عرض مصري يستدعي جمهور قرطاج المسرحي ليعيش تجربة الموت

الخميس 2017/12/14
بداية الاكتشاف

تابع عشاق أبي الفنون، ضمن فعاليات الدورة الـ19 لأيام قرطاج المسرحية التي تنتهي فعاليتها السبت، العرض المسرحي المصري “التجربة”، وهو عرض مستوحى من الشخصية الألمانية الشهيرة كاسبر هاوزر، والذي عاش في قبو صغير منعزلا عن الآخرين حتى كبر دون أن يتعلّم بشكل صحيح أبسط الأفعال الإنسانية كالكلام والمشي والتعرف والسمع.. إلخ.

كاسبر كانت الكلمة الأولى التي نطق بها الممثل/المروّض لشابين وفتاتين، كلّهم في نظره كاسبر، أربعة يعيشون في سجن مُعّلمهم ومُضطهدهم أيضا، الذي يدعو الجمهور ليعيش التجربة معه وبشكل مباشر على خشبة المسرح.

وكاسبر هاوزر المستوحاة منه حكاية العرض المصري، شاب ألماني عاش بين 30 أبريل 1812 وحتى 17 ديسمبر 1833، يدّعي أنه نشأ في عزلة تامة بزنزانة مظلمة، كما أن مصرعه طعنا لاحقا أثار الكثير من النقاش والجدل.

وتنطلق الحكاية من خلال استعاد على طريقة “الفلاش باك” السينمائي لقصة عالم في علم نمو الإنسان قام بعزل كاسبر عن العالم لإجراء بعض التجارب عليه، إلاّ أن هذا الأخير نجح في الهرب من مُختبره، ودرس هو الآخر الاختصاص نفسه، ثم قرّر بدوره إجراء تجارب مماثلة، ولكن على أربعة نماذج جديدة، ومن هنا يبدأ العرض: تجارب في الوقوف، المشي، الحركة، التعرض للضوء، الكلام، سماع الموسيقى، إلى أن نصل إلى الإحساس، وهو ما سيؤدّي إلى انحدار مسار تجارب العالِم ليقرّر التضحية بأحدهم لاستكمال تجاربه، إلاّ أن نتيجة ذلك تأتي بشكل عكسي فيتمرّد الآخرون، ليقرّ العالم بفشل التجربة.

هي ببساطة ملخّص الحكاية/التجربة، لكن بين بداية الحكاية ونهايتها التي دامت زهاء الخمسين دقيقة في أداء تمثيلي لكل من محمد الهجرسي وإسلام عوض وخلود عيسى وفاطمة أحمد ومحمد أمين تحضر الكتابة السينوغرافية التي وضعها محمد المأموني بكثافة، حيث نرى قفصا أشبه بسجن وشابين وفتاتين في وسطه، فيما يعتلي المُعلم/المُضطهد لهم جميعا أعلى الخشبة، ليخاطبهم ويأمرهم عبر المايكروفون، وما عليهم إلاّ أن يطيعوه.

مسرحية "التجربة" مستوحاة من شخصية الألماني كاسبر هاوزر الذي عاش في قبو صغير منعزلا عن الآخرين حتى كبر

يأمرهم بدم بارد أن يمشوا، وهم الذين لم يتعلّموا المشي قبلا، فنراهم يتحرّكون بصعوبة حتى يتمكّنوا أخيرا من الوقوف، وما إن يتمكّنوا من الوقوف إلاّ ويأمرهم بالانبطاح أرضا، وهكذا.. وقوف عسير وسقوط يسير، حيث أنّ أسهل ما يُمكن للشبان الأربعة فعله هو وضع السقوط، وهم الذين عاشوا سنوات طفولتهم وشبابهم نياما في السجن/المُختبر لمُعلّمهم.

