عرفان الحيالي وزير دفاع عراقي جديد لمرحلة ما بعد داعش

السبت 2017/02/04
عرفان الحيالي إصلاح الفوضى أم فوضى الإصلاح في حكومة الكفاءات

بغداد- صادق البرلمان العراقي، بعد شق الأنفس، على اثنتين من الوزارات الشاغرة؛ وزارة الدفاع ووزارة الداخلية في بلد يقود حرباً شرسة ضد داعش في نينوى والموصل وسواهما، ويعاني من إرهاب المفخخات في بغداد والمدن العراقية كافة. ومع ذلك بقي أكثر من ستة أشهر من دون وزير للدفاع، ولا للداخلية.

ذهبت حقيبة الدفاع لعرفان عبدالغفور الحيّالي، مرشّح كتلة “متحدون للإصلاح” بزعامة أسامة النجيفي. وحقيبة الداخلية لقاسم الأعرجي، مرشّح كتلة بدر النيابية. بالمقابل انسحبت كتلة “الوطنية” بزعامة إياد علاوي، معترضة على ترشيح الحيّالي، معتبرةً الوزارة من حصّتها، رغم إعلانها خلاف ذلك في الإعلام، وشككت بمفهوم التكنوقراط الذي يرفعه رئيس الوزراء العبادي، وهو في الواقع تنفيذ للمحاصصة والمحسوبيات ذاتها منذ العام 2003 حتى الآن.

بينما تقول أطراف أخرى من داخل البرلمان إن اختلاف العراقيين في التصويت لحكومة التكنوقراط، التي أعيدت صياغتها في عدد غير قليل من المرات، يشبه إلى حد كبير اختلاف اللبنانيين على انتخاب رئيس لهم، رغم كثرة المرشحين، وكثرة الأطراف السياسية المتناحرة في البلاد. الحيّالي من مدينة الأنبار، ولد في قضاء حديثة في العام 1956. بدأ حياته العسكرية كملازم أول مشاة في الفرقة الأولى، ثم انتقل إلى الملاك التدريبي عام 1983 في الكلية العسكرية.

صفقة الحيالي الأعرجي

في عام 1991 انضم الحيالي إلى حركة تنظيم الضباط والقوى المدنية، المعارضة لحكم الرئيس السابق صدام حسين. وأصبح حينها المنسق العام لتلك الحركة، وبسبب اختراق ذلك التنظيم، تم اعتقال الحيالي عام 1992 من قبل جهاز الأمن الخاص للرئاسة، بتهمة التخطيط لمحاولة اغتيال الرئيس صدام حسين، وحكم عليه بالإعدام.

وتحت ضغط الصلات العشائرية القوية، أعفي الحيالي من حكم الإعدام، ثم أطلق سراحه. وبعد العام 2003 ظهر الحيالي من جديد ليشغل منصب معاون مدير شؤون الأفراد في وزارة الدفاع برتبة مدنية في العام 2006. ثم حوّلت رتبته المدنية إلى رتبة عسكرية (عميد)، ليتولى بعدها مهام مدير الإدارة، ثم مهام مدير التطوير والتدريب في جهاز مكافحة الإرهاب، وهو شخصية كفؤة، مستقلٌ فعلا كما يقال عنه، حتى وإن كان قد تم ترشيحه من قبل كتلة النجيفي “متحدون للإصلاح”. مع هذا، لا تمر الأمور دون اتفاقات مسبقة في غرف معتمة. فالكتلة البرلمانية الشيعيّة، لا تصوّت للكتلة السنيّة، إن لم توافق الثانية على مرشّح الأولى، والعكس دقيق.

