عزالدين الناجح: على الباحثين العرب أن يستنيروا بالمناهج الأكاديمية الغربية

الثلاثاء 2014/10/07
عزالدين الناجح: الباحث التونسي يستحي كثيرا من المعرفة ومن قارئه

عزالدين الناجح، أكاديمي وباحث تونسي، من مواليد محافظة تطاوين سنة 1976. حاضر في عديد الدول العربية، ويدرّس الآن في كلية الآداب بمنوبة وكلية 9 أفريل بتونس العاصمة، صدر له العديد من الأعمال نذكر منها “التداولية”، وهو كتاب مترجم عن الأنكليزية و”المطالعة: مقاربات ومحاولات” و”العوامل الحجاجية في اللغة العربية” و”الحجاج في الخطاب القانوني - مشروع قراءة”. “العرب” التقت الناجح وتحدثت إليه حول ميدان البحث والتعليم في تونس وعن المشهد الثقافي بصورة عامة، والمشاكل التي يتعرض لها الناقد والعديد من القضايا الأخرى، فكان هذا الحوار.

يستهل عزالدين الناجح حديثه عن الباحث التونسي اليوم، في خضم المعارك النقدية وموقعه ودوره على المستوى العربي، فيقول: «الباحثون التونسيون اليوم في خضم هذه الأحداث، انقسموا إلى طرائق عديدة، ويمكن تصنيفهم في خانتين كبيرتين: الأولى تضم من وقفوا على الربوة، واعتكفوا واكتفوا بالمشاهدة، والثانية تضم من قاموا بالمشاركة في الحراك الاجتماعي، والاهتمام بالشأن العام، فمنهم حتى من شارك في المجلس التأسيسي، ومنهم من ترشح للانتخابات التشريعية، وحتى الرئاسية».

ويضيف: «لكن عدد المشاهدين أكثر من عدد المشاركين، أما دور المثقف التونسي اليوم على الصعيد العربي، فلا يخفى على كل ذي صلة بقطاع الثقافة أنه دور محترم، على الأقل في القطاع الأكاديمي، الذي أدّعي أنني أعرفه، وليس أدلّ على ذلك أنك لاتجد كلية أو جامعة عربية إلا وفيها تونسي يشرف على التدريس والأبحاث وتأطير الطلبة، شأنها شأن عدة قطاعات اخرى كالصحافة مثلا».

الساحة التونسية تغص بالمثقفين الذين شاركوا في الحراك الثوري، لكن المسألة مسألة تفاوت في الاهتمامات


المثقف والسياسة


عن أسباب خلوّ الساحة السياسية من مثقفين يتحملون المسؤولية ويدافعون عن قيم الثورة، يرى الناجح أن الساحة التونسية تغص بالمثقفين الذين شاركوا في الحراك الثوري، لكن المسألة مسألة تفاوت في الاهتمامات والمشاغل والطموحات، وإذا كان هناك عزوف عند بعض المثقفين، في رأيه، فذلك عائد إلى ما يسميه نوعا من الإحباط الذي يطرأ على أيّ فرد، ومأتى هذا الإحباط هو ارتفاع سقف المطالب لدى بعض المنسحبين، الذين يرون أن الشعب خذلهم، وأنه ليس أهلا لأن يشتغل المثقف من أجله.

وعن مسألة ميل النقاد اليوم إلى الدراسات الغربية، وتركهم للمدارس العربية، يعتقد الناجح أن السبب بسيط وواضح، وهو أن الدراسات الغربية الإنسانية، اليوم، أكثر عقلانية ونجاعة مما نراه ينشر عندنا في عالمنا العربي، والسبب يعود إلى تقدمهم العلمي وتأخرنا في هذا المجال. يقول: «طبعا لا يفوتك أن الدراسات الغربية اليوم، على تطورها وطرافتها، نجد لها صدى في ما قاله أجدادنا، عندما كانوا سباقين إلى مدارج العلم، أضرب لك مثالا على ذلك، أن أحدث النظريات اللسانية اليوم، تجد لها نواة صلبة في ما قاله اللغويون العرب، لذلك يقع الحافر على الحافر في إطلاقية الفكر البشري».

ويتابع قائلا: «أما اليوم، فإن الباحثين العرب في حقل المعارف الإنسانية، يجب عليهم أن يستنيروا بما يقوله الغرب مستأنسين بما قاله أجدادنا حتى نقف على القيمة العلمية لتراثنا العظيم، وهذه مزية لا بدّ من التنويه بها في جامعتنا التونسية، حيث تجد الباحث يؤثث أطروحته وأبحاثه عامة بقائمة مراجع ومصادر متعددة المشارب، فرنسية وأنكليزية وغيرهما من اللغات».

