عزالدين المناصرة: من يزعم أن بوصلته فلسطين هو ألد أعداء ثقافتها

الجمعة 2013/10/25
المناصرة: المنفى يصلح للزيارة ولا يصلح للإقامة

عمّان- الشاعر عز الدين المناصرة رائد التوقيعة الشعرية في الشعر العربي الحديث، اكتظّت سيرته الذاتية بالمنافي، وهي قدر الفلسطيني، والفصل التعسفي من العمل، وهو قدر كل من يجاهر بالحق والحقيقة، والمعارك والسلاح، وهي قدر الثائرين في الأرض على كل استبداد أو احتلال وكل ما سبق يطبع حياة الإنسان بالقلق وعدم الاستقرار.

جريدة العرب التقت بالمناصرة في مدينة عمان، مكان إقامته، وأجرت معه حوارا انعقد للنظر في ملامح تجربته الشعرية والحياتية في اتصالها بالشأن الفلسطيني وحضوره في النصّ الأدبي.

الشاعر عزالدين المناصرة من مواليد محافظة الخليل الفلسطينية سنة 1946. حصل على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة صوفيا 1981. ويعتبر من مؤسسي الحداثة الشعرية في فلسطين.

عاش متنقلاً بين مصر والأردن ولبنان وبلغاريا وتونس والجزائر، ولم يُسمح له بالعودة إلى مسقط رأسه منذ 1964 وحتى الآن. شارك في الثورة الفلسطينية ليس بقلمه فقط، بل حمل السلاح للدفاع عن المخيمات الفلسطينية في لبنان وشارك في معارك عديدة في الجنوب اللبناني، وتعرض للفصل التعسفي من عمله في جامعة قسنطينة بالجزائر عام 1987 ومن عمادة كلية العلوم التربوية "وكالة الغوث الدولية" عام 1995.

كانت قد أبعدته السلطات الأردنية بقرار رسمي مع زوجته وطفله إلى تونس عام 1982 وسحبت منه الجنسية الأردنية، ولم يسمح له بدخول الأردن التي يقيم فيها حالياً إلاّ في عام 1991، وفي ذلك يقول: "هذي المنافي قبورٌ، وهذا السوادْ/ وهذي الحجارة، ليست لنا… إنَّها للرمادْ".


طيور منفية


ثمة سمات فنية وحياتية عديدة يرشح بها تاريخ الشاعر عزالدين المناصرة، من ذلك رحلات منافيه التي يقول في شأنها: "غادرت الخليل، بتاريخ 15 /10 /1964، ولم أرها منذ ذلك اليوم: ركبت أول طائرة في حياتي من مطار قلنديا في القدس نحو القاهرة للدراسة ورغم أنني ركبت بعد ذلك مئات الطائرات في هذا العالم، إلاّ أن ما بقي في رأسي هي طائرة مطار قلنديا فقط.

لأن المنفى يصلح للزيارة، ولا يصلح للإقامة. حيث لا مكان في العالم يصلح للطمأنينة سوى مسقط الرأس، وكلُّ الطيور تعود إلى أوطانها حتى لو حكمها دكتاتور، باستثناء الطيور الفلسطينية، لأن الاحتلال الإسرائيلي لها بالمرصاد، رغم أنها تقاوم. والمنفى، مكان مؤقت تشعر فيه بأنك معلَّق في الهواء الفاسد.. قاومت الفكر الاندماجي في المنافي لأنه يسحق هويتي الفلسطينية -أنا فلسطيني من أصل فلسطيني صقل المنفى شخصيتي وتعلمت منه المقاومة بأنواعها/ الصلبة والناعمة/ كما تعلمت منه /جدلية الصلابة – المرونة/ ولم أستسلم لأساليب القهر فدائماً يمكن أن نقاوم، ولكن أصبح حلمي بسيطاً: أن تدفن جثتي تحت دالية عنب خليلية قبالة البحر الميت".