الحيالي يظهر اليوم بعد أن كان قد انضم إلى حركة تنظيم الضباط والقوى المدنية، المعارضة لحكم الرئيس السابق صدام حسين. وأصبح حينها المنسق العام لتلك الحركة، وبسبب اختراق ذلك التنظيم، تم اعتقاله بتهمة التخطيط لمحاولة اغتيال الرئيس، وحكم عليه بالإعدام

وهكذا جرى تمرير الأعرجي وزيرا للداخلية، عن كتلة منظمة بدر النيابية، وعرف عنه وقوعه في الأسر الإيراني، كجندي عراقي، خلال الحرب العراقية-الإيرانية، وهناك أعلن “التوبة” وانضم إلى جيش التوّابين، أسوة ً بزعيمه هادي العامري، وشارك في حروب إيرانية ضد بلاده، وعام 2003 اعتقلته القوات الأميركية، وأودعته السجن الصحراوي الشهير “بوكا”، وهو ذات السجن الذي اعتقلوا فيه البغدادي زعيم تنظيم داعش، ليطلق سراحهما، حيث تم الإفراج عن الأعرجي بعد ثلاثة أشهر، ثم اعتقلته القوات الأميركية ثانية، لكنه بقي في المعتقل هذه المرة ثلاثة وعشرين شهراً، ثم أفرج عنه، ليصبح ممثلا لكتلة منظمة بدر في البرلمان العراقي، ووزيرا للداخلية اليوم، وهو أحد أبرز المطالبين بضرورة إقامة نصب فني في بغداد للجنرال الإيراني قاسم سليماني.

خرج رئيس الوزراء العراقي من مرحلة الصدام مع رؤساء الكتل السياسية الكبيرة، بالأخص الشيعيّة منها، مرغما ومبتسما إلى نقطة الصفر التي هي أصل بلاء البلاد والعباد، والتي تظاهر العراقيون من أجل إلغائها وإصلاح الحال أعواماً، ألا وهي المحاصصة. يحصل هذا خصوصا بعد رفع عباءة المرجعية الشيعيّة عن نفسها، وعنهم، والامتناع عن الإدلاء بأيّ آراء سياسية، وامتناعها التام أيضاً عن استقبال أيّ سياسي عراقي. كما ضاقت مساحة المناورة السياسية، والمذهبية أيضاً، أمام العبادي، فبقي وحيداً أمام نواياه في مواجهة معارضة شيعية قوية، لمقترحاته الإصلاحية تلك.

وزراء المحاصصة

اتهم العبادي علانية بالدكتاتورية، وبمحاولة تعميم التجربة السياسية اللبنانية في العراق وتطبيقها بين ليلة وضحاها، لكن شيطان التفاصيل الذي يعشش في عمائم زعماء الكتل السياسية وفي جيوبها يشي بغير ذلك تحت قبة البرلمان العراقي، إذ أصبح ساحة لصراع الحصص الوزارية والغنائم، على خلفيّة القاعدة الطائفية التي صيغت على أساسها التوافقات الحكومية منذ عام 2003 حتى الآن.

تعيين من هذا الطراز في العراق لا يمر دون اتفاقات مسبقة في غرف معتمة

إضافة إلى التبعيات الإقليمية والدولية، وفي هذا السياق لا يهم زعماء الكتل البرلمانية شكل الحكومة وتسميتها، مقابل عدم المساس بالمكانة والمكاسب الحزبية، وبعدها يمكن الاتفاق على كل شيء، ولا خلاف ولا هم يحزنون، حتى وإن بقي العراقيون أعواما يتظاهرون، مادام الاعتصام غير مسموح به من قبل الدولة، والكفاح المسلّح يرجّح كفّة تلك الأحزاب، كما يقولون، بحكم أن هنالك ميليشيا مسلّحة ومدرّبة ومستعدة للمواجهة لكل حزب من تلك الأحزاب الحاكمة المتنفذة، ولكل زعيم منهم.

