهما”، إخراج علاء بشناف، والجائزة البرونزية للعرض التونسي “فريدم هاوس”، نص وإخراج الشاذلي العرفاوي.

واستعرض الطريفي آليات عمل لجنة التحكيم، والمعايير التي وضعتها منذ بداية العروض، حيث اتفقت على عدم حجب الجوائز، أو المناصفة، أو منح جوائز خاصة، وعدم تضمين البيان الختامي أي تنويهات.

وشاركت في المهرجان سبعة عروض مسرحية، إلى جانب العروض الثلاثة الفائزة، هي: من الأردن “معاناة السيد موكنبوت”، تأليف بيتر فايس وإخراج سماح القسوس، “على حافة الأرض”، تأليف وإخراج بلال زيتون، “جنونستان”، نص وإخراج حكيم حرب، و”فاندو وليز”، نص فرناندو أرابال وإخراج رشيد ملحس، ومن العراق “الكراسي” تأليف يوجين يونسكو، وإخراج نجاة نجم، ومن الكويت “غفار الزلة”، تأليف محمد المهندس وإخراج عبدالله العابر، ومن سلطنة عُمان “العاصفة”، تأليف وإخراج عماد الشنفري.

عماد المي يعمد في "الرهوط" إلى تشريح أفكار تحظى بهالة من القداسة والفهم الواحد
عماد المي يعمد في "الرهوط" إلى تشريح أفكار تحظى بهالة من القداسة والفهم الواحد

مجتمع الرهطيين

يدور عرض “الرهوط”، الذي أدّاه وليد بن عبدالسلام، عبدالقادر بن سعيد، منى التلمودي، آمنة الكوكي، علي بن سعيد وغسان الغضاب، حول ستة أشخاص لا أسماء لهم، يتطبعون ويتصفون بصفاتهم وأفعالهم، هم مواطنون عابرون بإمكانهم أن يوجدوا في أي مكان. هؤلاء الرهوط جمعتهم خشبة المسرح ليدلوا بمواقفهم الذاتية تجاه واقعهم ومجتمعهم، والحقوق والحريات والمواطنة والوطن، حتى بالصمت الذي كان أيضا يترجم موقفا ما من قضية ما في تفاعل تام مع زمانهم ومكانهم، وبميثاق مجتمع خاص بهم هو مجتمع الرهطيين.

وتتسارع أحداث العرض وتتطور، ويبقى مجتمع الرهطيين خاضعا لحكم الرهوط، ويعمد المخرج عماد المي إلى تشريح أفكار خلناها تحظى بهالة من القداسة والفهم الواحد والمعنى الواحد، مثل فكرة الحقوق وفكرة الوطن والبيانات والمواثيق الرسمية التي اعتقدنا لسنوات طويلة أنها غير قابلة للشرح والتفسير والتأويل، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يدعو بكلّ وضوح في ظاهره إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحقها في التحرّر، وحق تنقّل الفرد بكل حرية، فإلى أيّ مدى تحققت فعلا كل المبادئ العليا لهذا الإعلان في زماننا اليوم؟ هذا إلى جانب فكرة المواطنة والوطن ومدى جدواها.

كما يشرّح المي النشيد الوطني التونسي ليتوصل إلى أن التونسيين اليوم ليسوا في حاجة إلى الموت كي يحيا الوطن، بل هم في أمسّ الحاجة للعيش كي يحيا الوطن، وقد استخدم في عملية التشريح هذه اللغة العربية الفصحى مع بعض الإضافات من الدارجة التونسية، رغم انعدام الحوار، بالمعنى الدرامي، بين الرهطيين في المشاهد المنفصلة، فلكل شأنه، أو هكذا جعلتهم الحرية الافتراضية فرادى رغم تجمعهم، كما أرادهم عماد المي، وكما هي الحياة عند الرهطيين.

وأعدّ المخرج الأردني الشاب علاء بشناف نص عرضه عن مسرحية شهيرة للكاتب الأميركي إدوارد آلبي بعنوان “من يخاف فرجينيا وولف”، وهو عنوان استلهمه آلبي من أغنية “من يخاف الذئب الضخم الشرير؟” في فيلم الرسوم المتحركة “السيمفونية الهزلية”، ويبدو أن بشناف اختار عنوان “من يخاف أن يعيش وهما” لعرضه استنادا إلى ذلك، وقد كثّفه لتقديمه في نحو ساعة واحدة.