وعن أسباب تراجع ترتيب الجامعات التونسية في العالم، يقول الناجح: «مسألة الترتيب مسألة سياسية اقتصادية، الجامعة التونسية جامعة تحترم نفسها، وتعرف حقيقة حجمها، لكن ما تراه يصدر من تقارير فيه كثير من اللبس، لأسباب عديدة، وأنتم تعرفون أن مسألة الترتيب تخضع لعدّة مقاييس، منها الإنتاج الأكاديمي، ونوعية البرامج، والجودة، إذن موضوع الترتيب يبقى كما قلت لك نسبيا رغم ادّعاء الموضوعية فيه. لكن إذا سلمنا بمبدإ تراجع الجامعة التونسية، فهذا راجع إلى أسباب سياسية وسياسات تعليمية، منها مسألة نظام “أمد” وغيرها. لكن أطمئنك وأطمئن القارئ العربي، أن للجامعة التونسية سدنتها، وأن الباحث التونسي باحث يستحي كثيرا من المعرفة ومن قارئه».

صراع واه


عن موضوع الصراع بين المدارس المشرقية والمغربية، وهنا نقصد المشرق والمغرب العربيين، فهو متواصل في الكتابات النقدية والأبحاث العربية بصفة عامة، ويؤكد الناجح على أنه ليس صراعا، بما في مصطلح الصراع من مفاهيم، بعضها إيجابي وبعضها سلبي، ولكن ما نراه من اختلاف بين المشارقة والمغاربة، هو من قبيل التعدد في المقاربات، بعضها رصين عقليا وجديّ، وبعضها مزاجي انطباعي ارتجالي، ولكن كلا المقاربتين يكمل بعضها بعضا، في اعتقاده.

الناجح: التعليم قاطرة تقدم الأمم

اليوم صرنا نسمع عن مدارس نقدية وليدة وجديدة، فهل أن هذا المجال محكوم عليه بالتغيّر حسب كل التحوّلات التي يشهدها العالم راهنا؟ هنا يجيب الناجح قائلا: «طبعا التطور الذي نشهده اليوم في ميدان الاتصالات والبيولوجيا مثلا لا يمكن أن نفصله بأيّة حال من الأحوال، عن النظريات في العلوم الإنسانية، لأن العقل البشري يشتغل في كليته على نمط غريب من الانسجام، ولكن الاستدلال على استرسال الاختصاصات والميادين المعرفية والمشارب العلمية يبقى رهين الدرس الإبستمولوجي، الذي يبرر هذا الاسترسال فيما بعد».

ويتابع قوله: «الحقيقة إن الباحث الحق لا يستطيع أن يكون راضيا عن نفسه تمام الرضى كي يتقدم إلى الأمام، وإلا فإنه سيبقى رهين محبسه، وكلنا يعلم أن من لا يتقدم فإنه يتأخر، وهذه مزية أخذناها من أساتذتنا ومعلمينا الأوائل».


واقع العلوم الإنسانية


وعن واقع العلوم الإنسانية في ظل التكنولوجيات الحديثة في تونس وفي العالم العربي، يقول الناجح: «في الحقيقة واقع التعليم في تونس وفي العالم العربي عامة واقع يمكنك استخلاصه من منزلة الأمة العربية اليوم بين الأمم الأخرى، فهو -ولا شك- واقع حزين، فالتعليم هو القاطرة التي تتقدم بها الأمم، لكن أنظمة التلعيم في عالمنا العربي أنظمة مازالت متخلفة، رغم المردود المحتشم لبعض التجارب المحتشمة، التي من سوء الحظ أنها لم تنجح، لأنها لم تطبق بحذافيرها من قبيل استلهام المدرسة التونسية للمقاربة بالكفايات من المدرسة البلجيكية، واستلهام تجربة “أمد”، وغيرها من التجارب، فالتجربة المغربية نسخة عرجاء لأنظمة ومنظومات من التجارب الأوروبية التي نجحت عند أهلها، نظرا إلى أن البيئة تساعد على نموّ تلك التجارب وتخصيبها».

ويتابع قائلا: «في كلمة فإن واقع التعليم في العالم العربي لا بدّ له من مراجعات علمية وتعلّمية وبيداغوجية دقيقة، وفق سياسات ومنهجية تكون كلها مدروسة لتلبية الحاجات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية للفرد العربي، منذ المرحلة الابتدائية إلى غاية المرحلة الأكاديمية، ولا يكون هذا، كما قلنا، إلا عبر سياسات واضحة المعالم، أما في ما يخص واقع العلوم الإنسانية فهو واقع مزر في الحقيقة، لأنه متعرض للتهميش، ليس من قبل أهل الحل والعقد فحسب، بل من قبل المجتمع في حدّ ذاته».

ثمّ يختم: «انظر مثلا إلى الفرق بين منزلة طالب التاريخ أو الفلسفة وطالب الطب أو الهندسة فإنك ستعرف الفرق. انظر مثلا إلى الفروق الاجتماعية بين أستاذ التاريخ أو الجغرافيا وأستاذ علم التشريح الباطني أو أستاذ الهندسة النووية فستدرك الهوة. انظر إلى الفرق بين كلية الطب وكلية الآداب سترى الهوة. والحقيقة أن العلوم الصحيحة لا تتقدم إلا بتقدم العلوم الإنسانية، والعكس صحيح أيضا، لأن الفكر البشري يشتغل في إطلاقيته. لا فرق بين نظرية النسبية ونظرية النشوء والارتقاء. وعليه نوصي بأن يفكر أهل الحل والعقد في العلوم الإنسانية، وإعطائها منزلتها التي تستحق، فهي قوت القلوب والأرواح».

15