عروس المولد تتحدى الغلاء والتشدد وتعود للشارع المصري

ارتبطت الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف في البلدان العربية بعادات وتقاليد حافظت عليها الشعوب منذ سنوات طويلة، ورغم رياح التغييرات التي طالت نسق الحياة والتي أثرت على نمط حياة الأسر العربية، إلا أنها لم تؤثر على أجواء المولد النبوي إلا لماما، ففي مصر لم تقض الحياة العصرية على عروس المولد رغم أنها غابت لفترة لتعود بقوة.
السبت 2017/11/25
العروس تلبس أحلى ثيابها

القاهرة- لم يمنعني خوفي من عروس مصنوعة من الحلوى، من التعلق بها منذ الصغر، وكبرت وتغيرت ملامحي وظلت كما هي بملامحها المطموسة المرعبة أحيانا؛ شفتاها ملطختان بالأصباغ وجسمها منفوخ ويداها مثنيتان على خصرها ومراوحها المزركشة لا تبارح ظهرها.

هكذا قالت الفتاة ريم محمد لـ”العرب”، مضيفة “مرت سنوات طويلة من العمر كانت هديتي المفضلة التي أنتظرها كل عام، كنت أراقبها على الرف من بعيد وأخاف أن يأكلها النمل، ربما كنت أغار منها وأحسدها لأنها تتزين لتكون عروسا كل عام بينما لا أستطيع أن أكون مثلها إلا مرة واحدة في العمر”.

وعندما داهمها شوق جارف لعروسها المصنوعة من السكر، بحثت عنها على مدار السنوات الماضية في الأسواق فلم تجدها إلا لدى بعض المحلات، وكأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة. وقعت عيناها على عرائس بلاستيكية ملامحها جميلة وملابسها مهندمة، لكنها باردة مثل كل عرائسها التي كان من السهل أن تمتلكها في أي وقت من السنة.

اختفاء مؤقت

عانت العروس المصنوعة من الحلوى أزمات متلاحقة، بعد أن شبّت عليها المصريات منذ العصر الفاطمي، ومنذ سنوات جاءت عروس إفرنجية بلاستيكية من الشرق الأقصى لتسحب البساط من تحت قدميها وفرضت نفسها طواعية، وفي ذات الوقت كثرت التحذيرات من هذه العروس ووجهت لها تهمة احتوائها على ألوان وأصباغ صناعية غير آمنة صحيا.

ولما تنبه القائمون على صناعتها واستبدلوها بألوان طبيعية مصرح بها، اضطهدها أصحاب الفكر المتشدد الذي ألقى بظلاله عليها في عهد الإخوان وظهرت فتاوى حرمتها وتفتق ذهن هؤلاء المتطرفين على أن يلبسوها حجابا.

الصنايعية مع نار العروس اللذيذة

خلعت الحجاب وتحررت لتقع تحت وطأة ظروف اقتصادية صعبة وتراجع في القدرة الشرائية للمصريين، وصولا إلى ارتفاع الأسعار الذي خنق الكثير من الأسر المصرية وجعلها غير قادرة على شراء العروس لفتياتها.

وتوارت عروس المولد العام الماضي عن الأنظار بعد أن تآمر عليها التجار وأخفوا السكر وهو السلعة التي يعتمد عليها تصنيعها، وظهرت مطالبات بمقاطعتها هي وكل حلوى المولد.

شعرت ريم بفرحة عارمة عند بداية التجهيز لموسم المولد النبوي الشريف حاليا، عندما أكد القائمون على صناعة عروس المولدعودتها بقوة هذا العام ومضاعفة معدل إنتاجها والإقبال على شرائها عن الأعوام الماضية.

وأوضح محمود حسن (تاجر) أنها استردت عافيتها واشتد عودها، بعد أن شعرت بافتقاد الجميع لها، فالأغنياء يعتبرونها من وسائل الزينة المهمة، والفقراء جيوبهم تحتمل شراءها لأنها جزء من تراثهم الشعبيي.