يتطوّر الأمر تدريجيا، فيأمرهم جلادهم بالقفز، فيتعلّمون القفز، ثم يعلّمهم الألوان، أربعة ألوان فقط كما هو عددهم تماما: أخضر لون الزرع، أصفر لون الصحراء، أزرق لون السماء، وأحمر لون الدم، وهذا اللون تحديدا هو مربط الفرس في المسرحية، الدم يعني ألم، كما يتفطّن أحدهم إلى ذلك في نهاية المسرحية.

وبين هذا وذاك يتعلّم الرباعي العديد من الأفعال الإنسانية كالوقوف، المشي، الحركة، التعرض للضوء، الكلام، سماع الموسيقى، القراءة، إلاّ الموت فهذه الكلمة ظلّت مُبهمة لديهم جميعا حين يأمرهم مُعلّمهم أحيانا قائلا: قفز، فيقفزون، مشي فيمشون، ضحك فيضحكون، صراخ فيصرخون، وحين يقول موت لا يستجيبون، لأنهم لا يعلمون معنى الكلمة أصلا.

ومن هناك تولّد الإحساس لديهم بالخوف، بالحب وبالكره أيضا، فأحب أحدهما فتاة أخرى قضم معها ذات يوم تفاحة رمى بها إليهم مُروّضهم، وكأنّ في ذلك إشارة إلى تُفاحة آدم التي أخرجته من الجنّة، وهنا، أي في المسرحيّة الجنّة/ الجحيم هي سجن مُعلّمهم ومُروّضهم الذي تخيّر منهم حبيبة الشاب الذي تمرّد عليه بأكله التفّاحة الملعونة، وهو الذي أراد اختبار مدى انصياعهم لأوامره من عدمها، فما كان من المُعلّم إلاّ أن أجرى تجربة الموت الحقيقي، وهم الذين يجهلون الكلمة، على حبيبة أحدهم، فيثور ويختار بدوره الموت شنقا.

وتنتهي المسرحية على مشهد المُعلّم/المُروَض وهو يدخل القفص العازل بينه وبينهم ليحمل جثمان الفتاة على كتفيه ويخرج بها خارج دائرة القفص، فيما يترك حبيبها المُنتحر داخله، في إشارة ربّما إلى رضاه عنها وسخطه عنه، رضاه عنها وهي القتيلة التي قتلها هو بنفسه، فكافأ قبولها التجربة بأن أخرجها إلى الدنيا الرحبة، وإن هي جُثّة هامدة، وسخطه عنه وهو الذي اختار التمرّد عليه، فعاش تجربة الإحساس الممنوع، أي الحب، ثمّ اختار أيضا الانتحار، والاختيار هنا ممنوع أيضا، فلا أحد يختار سوى مُعلّمهم، فترك جسده الذي أراد الانعتاق من سجّانه ولو بالموت، في سجنه وحيدا، بعد أن فرّ الشاب والفتاة الأخريان بدورهما إلى العالم الفسيح.

وتظلّ رمزيّة الإضاءة التي أتاها مخرج العرض أحمد عزت الألفي في ختام المسرحية، استردادا ممنهجا لما انطلق به العرض حين دعا الجمهور إلى خوض التجربة مع المُعلّم/المُروض بشكل مباشر على خشبة المسرح، ليسلّط ضوءا ساطعا على أحد المُشاهدين، وكأنّه يقول له “ها أنت عشت معنا التجربة، فالدور عليك الآن”.

مسرحية “التجربة” وإن حفلت بمقوّمات سينوغرافية وركحية جيّدة، إلاّ أنها لا ترتقي إلى أن تكون مسرحية مُرشّحة لاقتناص إحدى جوائز المسابقة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية في دورتها الحالية، فالأداء التمثيلي كان باهتا، والإخراج بدا سطحيا، والكتابة السينوغرافية على اجتهادها لم تأت بجديد، حيث بدت مُشاهدة من قبل في المئات من المسرحيات التجريبية التي تدعي كونها استشرافية، والحال أنها ماضوية كحال “التجربة” المصرية التي استلهمت من وجودها قصة ألمانية عتيقة، تجاوزها الزمن، بل وظلّت محلّ شك دائم في مدى صحة الرواية من عدمها.

16