عرف أنه ذاهب إلى الاغتيال فقرر في سجنه أن يولد من جديد

الأحد 2013/09/01
جعجع.. أبو القوات الذي على الأرض وصائد الحجل من تاريخ لبنان

يا رب القوّات ..كن معنا..

من هذا المفتاح في الثقافة المسيحية التقليدية، وربما اليومية الحياتية، أشرقت فكرة تأسيس الحزب اللبناني الجديد (القوات اللبنانية) مستلهمةً معنى القوّات الذي يرد في الإنجيل، القوات ـ الملائكة، والصلاة التي تناشد رب القوات أن يكون مع المسيحيين، وبانية على القاعدة الهرمية ذاتها التي خلقها حزب الكتائب في لبنان منذ أن كان مجرّد حركة رياضية قادها الأب بيير الجميّل ذات يوم، ليتابع التأسيس من بعده ابنه بشير واضع القواعد الأولى لحزب القوات منفصلاً عن والده وأخيه ومورثاً لطالب الطب النحيل سمير جعجع تركة ثقيلة أحسن حملها مهما مالت بها الأيام على كتفيه، وليستنسخ آخرون فيما بعد تلك التجربة ويطلقون على أحزابهم اسماء لها علاقة بالسماء…فظهر حزب الله ..ليقطع الطريق على الجميع مقابل حزب الملائكة..ملائكة الحب والحرب.

أمراء الحرب وأمثولات المنطقة


كان أول ملف وضع على مكتب بشار الأسد، في بداية الثورة السورية، من قبل الفريق المؤيد للحل الأمني العسكري العنفي، هو ما يعرف باسم (أمراء الحرب) الذي استشهد بالأوضاع اللبنانية، وأن خط الدفاع الأخير الذي تعلّمه السوريون جيداً من الدرس اللبناني الطويل، هو أنه يمكن أن تستقيم الأمور بعد حين، وأن تتراجع المواقف في دفاعه عن وجودها إلى مستوى (أمراء الحرب) اللبنانيين الذين تحوّلوا من ساحات الاحتراب والقتل والعنف الشديد، إلى مقاعد البرلمان وغفر الشعب لهم، وتعامل معهم المجتمع الدولي بعدها وكأن شيئاً لم يكن، ولكن الدرس اللبناني لم يكن هيناً على لاعبيه الأصليين، وتحوّلاتهم لم تحصل بالصورة التي خطّط لها خبراء الأسد في سوريا العام 2011، فكان من أبرز أولئك سمير جعجع ووليد جنبلاط وبشير الجميل وأمين الجميّل ونبيه برّي وميشيل عون.. ولكن ليس رفيق الحريري الذي قرّر اللاعبون الكبار في المنطقة أن تغييبه عن المشهد ضرورة، حتى لا يبقى في الساحة سوى من يتحدرون من ذاكرة متشابهة.