زمن كالأظافر


ومقابل هذا الصدق في القصيدة كما في الحياة نستذكر إحدى توقيعات الشاعر التي تقول: "مثل ذاك الشاعر الكذاب لم تشهد عيوني/يرسم الكلب… حمامة/ ويوازي بين مقهورٍ… وقاهر/ فإذا جاء زمانٌ كالأظافر/ قال إن العين لا تعلو على الحاجب/ إن شئت السلامة" وزماننا الآن هو زمان كالأظافر أزاح الستار عن كواليس تفكير ومواقف مثقفين شكلت صدمة لمتابعيهم، ويتجلى رأي المثقف والثائر المناصرة في هذا الزمان الثائر بقوله: "يطمح الإنسان العربي إلى الحرية والكرامة مثل كل البشر في شتى أنحاء العالم. ففي البلدان العربية، خرجت الملايين من الناس، تطالب بوقف الفساد، والتغوّل المخابراتي، وتطالب بتوزيع الثروات بعدالة، لكن دون جدوى.

لقد أصبح رأس المال المالي هو الإله الأكبر في المؤسسات الاقتصادية والثقافية وفي الجامعات، ووسائل الإعلام المملوكة لتيار التطبيع الثقافي مع إسرائيل، حيث تمَّ إجهاض الرأي الآخر.

ومن يتابع "الثقافة" في الفضائيات العربية، يكتشف دون عناء أن هؤلاء الذين يزعمون أن بوصلتهم الثقافية فلسطين، هم ألدّ أعداء الثقافة الفلسطينية شراسةً وخبثاً. تفاءلت في البداية بهذه الثورات في ميادين العواصم، تفاءلت بالجماهير الهادرة بأصواتها الجماعية الواضحة، التي تطالب بإزالة الطغيان والاستبداد، لكنني وجدتُ /المثقفين الانتهازيين/ يتسللون من بين الشقوق. بصراحة: نريد ثورة في الثورة، ونريد ثورة على الثورة، ونريد ثورة مستمرة تكنس الفساد والاستبداد، وأنا شخصياً أربط أية ثورة أو احتجاج أو انتفاضة بمدى الجدوى لقضية فلسطين".

والتوقيعة السابقة التي تحمل اسم "الشاعر الكذاب" تتيح لنا الانتقال إلى تاريخ التوقيعة الشعرية وإلى توقيعات عز الدين المناصرة الذي تتصف معظم مقطوعات قصائده الشعرية الطويلة بغنى المعنى والدفق العاطفي والتكثيف وبالتالي تنتمي إلى "التوقيعة" ومنها

مقطع من قصيدة "محاورات الباب العالي: "ضحكت شفتاك وكنت بشوشاً/ ثم جلست أحدث نفسي/ عن طيبتك العليا: كالحالم/ لكن يا مولاي/ ألقيت الحجر على رأسي وأنا نائم ". ومن قصيدة "وكان الصيف موعدنا" نقرأ: "جيوش الشوق… ما مرت… وأحبابك/ مضت سنتان… ما دقّوا على بابك/ ومن يدري/ أيرجع عطفك الغامر/ وتستمعين للشاعر".

وحول تاريخ التوقيعة الشعرية يحدثنا رائدها المناصرة قائلاً: "في الواقع هناك قصائد كثيرة تحمل اسم توقيعة مبعثرة في دواويني الأحد عشر، لكنك تشيرين إلى ميزة لم يلاحظها النقاد والباحثون، أي وجود "توقيعات"، ضمن القصائد الطويلة، فالتوقيعة قد تكون مستقلة، وقد تكون ضمن جسد القصيدة الطويلة. وقد قمت بالتمييز بين / التوقيعة (أي الإبيجرام) وبين "الومضة" التي لا حدود لها.

لقد كتبت أول قصيدة (توقيعات) عام 1964، وقرأتها خلال أمسية شعرية في الجمعية الأدبية المصرية، التي كنت عضواً فيها، بحضور صلاح عبدالصبور، وعزالدين إسماعيل وغيرهما. وهكذا استعملت اسماً عربياً بدلاً من كلمة "إبيجرام" اليونانية هو "التوقيعة". وقد أخذته من المصادر التالية: المقطّعات الجاهلية، التوقيعات النثرية العبّاسية، الهايكو الياباني، الإبيجرام اليوناني، حيث تُرجمت بعض النماذج الأجنبية في الستينات.

