عروض فنية صاخبة لعلاج المزاج السيء في مصر

عروض فرقة مزاهر تجمع بين الصخب والروحانية والغموض، وجمهورها لم يعد يقتصر على المصريين حيث أصبحت تجتذب الأجانب.
الأربعاء 2018/02/28
طقوس تحرر المرأة من القيود

فور دخولك إلى هذه المساحة الصغيرة سينتابك شعور بالألفة، ديكورات موزعة بعناية من دون تكلف، أشياء بسيطة تبث فيك إحساسا بالأصالة وتحرك في داخلك ذكريات قديمة، الحوائط المرتفعة، ذلك المذياع العتيق المعلق على أحد الرفوف، الكراسي الخشبية الموزعة بعناية حول مساحة تشكل نصف دائرة سلّط عليها ضوء خافت. السيدات اللاتي يتجهزن للعرض يوزعن ابتساماتهن الطيبة على الحاضرين.

يزيد من هذه الألفة ذلك الاسم المعبر الذي تحمله هذه القاعة الصغيرة الكائنة في وسط القاهرة، إنها مؤسسة “مكان”. في هذه المساحة هناك فرق تقدم عروضها بشكل يومي تعرض ألواناً مختلفة من الفنون؛ بين هذه الفرق تأتي فرقة “مزاهر” كأحد أبرز الفرق المتخصصة في فن الزار، ربما كانت الفرقة الوحيدة في مصر التي تتبنى هذا الفن، وتقدمه للجمهور في إطار استعراضي، في محاولة منها للحفاظ على تقاليد هذا الفن المعرض للاندثار.

تجمع عروض فرقة مزاهر بين الصخب والروحانية والغموض أيضاً. تبدأ الفرقة فقراتها بالمديح على الرسول، وأولياء الله الصاحين، ثم لا يلبث الصخب أن يعمّ المكان، مزيج من نقر الدفوف وقرع الطبول والآلات البدائية تشارك صوت المؤدية الرئيسية للفرقة، وهي سيدة سمراء ترتدي عباءة سوداء، تتمايل في طرب مع صوت الموسيقى، ويتزايد تمايلها شيئاً فشيئاً مع ارتفاع وتيرة الآلات وصخبها فتعم المكان حالة من الحركة والحماس.

صوت السيدة يبدو مدوياً، تستطيع بالكاد أن تتبين كلمات الأغنيات أو التراتيل المسجوعة التي تؤديها، هي خليط من الكلمات العربية واللهجات المحلية في صعيد مصر والسودان. تتوالى الفقرات الواحدة تلو الأخرى وسط تجاوب من قبل الحضور.

 يأتي هنا جمهور من كافة الأعمار، بينهم مصريون وأجانب جاؤوا للاستمتاع بهذا النوع من الغناء. تسعى فرقة مزاهر للفنون الشعبية إلى تحويل هذا الطقس الذي كان يستخدم لطرد الأرواح الشريرة إلى حالة فنية تعالج المزاج السيء عند الحضور كما يقول مؤسس هذه المساحة.

موسيقى قريبة من الروح الأفريقية
موسيقى قريبة من الروح الأفريقية

مؤسسة مكان هي واحدة من المساحات الفنية ذات الخصوصية التي تتبنى تلك الأنواع من الفنون والموسيقى الشعبية، كفن الموال والمديح والغناء الشعبي، وغيرها من الفنون الأخرى، ولعل الزار هو أكثر هذه الأنواع الفنية تهديداً بالاندثار، فممارسوه اليوم يعدون على أصابع اليدين في مصر، بعد أن كان واحداً من الطقوس الشعبية التي كانت منتشرة، ليس في مصر وحدها بل في أماكن عدة من الوطن العربي.

شمل الزار مجموعة من طقوس الغناء والرقص كانت تستخدم من أجل الاستشفاء، وهو الطقس الوحيد الذي تتولى فيه المرأة أهم الأدوار. في هذا الطقس تستطيع المرأة أن تتحرر من القيود وتعبر عن نفسها بحرية بعيداً عن الأعراف والتقاليد السائدة في مجتمعاتنا المحافظة، فهي تغني وترقص وتلقي بهمومها وراء ظهرها بلا قيد.

 لقد تراجع الاهتمام بهذا النوع من الموسيقى مع تنامي الأفكار المتزمتة في المجتمع حتى بات وجوده مهدداً تماماً. اليوم ليس هناك سوى مجموعة محدودة من الفرق التي تمارس هذا النوع من الطقوس الموسيقية في مصر.

أحمد المغربي هو المؤسس الحقيقي لمساحة “مكان” تلك المساحة الصغيرة الواقعة في إحدى البنايات القديمة في وسط البلد بالقاهرة والمواجهة لضريح الزعيم المصري سعد زغلول، وهي المساحة الوحيدة في مصر تقريباً التي تحتفي بهذا الطقس.

أسس المغربي تلك المساحة في نهاية التسعينات من القرن الماضي، ومنذ تأسيسها حتى اليوم وهي تجتذب المزيد من الفرق والمهتمين بهذه الأنواع من الموسيقى الشعبية، من كافة أنحاء العالم.

 يقول المغربي “كانت تلك العروض في البداية تواجه بشيء من الريبة والتوجس نظراً لارتباطها بعدد من المفاهيم المغلوطة التي تصدرها لنا وسائل الإعلام عن تلك الممارسات الموسيقية، وتصويرها بأنها تمارس فقط لطرد الشياطين والأرواح الشريرة، ولكن مع الوقت تغيرت هذه النظرة، وبدأت العروض في اجتذاب المزيد من المتابعين من كافة الشرائح المجتمعية، لا يقتصر الأمر على المصريين فقط، بل إن هناك حضورا ملحوظا أيضاً من الأجانب الذين يأتون خصيصاً من بلدانهم لحضور هذه العروض تحديدا".

اللافت في تلك العروض أنها تقدم نوعية مختلفة من الموسيقى، هي موسيقى قريبة من الروح الأفريقية، لكنها تنتمي بلا شك إلى الموروث المصري، فقد عرفها المصريون كغيرهم من شعوب المنطقة منذ العشرات من السنين، بل ربما من مئات السنين.

21