وتوافق مع حالها المثل الشعبي “مصائب قوم عند قوم فوائد”، فارتفاع سعر الدولار أدى إلى تراجع استيراد العروس من الصين، كما أن تحكم المسؤولين في جشع تجار السكر وتوفيره بالأسواق، من الأسباب التي أدت إلى انتعاش صناعة عروس المولد.

وقال محمود لـ”العرب” إن عودة عروس المولد جاءت بعد تراجع سعر بيع السكر إلى 8 آلاف جنيه للطن (ما يعادل 458 دولارا)، مقابل 11.5 ألف جنيه (ما يعادل 658 دولارا) في الموسم الماضي.

ولم يستغرب أيمن عبدالتواب أستاذ الحضارة بجامعة عين شمس، من عودة عروس المولد إلى الشارع المصري بعد اختفائها السنوات الماضية، فهي كما قال تراث لا يمكن أن يمحوه الزمن، ربما يواريه لبعض الوقت، لكن ليس كل الوقت، فالمولد لا يكون إلا بعروس المولد فهي “نجمة الاحتفال”.

وأوضح لـ”العرب” أن روايات المؤرخين اتفقت على مصريتها، لكنها لم تتفق على بداية ظهورها، وعدد كبير أرجعها إلى العصر الفاطمي بعد أن أمر الخليفة الحاكم بأمر الله بخروج زوجته معه في موكب يوم المولد النبوي وكانت تلبس رداء أبيض وعلى رأسها تاج من الياسمين، فقام صناع الحلوى بتشكيل هيئتها في قالب من الحلوى لحث الشباب على الزواج.

وحاول البعض من المؤرخين الربط بينها وبين تقليد “عروس النيل” في عهد المصريين القدماء، وأثبتت الاكتشافات الأثرية الحديثة أن لها أصولا فرعونية، وتم العثور على نماذج مصنوعة من العاج والخشب في مقابر المصريين القدماء على هيئة الإلهة حتحور، رمز الأمومة والحنان لديهم.

باب البحر

أخذني الفضول للتعرف على كيفية تصنيع عروس المولد، فذهبت إلى شارع “باب البحر” المتفرع من شارع رمسيس بوسط القاهرة والذي اشتهر أهله بأنهم أساس هذه الصناعة ومنبعها، بل وتصديرها.

حارات وأزقة اصطف على جانبيها عدد من المحلات الصغيرة لبائعي الحلوى بكافة أشكالها وأنواعها، منهم من افترش الأرض بعرائسه وآخرون يجهزون لعرض حلواهم التي تتصدرها دائما عروس المولد والحصان.

لفتت انتباهي شابة جميلة في منتصف الثلاثينات اسمها ثريا، جاءت إلى المكان بعد إصرار ابنتها على شراء عروس من الحلوى، وبعد محاولات عديدة رضخت الأم. ألمحت ثريا إلى أن تلك العروس تلامس بداخلها حنينا لماض اعتقدت أنه ولى، لكنها اكتشفت عندما جاءت إلى المنطقة أن هناك من يحاول استعادة ذكرياته الجميلة وآخرين يصنعونها.

هدية تنتظرها الفتيات في المولد النبوي

عند الوصول لمنتصف الشارع وبعد الانحراف يمينا لحارة أخرى لا تتسع إلا لعدد قليل من الأشخاص، جلس أشرف العربي أحد أقدم صانعي عرائس حلوى المولد ومعروف بأنه حامي هذا التراث الشعبي من الاندثار.

عدم الترحاب ظهر جليا على ملامح وجه العربي، وقال بصراحة “اكتفينا”، وفي محاولة لمعرفة سبب ضجره ورفضه، ذكر أن “الصحافة والتصوير يخسرانه ما يقرب من أربعة آلاف جنيه (ما يعادل 236 دولارا أميركيا) يوميا بسبب ضياع الوقت والتصوير والكلام مع العاملين الذي يمنعهم من مواصلة صناعتهم في هذه الأيام، وبعد شد وجذب وافق شرط ألا يستغرق الحديث والتصوير أكثر من نصف ساعة.

بصوت أجش ورتابة وملل أشار العربي إلى أنه حاول الحفاظ على صناعة بدأها جده في الخمسينات من القرن الماضي، وورثها عنه والده، ليورثها له وهو بدوره سيورثها لأبنائه.

