عروبة بلا ضفاف

السبت 2016/05/28

يتفق مثقفون ومفكرون من مواطني بلاد العرب – سواء من العرب أم من غير العرب من الأعراق والإثنيات والقوميات المسكونة بثقافة عربية عميقة وممتدة لأنها نتاج تفاعل خلَّاق أسهمت هي في إثرائه – على فكرة أن كيان “الدولة/الأمة” هو المخرجُ السياسي الحقيقي، المؤصَّل إنسانيا وحضاريا وثقافيا وفكريا، للخروج من الواقع المتردِّي القائم الآن في بلاد العرب، والموسوم بهشاشات متنوِّعة تأخذه إلى انهيار أعمدته المرممة التي شرعت تفقد صلابتها المصطنعة، وما ذلك إلا لأن الممارسات الفعلية والتجارب الناجحة لدى العديد من كيانات “الدولة/الأمة” في العالم أكدت نجاعة هذا الحل ورسخت مسوغات الاقتداء به، وحفزت السعي إلى تطبيقه في بلادنا!

وفي واقع الحال لم نعد في حاجة إلى بذل أدنى جهد كي ندرك أن ليس ثمَّة من شيء أدل على التردي المصحوب بهشاشات تنبئ بالانهيار العميم وتسرّع مجيء لحظة اكتماله، إلا تصاعد تجليات ظاهرة “انفجار الهويات” التي تأسست – ضمن عوامل أخرى – على تحفيز كل عامل يفضي إلى تشظية وعي مواطني بلاد العرب بهويتهم عبر إنتاج تعريفات للهوية متعارضة إلى حد التناقض المهلك، والعمل الحثيث على تحويل كل عنصر- بل وربما كل جزء من عنصر- من العناصر العرقية والإثنية والقومية والدينية والمذهبية والثقافية واللغوية التي شكلت المجال الإنساني الحيوي الذي تفاعلت في رحاب فضاءاته الشاسعة لتصوغ هوية عربية كلية جامعة تتأسس على ثقافة عربية تفاعلية ذات ثراء وغنى، إلى هوية عُصبوية مستقلة، مفصولة ومنعزلة، تبحث لنفسها، أو يُبحثُ لها عن حيز مكاني ضيق تجسد حضورها فيه خلف جدران التعصّب الانعزالي الإقصائي، التناحري المهلك، والفقير المفقر!

وعلى الرغم مما تنطوي عليه فكرة “الدولة/الأمة” من مفارقة تتأسس على فكرة استدعاء نموذج كيان سياسي متحقق في واقع ما لجعله رداء يلقى على واقع آخر؛ واقع مغاير إلى حد بعيد للواقع المُستدعى منه ذاك النموذج، فإن الفكرة في حد ذاتها، وفي ضوء قراءات تحليلية، ومراجعات نقدية جادة وصارمة لتطبيقاتها المختلفة وما واكبها من ممارسات أو انبثق عنها من نتائج موجبة وسالبة، قد تكون مدخلا ملائما للتفكير السياسي العربي الطليق، المتجرد تماما من الأفكار المسبقة ومن فكرة استدعاء النموذج المُطبَّق من قبل الآخر المختلف في واقع مغاير، لتطبيقه في بلادنا العربية المحكومة مجتمعاتها بمعطيات مختلفة وشروط مغايرة!

غير أنَّ المسألة التي تجسد مفارقة ثانية يتوجب إخضاعها، فيما أحسب، لتفكير تحليلي عميق، إنما تتركز في ترافق مماهاة الدولة بالأمة (الدولة/الأمة)، وكأنهما مرآتان متناظرتان، مع الدعوة إلى الأخذ بهما نموذجا لكيان سياسي يجمع شمل مواطني بلاد العرب، متعددي الأعراق والإثنيات والقوميات، وذلك لأنه هو وحده، وحده فحسب، الكفيل بإخراجهم من حال التشظي الهوياتي، وحملهم على أجنحته الرفرافة صوبَ واقع حضاري ممكن، وصيرورة تاريخية تخرجهم من حال الثبوت على الحال، وتحول دونهم ومتابعة الإيغال في التشظي الهوياتي المفضي إلى تشتيت مواطني بلاد العرب بين أعراق وإثنيات وأقوام وأديان وطوائف ومذاهب وأيديولوجيات معصوبة العينين، وتشقيف وطنهم الجامع إلى دول ودويلات وجزر وكيانات مصمغنة تتكون من شقائف هوية تم تفجيرها، ومن حطام صروح ثقافية راسخة وعالية تمَّ الإجهاز عليها وتدميرها!

وفي هذا الضوء، فإن أي مسعى جدّي، صارم ودؤوب، لسدّ الشقوق التي استشرت في جدار الصرح العربي، ولاجتثاث الخلايا السرطانية التي تفتك بنسيج لُحْمة مواطني بلاد العرب، ولكبح تتابع المشاريع التقسيمية التي تستهدف أراضي وطنهم بالتمزيق والتشقيف والتفتيت عبر تنشيط خلايا سرطانية كبحت على مدار قرون وما استئصلت فظلَّت خاملة أو نائمة، إنما يستوجب الانطلاق من سؤال الهوية، وإعطاء الأولوية القصوى لمسألة تعميق الهوية العربية عبر توسيعها توسيعا ثقافيا يتأسس على التنوع البشري الخلّاق، هوية تنطلق من جذرها الإنساني لتبحث في مدارات الإنسانية عن كمالها المحتمل، هوية ثقافية موسعة، مركبة ومتطورة ومفتوحة على الصيرورة الدائمة؛ أي هوية تخلو من أي نزعة تعصبية إقصائية تستهدف إزاحة الآخر؛ هوية ذات منابع متنوعة المصادر والأعماق والأبعاد، هوية بلا ضفاف!

كاتب من فلسطين

16