حرب بسبب طيور الحجل

ولئن كانت شرارة النزاع في لبنان تاريخياً قد قدحت لسبب يعدّه كثيرون تافهاً، في العام 1841 فإنها كانت كفيلة بإيقاد نار الفتنة بعد خلاف على حق عبور ماروني وصيده حجلاً في أرض يملكها درزي، ثم ما لبثت تلك الشرارة أن تحوّلت إلى صراع دموي بين الفلاحين الدروز والموارنة، ولكن تلك اللحظة، صنعت الحاجة إلى التوازنات في لبنان، مابين حاضن إسلامي كبير مثلته الدولة العثمانية والنطاق المسلم في بلاد الشام والولايات العربية الأخرى، من جهة، وبين دول العالم المسيحي الذي وجد في صراعٍ بين الأقليات فرصةً مناسبة لكسب المزيد من التنازلات من سلطان العثمانيين في استانبول، ولطالما ردّد سمير جعجع أنه يرفض (التفكير الذمّي) كما يسميه، موجّهاً نقده ليس إلى المسلمين بطوائفهم وحدهم، ولكن أيضاَ إلى المسيحيين، وكان محقّاً في رفضه العيش في دائرة مغلقة، تفرض عليه الاختلاف ولا تتقبله منه، منذ أن أصبح لبنان دولةً مستقلة حصلت على اعتراف من قبل سوريا التي فصلت عنها في العام 1936 باتفاقية إشكالية وقعتها الشخصيات الوطنية السورية في باريس، وهو الذي ولد في عين الرمّانة على ضفاف بيروت، في العام 1952، متحدراً من منطقة بشرّي، طالب الطب في الجامعة الإنجيلية ـ الأميركية، والذي غادر مقاعد الدرس للالتحاق بكتائب الجمّيل في حربها على الفلسطينيين في العام 1975، وقد صارت دولة (أبو عمار) حينها أكبر من لبنان، ورأى المسيحيون أنه لا بدّ من الدخول في مواجهة، قادت في ما بعد إلى مسار دموي بشع، دفع الأبرياء من الطرفين ثمنه، كان أقسى تجلٍ له مجزرة تل الزعتر ثم صبرا وشاتيلا التي وقعت بإشراف مباشر من نظام حافظ الأسد، ولكن سمير جعجع لم يكن راضياً عن أداء الكتائب، فالتصق ببشير الذي أرسله إلى الجناح المسلّح للكتائب (القوات) والتي مثّلت أيضاً الذراع العسكري للجبهة اللبنانية (تحالف الأحزاب المسيحية اليمينية) وهي حزب الكتائب وتيار المردة وحزب الوطنيين الأحرار وحراس الأرز والتنظيم، ليدخل في احتدامٍ عسكري ضد آل فرنجية الذين كما اعتقد جعجع كانوا يمزقون وحدة البندقية المسيحية، على الرغم من أن مسيرته المسيحية، تميّزت برفض لهيبة الهيئات الروحية المسيحية ذاتها ومكانتها، الأمر الذي سبب للكتائب إحراجاً كبيراً أدى إلى طرده من الحزب، فقاوم ذلك بالالتصاق الشديد بالقوات، وتأسيس جبهة تاريخية ضد الاتفاقات التي يبرمها المسيحيون وتأخذ إشارة في حواشيها من حافظ الأسد في البداية والنهاية، حتى وصلت علاقة القوات بالأسد إلى الصدام العسكري في العام 1981 باندلاع معركة زحلة بقيادة بشير الجميّل.

وفي العام 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان بعد اجتماع سريّ ضم كلاً من أرييل شارون وزير الدفاع وبشير الجميّل قائد القوات اللبنانية، وكان على رأس أهداف الغزو اجتثاث الفلسطينيين، فتلقت القوات اللبنانية دعماً عسكرياً كبيراً من إسرائيل لم ينكره أحد من قادتها، فكان المسار السياسي العسكري المتعرّج، الذي يشبه مناخ لبنان المنفصل تماماً عن المعادلات العربية التي سادت المنطقة، فالكتائب اللبنانية كانت لديها رؤيتها الخاصة للصراع المركزي للمنطقة العربية مع إسرائيل، وقد قامت بالفعل بتطبيق تلك الرؤية، أكثر من مرة، ولم يكن أكثرها تعقيداً اتفاق أمين الجميّل مع الإسرائيليين مباشرة، في معاهدة السلام اللبنانية الإسرائيلية التي عرفت بمعاهدة 17 أيار 1983، والتي أفشلها حافظ الأسد وإيران، والقوى اللبنانية الموالية لهما على الأرض، وكانت إسرائيل تحتل لبنان حينها، بينما أكّدت المعاهدة على بندين رئيسيين قام الأسد وحسن نصرالله بتطبيقهما فيما بعد ولكن بعد مرور أكثر من عشرين عاماً على إلغاء المعاهدة، خروج القوات السورية ومنظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وعدم نشر أسلحة ثقيلة في الجنوب اللبناني.