وتابع قائلا “عروس المولد كانت متواجدة في الماضي وحتى التسعينات طوال العام، ثم تفاوتت مدد ظهورها إلى أن اختفت لتظهر فقط في موسم المولد النبوي، لكن السنوات الماضية شهدت تواجدا ضعيفا لها”.

عاد سعر السكر فعادت العروس

منذ أيام عادت العروس لتسترد عشاقها، وانخفض سعرها 20 بالمئة عن العام الماضي، ما أدى إلى زيادة الطلب عليها، فمازالت العادات والتقاليد تمثل جانبا مهما لدى الكثيرين، فالأهالي يشترونها لأطفالهم وهم في مرحلة الحبو، وتظل تتلقاها كل فتاة حتى بعد زواجها.

يبدأ العربي تصنيع العروسة قبل المولد بحوالي 25 يوما، مشيرا إلى وجود ضغط وزحام كبيرين عليه، فشارع باب البحر كان به أكثر من عشرين مصنعا لعروس المولد، لكن مع أواخر التسعينات انسحب صانعوها وقل الطلب عليها واقتصر الأمر على مصنعين فقط.

ويحاول صاحب المصنع في تلك الفترة الزمنية القصيرة أن يوفي طلبات المحافظات وبعض القرى السياحية أيضا، فالسائحون يقبلون على شرائها كنوع من الفلكلور المصري، وهناك مستوردون لديهم معارض في دول عربية تعاقدوا معه بالفعل.

ويعوض التصدير تكلفة الصناعة، فمكونات تصنيعها بسيطة ولا تحتاج إلى آلات، لكن المشكلة في القائمين على الصناعة، فطقم (الصب) مهمته شاقة ومن المحتمل تعرضه لحروق نتيجة لانصهار السكر.

ويتكون من ستة صنايعية يتقاضى كل منهم 150 جنيها (ما يعادل 8 دولارات) يوميا، بالإضافة إلى سبعة أفراد، خمسة منهم يزينون العروسة واثنان للحصان ويتقاضى كل منهم ستة دولارات في اليوم الواحد.

تحسر العربي على الماضي، وقد كانت لكل ظاهرة عروس حلاوة، فهو إلى الآن يحتفظ بقالب شكوكو (فنان مصري كوميدي) وهو ممسك بعصاه، وغيره من الأشكال، كالجمل والأسد وكلها أشكال اختفت بسبب الإقبال فقط على العروس، فالفتيات دائما ينلن الدلع والاهتمام ويفرحن بعروسهن عكس الشباب فهم يريدون الحصان الحقيقي لا الحلوى.

نشاط الصنايعية

بمجرد الدخول إلى مكان التصنيع، ينتاب المرء شعور بالدفء يتحول إلى حر شديد تلمحه بسهولة في العرق المتصبب من جبين العاملين، بسبب الأدخنة المتصاعدة من أوان نحاسية موضوعة على مواقد متوهجة النيران، ويزيد من الحر الانبعاث الحراري من الفوانيس الكهربائية المعلقة في سقف غرف التصنيع.

العاملون في تلك الصنعة، يعملون بمهن أخرى مختلفة تماما باقي العام، لكنهم يتركون أعمالهم من أجل هذا الموسم، فهم كما قالوا لـ”العرب” ليس هناك أهم من المشاركة في الاحتفال بمولد الرسول.

التقدم في العمر لم ينل من عم رمضان، فخصلات شعره مالت إلى اللون الأصفر منها إلى الشيب، والدماء تدفقت في وجنتيه بجانب لمعان بشرته من الأبخرة الناتجة عن عملية التصنيع.

ولفت إلى أنه يتبارك بتلك الصناعة، ولم يتركها منذ 27 عاما، شارحا أن أولى مراحلها تبدأ بعمل قوالب خشبية بورش خاصة قريبة من مصنع العربي ويتم تصنيعها حسب الأوزان المطلوبة. القوالب الخشبية لا يتغير شكلها، فصنّاعها قليلون وأغلبهم من مدينة طنطا شمال القاهرة، وضغط الشغل عليهم يمنعهم من الابتكار.