توقيعات المناصرة تنتمي إلى الإبداع

وقرأت القصيدة نفسها "توقيعات" في مهرجان فلسطين الشعري الثاني، وفي هذا المهرجان قرأت بنفسي لأول مرّة بمصر قصائد محمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زيّاد، إذْ لم يكن الجمهور المصري يعرفهم قبل هذا المهرجان. وفي عام 1967 أيضاً نشر نزار قباني قصيدته الشهيرة "هوامش على دفتر النكسة"، التي أسماها قصيدة /التلكس = البرقية/، وهي تشبه قصيدة التوقيعة، بل هي توقيعات في الواقع.

ومنذ عام 1984، ظهرت قصيدة التوقيعة تحت عنوان (لافتة) عند الشاعر العراقي أحمد مطر. وفي عام 2000، ظهر في مصر ديوان "دمعة للأسى، دمعة للفرح" لعزالدين إسماعيل. وقد ازدهرت قصيدة التوقيعة منذ أول التسعينات تقريباً في قصيدة النثر العربية، وما تزال، فأصبحت اليوم نوعاً شعرياً مميزاً في الشعرية العربية".

ظهر عام 1945 كتاب "جنّة الشوك" لطه حسين، وظهرت مؤخراً أطروحة دكتوراه عام 2010، وأطروحة ماجستير عام 2012 في جامعة عين شمس بمصر، تقولان إن طه حسين هو رائد فن التوقيعة (الإبيجرام) النثرية، لكن للمناصرة رأي مختلف في كتاب طه حسين "جنة الشوك" فيقول معقباً: "لقد قرأت كتاب "جنّة الشوك" في الستينات، ولم أقتنع بما كتبه طه حسين في مقدمته النقدية لنصوصه التي قال إنها "إبيجرامات"، فهي "خواطر تأملية" ليس فيها من مواصفات الإبيجرام سوى أنها نصوص قصيرة، ولهذا بقيتُ مُتشكّكاً في وصفها بـ"الإبيجرام" طيلة العقود الماضية، وقد وجدت ما يؤيد الشكّ عندي، عندما قرأت في الألفية الجديدة للأكاديمي المصري إبراهيم عوض مقالاً علمياً ينفي فيه أن ما كتبه طه حسين في "جنّة الشوك" هو إبيجرامات نفياً قاطعاً، حيث رجع هذا الباحث إلى المراجع الفرنسية حول تعريف الإبيجراما.

بالنسبة إلي كان همّي في الستينات أن أقدّم للقرّاء اسماً عربياً هو "قصيدة التوقيعة"، وأن أحدد تعريفاً دقيقاً لها، وقد قدّمته لاحقاً، ونقلته العديد من المراجع العربية".


قصيدة التوقيعة


وحين يتقن الأديب أو الفنان أحد الفنون أو الآداب ويكسرها مقدماً لنا ما هو مفيد وجميل فهذا إبــداع، وتوقيعات المنــاصرة الشعريــة تنتمي إلى الإبداع، وهـو يقول في شروط التوقيعة لمن استسهل هذه الحالة من كتابة الشعر التي امتلأت بها صفحـات التواصل الاجتماعي وجلها عاجز عن إحداث أثر ما "قمت بتعريف "التوقيعة = الإبيجـــرام" على النحو التالي : التوقيعــة هي قصيــدة قصيرة جداً تتميز بالإيجاز والتركيز وكثافــة التوتر. عَصبُها (المفارقة) الساخرة، والإيحــاء، والانزياح والترميز. تحكمها الوحدة العضويــة، فهي مستقلـة متمركزة حــول ذاتهــا.

أو تكون مجتزأة، يمكن اقتطاعها من بناء القصيدة الطويلة. وهي في شفافيتها وسرعتها تشبه ومضة البرق، لكنها ليست مائعة الحدود كالومضة، وكل توقيعة هي قصيدة قصيرة جداً، لكن ليست كل قصيدة قصيرة… توقيعة.

أما بالنسبة إلى شعرية الفيسبوك، فتعتبر التوقيعة مدخلاً للتغريدة الشعرية، وكتّاب "التغريدة" مختلفي المستويات الثقافية والإبداعية، حيث يمكن لشخص عادي غير مثقف أن يمارس كتابة التغريدة النثرية، ولكنها حتماً تميل إلى الاختصار، فهي مجرد تعليق سريع، يطير في الهواء مثل فقاقيع الصابون الملون".

15