وكان جعجع حينها في خطوط الجبهة مع الأطراف المتصارعة، يبكي رفيقه وقائده الرئيس المنتخب بشير الجميّل الذي اغتيل أثناء كلمة له بحضور عدد من السياسيين، بينما اتهم باغتياله كلٌ من حافظ الأسد وإسرائيل اللذين كانا أصحاب المصلحة المباشرة في إضعاف المسيحيين، وإلغاء الالتزامات المقطوعة لهم، وما لبث أن تحوّل في العام 1986 إلى قائدٍ للقوات اللبنانية، متابعاً حربه على جميع الأطراف تقريباً، رافضاً الحوار، في نزقٍ سياسيٍ يشي بأن جعجع كان يعرف أنه سيصبح، هو وحزبه، أحد مرتكزات اللعبة في لبنان، متحلّلاً تدريجياً من شبهة رافقت القوات اللبنانية تجلت في العلاقة مع الإسرائيليين، وكان أحد أهم المعترفين بالتعاون العسكري القواتي اللبناني جعجع نفسه بقوله (لا أخفي أنه خلال الحرب كل العالم تعلم أنه تم شراء آليات وسلاح من إسرائيل، ولكني قبل نهاية الحرب أنهيتُ التبادل التجاري مع إسرائيل).

واستمر جعجع بعد بشير، التباساً لبنانياً بجدارة، ففيه تتقاطع إشارات وخطوط التوتر، وعلاقات التوافق والتحالفات الهشة والمكينة، فلم يتمكن حافظ الأسد يوماً من شطبه من سجلاته، ولكنه في الوقت ذاته، لم يتمكن من جلبه إلى حظيرته، رغم ذهابه إلى القرداحة السورية على رأس وفدٍ كبير من القوات اللبنانية للتعزية بوفاة باسل ابن حافظ الأسد في العام 1994، وظلّ في سنوات الحرب الأهلية، رقماً صعباً بين الكبار، وهو الذي لا يتحدّر من أصولٍ عائلية تسمح له بوراثة المكانة، ولكنه كان قد قرّر أن يصنعها صنعاً وأن يجترحها اجتراحاً.

جعجع في سجن عدوه وسجن نفسه

سمير جعجع، المثال اللبناني الشاب، الذي يمكنك أن تسمع باسمه همساً في بيروت ما قبل العام 2005 وفي ذروة السيطرة الأمنية السورية على لبنان، ويمكنك أن ترى صوره المخبأة في بيوت بقايا مقاتلي القوات اللبنانية، في الثكنات الموزّعة هنا وهناك، والتي لم تعد ثكنات حرب بل صارت مساكن لعائلات فقيرة، بينما يقبع ملهمها وقائدها في سجنه تحت الأرض، وكانت بيروت قد عرفته أميراً من أمرائها، بالخاكي الأخضر المغمق، وبلقب (الحكيم) الذي قاده من مهنة الطب إلى بوابات الحكمة، ولكن كان عليه أن يرتكب الكثير مما عُرف حينها بجرائم تلك الحرب، أو أن تلصق به التهم ليبرئه القضاء اللبناني منها فيما بعد إما بالتوافق السياسي بين مكونات لبنان، أو بالبراءة الفعلية بسبب هيمنة الجيش والمخابرات السورية ومن يمثلها في لبنان على الوضع الأمني، فكان من الصعب إثبات إدانته بتفجير كنيسة (سيدة النجاة)، وهو المسيحي المتعصّب، ولكن لم يكن عسيراً وخاصة بعد اعترافه شخصياً أن تثبت عليه تهم قتل فرنجية ورشيد كرامي وداني شمعون وأسرته، وأمين سر البطريركية المارونية المونسينيور ألبير خريش وآخرين، عبر إعطاء الأوامر بالتنفيذ.