وأضاف الحاج رمضان أن الأخشاب تقطع على شكل متوازي مستطيلات، حسب حجم العروس ثم تشق طوليا إلى نصفين متوازيين يرسم على إحدهما شكل النصف الأمامي للعروس والآخر نصفها الخلفي.

وبعد ذلك يتم ربط القوالب ببعضها بخيط سميك من الكتان وتغمر في مياه يجب أن تتخلل جميع مسامها الخشبية لتنخفض درجة حرارتها ويتجمد السكر المعقود بسرعة دون التصاقه بها، وبعد عملية النقع ترص القوالب على لوح من الزنك وطرفها المفرغ يتجه إلى أعلى.

ويستخدم رمضان خمسة أجولة في اليوم الواحد، كل منها يحتوي على 50 كيلو سكر، وتقتصر مهمته على غلي السكر بعد أن يضع مقدارا منه مع كمية مياه مناسبة في إناء نحاسي كبير على الموقد.

وأوضح “بعد الغليان نضيف قطعة خميرة ثم عرق حلاوة أو ملح وليمون ويقلب الخليط بحرص شديد حتى لا يتطاير رذاذه من الإناء ويحرقه، وعندما تكشف العجينة أي تبيض وتثقل، تنزل من فوق النار”.

حلوى السكر تتجمل

وينتقل القدر بعد ذلك إلى يد محمد الشاب الثلاثيني لكي يصب السكر المعقود (المغلي) بحذر بالغ في القوالب المتراصة ثم يتركها لمدة عشر دقائق حتى يتجمد السكر. ويحافظ محمد وزملاؤه على ملابسهم بارتداء واق مصنوع من الخيش (نوع من القماش).

الصهد المنبعث من وجهي الحاج رمضان ومحمد نتيجة لتعاملهما مع النار تحول إلى سعادة بالغة بدت على وجه رامي الشاب الذي تجاوز الـ35 عاما. وقال بفخر لـ”العرب” إن مهمته تعتبر الأصعب فهو يعمل “فكاكا” للعرائس من قوالبها الخشبية بعد التبريد، وهذا يحتاج لقوة وسرعة في آن واحد.

الخبرة الممتدة لأعوام جعلت العامل يستعرض مهاراته في فك أكثر من قالب خشبي وفي ثوان معدودة، فهو يعرف القالب الجيد الذي يسهل إخراج العروس منه عن الرديء الذي يحتاج إلى التحايل، ويصل الأمر إلى رش المياه لكي يطلق سراح العروس.

وتذهب العرائس من يد محمد إلى فريق تزيين تشارك فيه سيدات من المنطقة بعد احترافهن المهنة لسنوات. ترزي العروس، هو رجل على مشارف الأربعين أدواته مقص كبير وأوراق وقلمان في جيب قميصه.

يقول إنه يحفظ مقاسات خصر وأكتاف عرائسه عن ظهر قلب وهي نوعان؛ عروس بلدي يتم تزيينها بالمراوح وأوراق زينة مفضضة وسعرها بسيط يبدأ من دولار ولا يتعدى الدولارين، والنوع الثاني أغلى سعرا وتسمى العروس الإفرنجية، وتلبس أفخم وأرقى أنواع الزينة، وفستانها ملون له ثلاث طبقات يتم تدبيسها وتثبيتها بسلك.

وتحول أم رمضان العروس الصماء إلى لوحة فنية تسرّ الناظرين، فتلبسها فستانها ومراوحها مستخدمة النشا الأبيض للصق أوراق فضية اللون على مناطق متفرقة منها، ثم تضع لها مكياجا من الألوان الطبيعية لتظهر ملامح وجهها.

وأوضحت أم رمضان أن عروسها تتميز بالفخامة فهي تستخدم في تزيينها ورق البرغامين (نوع من الورق به زخارف محفورة) وأحيانا تستخدم القماش لتتفوق على العروس البلاستيكية.

خرجت من المكان بعد أن حصلت على إحدى العرائس لابنتي أملا في إقناعها بالمحافظة على تلك العادة، وعند الخروج من الحارة الضيقة وجدت أمهات كثيرات يحملن عرائس متشابهة.

تصوير: محمـد حسنين

20