عروسة تفصيل

تفصيل بناتنا على أنهن عرائس المستقبل، ومنذورات للزواج، وتفصيل الفتاة على الزواج فقط، وحصرها في هذه المهمة، قمة الظلم المجتمعي المفروض على فتيات قد لا يجدن في أنفسهن الرغبة ولا القدرة على الزواج.
الاثنين 2019/09/02
تفصيل عروسة منذ الصغر نظرية ظالمة وسيئة السمعة

الاهتمام المبالغ فيه بأنوثة الابنة ومظهرها الخارجي دون تشكيل وعيها، أو العمل على تدعيم نضجها الفكري والعقلي، وتشجيعها على ثقافة ترتيب أولوياتها، جريمة في حقها تنتهك آدميتها، وتحرمها من طفولتها الحرة الطليقة، وتشكل سياجا متينا محكم الإغلاق على عقلها.

تظل نظرية تفصيل عروسة منذ الصغر نظرية ظالمة وسيئة السمعة، وكذلك إعداد الفتاة للزواج فقط ورفع الأمر من كونه إحدى فرضيات الحياة وأحد مكوناتها إلى كونه الحياة ذاتها والهدف الرئيس للطفلة الأنثى وأسرتها منذ الصغر، يجعلها تختزن لنفسها صورة مشوهة لامرأة تسعى لإرضاء الآخرين مع نكران ذاتها.

الصورة الذهنية المختزنة عن الذات المؤهلة فقط للزواج وتحمل مسؤولية المنزل والأسرة ورعاية الصغار قد تقتل إبداعات كثيرة لدى الطفلة الأنثى وتحرمها من فرص أكثر رحابة واتساعا. لا أنكر أن الزواج أحد أهم سنن الحياة ويضيف للإنسان مشاعر قد تساعده على التطور المهني والترقي الوظيفي، لكنه ليس الحياة ذاتها، بل هو احتمال قابل الحدوث أو العدم.

أحيانا دون أن نشعر نخلق من أبنائنا دمى ممسوخة لا تستطيع الفكاك من تلك البقعة المحددة التي فرضناها عليهم سلفا، نحركهم كقطع الشطرنج وفق آلية باهتة ليلعبوا نفس الأدوار التي وضعناها لهم منذ سنوات، وربما نريد لهم حياة أخفقنا في تحقيقها.

للأسف الشديد الكثير من الأسر في وطننا العربي تعد الفتاة منذ طفولتها لدور واحد فقط عليها أن تدور في فلكه حتى تعتاده وتسلم به، ومع مرور الوقت يصبح حقيقة راسخة في وجدانها.

كلمات عديدة تختزن في الذاكرة، تتكدس فوق بعضها البعض في تراكم رتيب، منذ نعومة أظافرها تستمع لمقولة “متى نفرح بك يا قمر، يا رب أراك في بيت الزوجية، غدا تصبحين أما وتقدرين الأمومة”، وبالقطع هذه الكلمات تحفيزية، أخف وطأة من مقولات على شاكلة “ربنا يعدلها لك”، وصولا إلى الجملة القاتلة “هل أصيب الرجال بالعمى حتى يتركوا هذا الجمال” في حالة تأخر سن الزواج الذي فرضه العرف المجتمعي دون اتفاق.

ابنة صديقتي شابة رائعة الجمال، لها شخصية قوية، اجتازت امتحانات الثانوية العامة “البكالوريا” بنجاح باهر، وتفوقت فيما حصدته من درجات، وحين جاءت اللحظة المنتظرة لتحقيق حلمها بالالتحاق بكلية العلوم لدراسة علوم الفلك، رفضت الأسرة تحقيق رغبتها رفضا قاطعا متعللة بما أسمته دراسة خشنة لا تصلح للفتيات، والأولى بها شاب ذكر، تعجبت الفتاة من أسرة تضع لافتة للذكور فقط على بعض الدراسات والمهن، وتصادر الحق في التعلم والمعرفة بحجة أن بعض المهن ذكورية بامتياز، وغيرها “مهن حريمي” ناعمة لا نفع منها.

وبالطبع لم تترك الأسرة المتعلمة المثقفة الفتاة لتلك الحيرة المنفرة، بل وضعت قائمة ذهبية بالمهن الحريمي المسموح بها، ونوعية الدراسة المقبولة نفسيا ومجتمعيا للفتيات من وجهة نظر الأسرة الكريمة، على رأسها التدريس، والفنون التطبيقية والتربية الفنية،… إلى آخره، من مهن لها كل الإجلال والتقدير، لكنها قطعا لا تروق الشابة الشغوفة بدراسة علوم الفلك.

المضحك أن صديقتي مدربة تنمية بشرية، تبث روح التنافس والتفاؤل بين المتدربين، امرأة تدرب البشر على الفرادة والتميز، وتبعث روح الأمل في نفوس محبطة، هزمتها الحياة، قلوب تنعتها بالهشاشة لارتطامها بجدران الزمن في تخبط مزر لا يليق بنفوس قوية، قادرة على إحداث فارق ملموس في الحياة.

ثمة اختلاف بين موقفها في العمل وما تسعى لبثه من قيم ومبادئ راقية، وغرس طرق تفكير متمردة على نمطية المألوف والممكن، وعدم الرضوخ لسياسة المتاح والأمر الواقع، وبين ما تفعله مع ابنتها التي أشبعت عقلها وقلبها بمقولتها الشهيرة “البنت مصيرها للبيت والزواج”.

رأيت الأم كمن تشاهد فيديوهات ومقاطع مصورة عن الطبخ وفنون الطهي طوال الوقت وتتشبع عيناها بمشاهد الطعام اللذيذ، المصفوف في تأنق يسيل اللعاب، حتى إذا ما جاء وقت الغذاء وانتظر أبناؤها منها تطبيقا عمليا لهذه المشاهدات واستثمار الوقت المستقطع، اكتفت بفتح علبة “تونة”، وربما هاتفت محلات الوجبات الجاهزة.

تفصيل بناتنا على أنهن عرائس المستقبل، ومنذورات للزواج، وتفصيل الفتاة على الزواج فقط، وحصرها في هذه المهمة، قمة الظلم المجتمعي المفروض على فتيات قد لا يجدن في أنفسهن الرغبة ولا القدرة على الزواج، ويتحققن ماديا ومهنيا عوضا عن البقاء في ظل رجل قد تكون الحوائط المائلة، الآيلة للسقوط والتداعي أعتى من ظله الهش.

21