دخل السجن لأحد عشر عاماً متواصلة، وبقي في سجنه محمياً بالجدران، على الأقل، ولم يكن ممكناً قتله وهو في موقع الخاسر الذي تضمن سلامته منظمات دولية كثيرة، وسفارات دولٍ كبرى في لبنان والمنطقة، خسر الحرب، ولم يخسر المكانة، وتعرّض للإهانة والتعذيب، فقرّر أن يولد من جديد في زنزاته الصغيرة، التي أتاحت له فرصة التأمل، كما يحب أن يصف تلك الساعات الطويلة التي يقضيها يومياً دون كلمات، وأعطاه السجن الفرصة للقراءة، ورفع مقامه بين مناصريه، فهو إن كان قد ارتكب يوماً ما يستحق العقوبة، فهاهو يقضيها في السجن، فبرّر له السجن الانتقال النفسي والأخلاقي من سيرةٍ إلى سيرة، وخرج مختلفاً، مصرّاً على مدنية المشروع الذي بدأ عسكرياً ذات يوم، ومكرّساً وقته لإعادة تأسيس حزب القوات اللبنانية، ليكون مشروعاً سياسياً متطوّراً في لبنان والمنطقة، ويصنّف الخبراء وثائق القوات اللبنانية اليوم كأفضل الأنظمة الداخلية والأسس الفكرية بين المشاريع العربية، فكان سجن جعجع في نفسه أكبر وأقسى من سجنه لدى أعدائه، وخرج بعد الانسحاب القسري والمهين لجيش بشار الأسد من لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري في العام 2005، ليولد من جديد في ساحة جديدة، وكأن شيئاً لم يكن، ليلعب السياسة في صفاء ذهني كما يقول، حتى أنه تعرّض لمحاولة اغتيال ونجا منها بسبب انحنائه لاقتطاف زهرة بريّة.

تحالف الأقليات والثورة السورية

لطالما سخر جعجع من مبدأ تحالف الأقليات الذي نشره وعمّمه مفكرون كثر، غالباً ما كانوا يدورون في أفلاك السلطات والمصالح الغربية، واعتبر في أكثر من مناسبة، أن تحالف الأقليات يشبه الحلف الاقتصادي بين فقيرٍ وفقير، فلا ينفع بعضهما الآخر، وأن الأجدر أن تعيش مكونات هذه المنطقة على أسس المواطنة والحقوق الموحّدة للجميع، وليس على أساس التحاصص والتقاسم قائلاً (علينا أن نتحالف مع من يتفق مع نظرتنا، فالتحالفات بين المجموعات لا يمكن أن تبنى على العدد وإنما طبقاً لاتفاق الرؤية حول كل الأمور)، وهو إذ يصدّر ذاته زعيماً مسيحياً في الشرق، إلا أنه لا يرغب في البقاء مسيحياً وحسب، ولذلك كان عليه أن ينفتح على علاقات واسعة، في الخليج، والمنطقة، في تحوّل نادرٍ، وكان أول من هلّل للربيع العربي، ورفض فكرة أنه ربيع إسلامي، ونفى مراتٍ ومرات، التهمة التي روّجها نظام بشار الأسد بأن ثورة السوريين، ثورة متطرفة تكفيرية، وقال (إن التاريخ له اتجاه واضح والأنظمة الديمقراطية حتمية في التاريخ فلم نواجه ذلك؟) وأصرّ على نفي خرافة أن البعث حمى مسيحيي سوريا، (هل نسي من يتحدث عن أن نظام حزب البعث حمى المسيحيين في سوريا أن الوجود المسيحي كان قبل وجود البعث؟، وبعض الشخصيات إما أتت إلى لبنان أو ذهبت إلى اوروبا؟ هل رياض سيف أو ميشال كيلو أو الناصريون او الحزب الشيوعي إخوان مسلمون في سوريا؟ ثمة طبقة راقية ومثقفة جداً في سوريا غير الإخوان المسلمين)، فيرى في سوريا القادمة لبناناً قادماً أيضاً…تنطبق عليه عبارته التي لم يملّ لسانه من تكرارها (لبنان الكيان النهائي).

7