"عروس برلين".. تداعيات بصرية تخلو من الحوار

فيلم "عروس برلين" يعود بالمشاهد إلى بواكير السينما الصامتة عبر قصة رجلين يعانيان من الفراغ العاطفي يجدان ضالتهما في دمية تكون سببا في تغيير مجرى حياتهما.
الاثنين 2020/07/06
تحولات غير متوقعة تجري في صمت

قليلة هي الأفلام التي يتخلى صانعوها عن الحوار أو يقتصدون فيه أكثر ما يمكن معتمدين على لغة الصورة. ومتى كان الفيلم غير لغة الصورة منذ بداياته، حيث يبقى تركيز المشاهد على جماليات الصورة وما فيها من أداء الشخصيات وجماليات المكان حيث تتّضح المهارة في بناء سرد فيلمي قادر على التعويض عن الحوار.

تقصّد المخرج ميكائيل بارتليت في فيلم “عروس برلين” (إنتاج 2020) الاستغناء عن الحوار في أغلب مساحة الفيلم الزمنية، وهو يعود بنا إلى بواكير السينما الصامتة في خطوة جريئة ما لبث المخرج أن عزّزها برؤية شعرية استمدّها من الكاتب الأميركي إدغار ألن بو والشاعر الألماني إي تي هوفمان، حيث تتدفّق الصور الشعرية التي أنتجاها من خلال هذا الفيلم.

ليست هنالك قصة متسلسلة للأحداث، ولن تجد ذلك الترقّب في أفلام الإثارة والحركة، فهنا فكل شيء يدبّ دبيبا صامتا.

والفكرة والمعالجة السينمائية تقوم على ثلاثي يتكوّن من رجلين ودمية أو مانيكان من تلك التي توضع في واجهة المحلات بإلباسها الأزياء المعروضة للبيع.

في البدء سوف يكون هنالك شخص بملابس ثمينة يزور مقبرة حاملا باقة ورد يضعها تكريما لأحد تلك القبور، ليكتشف عازف الأكورديون أن الرجل كان يضع الورد على قبر يحتوي ذراعه المقطوعة.

الفيلم لا يعتمد قصة متسلسلة، ويفتقد الترقب المنتظر في أفلام الإثارة،  لكنه يقدم معالجة شعرية  لا تخلو من فلسفة
الفيلم لا يعتمد قصة متسلسلة، ويفتقد الترقب المنتظر في أفلام الإثارة،  لكنه يقدم معالجة شعرية  لا تخلو من فلسفة

يعيش الرجل وسط تلك المانيكانات في محل الأزياء، وفي المقابل يكون هناك عامل نظافة يعثر في حديقة عامة على مانيكان ويحملها معه إلى المنزل، ولكن تسقط منه ذراعها في الطريق، وفي المنزل يلبسها ثوبا نسائيا لتتحوّل بالتدريج إلى كائن يشاركه يومياته.

يعثر صاحب محل الأزياء على ذراع المانيكان في إحدى الليالي وهو عائد إلى منزله فيحملها معه، ثم يجرّب زرعها بدل ذراعه المفقودة، لتنبت تلك الذراع وتعيش معه، ولكنها ذراع فتاة وبذلك تكون له ذراعان وكفّان إحداهما لرجل والأخرى لامرأة.

تحتل الذراع والكف هنا رمزية خاصة وخاصة جدا عندما تتوازى تلك التي للرجل في مقابل تلك التي للمرأة، والرمزية هنا تتّسع كثيرا وبعيدا باتجاه المرأة منزوعة الذراع تلك التي في منزل عامل النظافة، وتبدو تلك الدمية الأنثوية بما يوحي بالحزن والبؤس حيث استخدمت الإضاءة لغرض الوصول إلى هذا التأثير.

في لعبة الظل والضوء تحضر الدمية وهي مقطّعة الأوصال، كل قسم منها يظهر في شكل كتلة على الجدار والكاميرا تدور في أرجاء المنزل.

لا حاجة للقول إن الرجل يعود إلى ذكرى امرأة ما، لكنّها غائبة عنه، يخرج صورتها بالأبيض والأسود في مقابل الدمية الكبيرة التي صارت أكثر شبها بامرأة جالسة وتتأمل أو هي تحني رأسها حزنا.

في مشهد آخر يسترجع عامل النظافة ذكرى بعيدة، ولهذا يكرّم تلك الذكرى، يلبس طقما أنيقا كمن يدعو المرأة إلى مائدة العشاء، ليبدو سعيدا فيما المرأة الدمية ترمقه باهتمام وهو غارق في السعادة أن فتاته التي استرجع سيرتها وصورتها قد عادت إلى عالمه وإن كان ذلك حلما أو خيالا فليكن كذلك، لكن حضورها الطاغي في عالمه صار أكثر قوة وتأثيرا.

على الجهة الأخرى يكون الشخص صاحب محل الأزياء قد بدأ بتجريب استخدام ذراع الفتاة وكفّها، جسم غريب يتداخل ويتفاعل مع أعضاء جسمه، ثم ما تلبث كفّ المرأة أن تظهر مهارات ملفتة للنظر وحركات تدهشه ولهذا يصطحبها إلى العديد من الأماكن بما فيها حفلات الأصدقاء.

وحتى وهو في عزلته التامّة فإن بإمكان الفتاة ملامسة وجهه ومنحه تلك اللمسة الأنثوية الحانية، ثم ما تلبث الكفّان أن تتناوبا استخدام أحجار الشطرنج فكفّه الأصلية تبارز كفّ الفتاة.

وكذلك في مشاهد أخرى بإمكانها مشاكسته وأن تتّصل طالبة آلة البيانو التي تصل إلى المنزل دون علم الرجل الذي يبدو متحيّرا من الأمر.

ليست هنالك قصة متسلسلة للأحداث، ولن تجد ذلك الترقّب في أفلام الإثارة والحركة، فهنا فكل شيء يدبّ دبيبا صامتا

تتوالى المشاهد الخيالية بالنسبة للرجل الذي يجمع القمامة، إذ يجد نفسه في حديقة عامة وقرب بحيرة صغيرة وثمة فتاتان تشيران له فيما هما في زورق صغير، لكنهما سرعان ما ستتحوّلان من وجهة نظره إلى مجرد دميتين لا أكثر، ولا معنى لوجودهما سوى ذلك.

على أن الذروة تكون قد تحقّقت في هذه الدراما الفيلمية الصامتة من خلال سعي جامع القمامة لانتزاع ذراع صاحب مستودع الأزياء لإكمال النقص في الدمية ومنحها ذراعا ناقصة أكمل بها مظهرها، وقد تحوّلت بالنسبة إليه إلى امرأة حقيقية بشكل ما.

لكن المفارقة والحبكة الثانوية سوف تقع عندما يكتشف جامع القمامة أنه قام بقطع ذراع الرجل الصحيحة ولم ينتزع منه ذراع الفتاة كما كان يظن، وبذلك يكون قد دخل في مأزق جديد لم يكن يتوقّعه من قبل.

في المقابل، ماذا لو أصيب جامع القمامة بنوبة هلع مفاجئة وخرج في وسط الظلام بحثا عن جثة صاحب المخزن في مشهد تطهير مؤثر، فكلاهما يعانيان من عزلة وفراغ إنساني وعاطفي كبير وكانت تلك المانيكان سببا في تحوّلات غير متوقعة وغير مسبوقة وقعت لكليهما.

16