"فريدم هاوس" فضح لوهم السلطة
"فريدم هاوس" فضح لوهم السلطة

وحافظ المخرج بشناف على البيئة التي تجري فيها أحداث المسرحية، من دون أن يحددها، بل جردها، في تصميم السينوغرافيا، من ملامحها الواقعية، وأضفى عليها منحى عبثيا، حيث لا يوجد في فضاء الخشبة سوى طاولة طعام وأربعة كراسي متحركة يجلس عليها الممثلون أحمد العمري، جويس الراعي، حمزة محادين ونور كباريتي يجري سحبها إلى الخلف وإعادتها إلى الطاولة بوساطة حبال على الأرض تكاد تكون غير مرئية، إضافة إلى حمالة ملابس.

وتبدأ أحداث المسرحية بعد عودة الأستاذ الجامعي الساخط “جورج” وزوجته “مارثا”، كثيرة الانتقاد، إلى منزلهما في ساعة متأخرة من الليل، عقب حضور حفل أقامته الجامعة، جالبين معهما زوجين أصغر سنا هما “نك” و”هوني”. ومن ثم ينخرط الأربعة في سلسلة من الألعاب الطاحنة، والعنف اللفظي، والحيل المضطربة، واصطناع السعادة، التي تسلط ضوءا مشعا على الكوارث والعلاقات الزوجية القبيحة، والأبوة وماهية الصداقة.

تعترف مارثا أنها تخاف الحياة من دون وهم، لكن جورج يغتال أحلامها وهي تشطح بعيدا عن الواقع المبرح ألما، وبينما ننصت إلى مونولوج من السخط الطافح سكرا من قبل مارثا، يتكشف للمتلقي أن جورج يستبطن مكرا خبيثا يكاد يقترب من المؤامرة، فهو رجل فاشل، لا يترك كأس الخمر عن عادة أو إحباط، كما يتكشف أن زواج هذين الشخصين زواج وصولي، كل منهما يلتهم كبد الآخر من دون رحمة أو شفقة.

 الجائزة الذهبية لأفضل عمل متكامل
 الجائزة الذهبية لأفضل عمل متكامل 

فريدم هاوس

عرض “فريدم هاوس” التونسي كوميديا فانتازية سوداء تروي قصة جنرال عسكري قرر القيام بانقلاب مبكر على النظام السياسي القائم قبل بقية الطامعين في السلطة، لكن منظومة الحكم كانت قوية فعاقبته عقابا شديدا، بإدخاله إلى مستشفى الأمراض العقلية، متهمة إياه بالجنون.

ونظرا إلى قوة جذب السلطة وسيطرتها على تفكير الجنرال، فقد توهم أنّه نجح في السيطرة على المشهد السياسي، وأخذ يفرض عسكرته على الحياة المدنية، ويصادر الحريات المدنية، بل وصل به الأمر إلى عسكرة حتى النساء العاملات في الكباريهات، وضمهن إلى فوج حمايته، وأوهم نفسه بوجود جيش وشعب وقوة وعدو متربص بالنظام، ليكتشف في النهاية أنّ كل ما فعله كان من نسج الخيال، لقد أراد لملمة كتيبة عسكرية لإعادة ضبط النظام، إلاّ أن الجنود، الذين هم ليسوا جنودا في الواقع، ثاروا عليه.

وحاول العرض، الذي أداه كل من شاكرة الرماح، محمد حسين قريع، عبدالقادر بن سعيد، منى التلمودي، شكيب رمضاني ومنصف بن مسعود، نقد الواقع السياسي التونسي، الذي تشوبه الفوضى والضبابية.

فمن يتصدّى للجنود هم في الواقع مجرد دمى، ما جعل الجميع في حيرة، فمن هم أعداء الوطن والمتآمرون والمخربون الذين يتحدث عنهم الجنرال ذو الهيئة الكاريكاتورية؟ لا شك في أنهم كل أولئك الذين وصمتهم الأنظمة الاستبدادية بأعداء الوطن والمتآمرين والمخربين، خلال ثورات “الربيع العربي”.

13