جميع الكتل السياسية في العراق تعلن تأييدها لخطط الإصلاح وتعيين الكفاءات ومحاربة الفساد وإصلاح القضاء. لكنها تحت قبّة البرلمان تتنازع على أبسط المكتسبات وأدق التفاصيل، وتتبادل الاتهامات في ما بينها. غير أنها في الإعلام أيضا، تتراشق بالبرامج الإصلاحية المنتحلة لصفة التغيير والإصلاح المرتجى، حتى أصبحت تلك الفوضى بحاجة إلى من يصلحها، عبر مأسسة الحوار وعقلنته، ليكتسب مصداقية شعبية وسياسية، قادرة على احتواء مطالب المتظاهرين وحاجات المواطن العادي. المواطن الذي زادت تلك الفوضى من مناسيب قلقه وعدم ثقته ويأسه من جميع تلك الكتل السياسية، وتلك الحكومات المتعاقبة منذ العام 2003.

اتحاد القوى السنيّة يشترط في البرلمان تنفيذ بنود الاتفاق السياسي الذي تشكلّت على أساسه الحكومة العراقية منذ البدء، قبل إجراء أيّ تغيير مرتقب، وقبل الموافقة عليه من عدمها في ما يخص حكومة التكنوقراط هنا. أي يشترط عدم التلاعب بحصصها الوزارية، مهما كانت المسببات المؤدية إلى التغيرات الحكومية. وبالمقابل تشترط القوى والأحزاب الكردستانية ذات الشروط، لا بل أصرّت تلك القوى على عدم قبول أيّ مرشح لوزارة المالية (من بعد هوشيار زيباري)، لأنها من حصّة الحزب الديمقراطي الكردستاني حصراً.

ومازال العراق حتى اللحظة بلا وزير للمالية، وتلك الحكومة، وهي تحارب داعش ميدانياً، كانت بلا وزير للدفاع، ولا وزير للداخلية، كما هي بلا وزير للتجارة، ولا للصناعة، ويتساءل العراقيون اليوم؛ عن أيّ إصلاح يتحدث سياسيو العراق، وهم لا يؤمنون إلاّ بالمبدأ التحاصصي الطائفي المقيت، الذي يضمن لهم مكاسبهم وغنائمهم تحت يافطة “شيّلني وأشيّلك”.

ما وراء وزارة الدفاع

مناخ الحياة النيابية في العراق يتخذ شكلا من أشكال الصراع على المكاسب أكثر منه إدراكا للواقع الذي يدور من حول النواب، فاتحاد القوى السنية يشترط في البرلمان تنفيذ بنود الاتفاق السياسي الذي تشكلت على أساسه الحكومة منذ البدء، قبل إجراء أي تغيير مرتقب

اختيار الحيالي والرسائل الملغزة التي تصدر من بعض الكتل السياسية في العراق، يوحيان بملامح مرحلة ما بعد داعش. كذلك حال الرسائل الإيرانية، على لسان خامنئي وتوابعه في العراق والمنطقة العربية، وعن احتمال المواجهة المحتملة بين أميركا وإيران. فتعيين الجنرال الإيراني إيرج مسجدي سفيرا جديدا في العراق، له أكثر من مغزى وأكثر من رسالة موجهة إلى العراقيين وإلى العرب أيضا.

المنطقة العربية تتهيأ كذلك لمرحلة ما بعد داعش، ومسجدي واحد من أبرز قادة الحرس الثوري الإيراني، وهو مستشار قاسم سليماني، واسمه مدرج على قائمة المطلوبين أميركيا ودوليا بتهم الإرهاب وجرائم الحرب، وجاء أمر تعيينه من قبل خامنئي شخصيا، لعلاقته المباشرة الوثيقة بجواد ظريف وزير الخارجية، لتنسيق الجهود في مرحلة مابعد داعش، بوجود وزير عراقي في الداخلية مثل قاسم الأعرجي، وهو الشهير بتبعيته السياسية والعسكرية لإيران، ولمسجدي الذي يتمتع كذلك بخبرة عسكرية وعلاقات قوية مع تشكيلات الميليشيات الطائفية المسلحة في العراق، كما في سوريا وفي اليمن ولبنان وغيرها من الدول، وثمة من يشير إلى أن تلك التحركات تدلل على خطط إيرانية لجعل ساحة المواجهة المحتملة بينها وبين القوات الأميركية، في العراق وفي سوريا، أو أيّ بلد آخر غير طهران والمدن الإيرانية.

12