عزالدين ميهوبي وزير جزائري دوره أكبر من حقيبته

السبت 2016/10/15
عزالدين ميهوبي ظاهرة ثقافية تثير الجدل

أبوظبي- يشتكي مثقفون جزائريون كُثر من إقصاء متعمد لدورهم في بناء الدولة الوطنية، وهذا ليس صحيحا من الناحية العملية. إذ لا يمكن لأيّ سُلْطة أن تستغني عن مثقفيها، والمسألة تبقى متعلقة بالمكانة والوظيفة التي يحظى بها هذا المثقف أو ذاك هذا أولا، وثانيا؛ هناك اختصار للمثقف في المبدع ـشعرا ونثراـ فقط، وهذا ينقص من تعريف النظريات السوسيولوجية للثقافة بشكل عام والمثقف بشكل خاص، لأن متخصصين وتكنوقراطا وكتابا ومبدعين اعتلوا العديد من المناصب الوزارية في الجزائر منذ الاستقلال في 1962 إلى الآن، وثالثا؛ أن وزارات ذات صلة بالثقافة بشكل مباشر، كان على رأسها مثقفون فاعلون وأصحاب رؤية ومشروع مثل وزارة الشؤون الدينية التي قادها لعدة سنوات الكاتب والمترجم مولود قاسم نايت بلقاسم، أو وزارة التربية التي ترأستها الروائية زهور ونيسي، أو وزارة الثقافة التي يرأسها اليوم الكاتب عزالدين ميهوبي.

يختلف وزير الثقافة الجزائري الحالي عزالدين ميهوبي عن كل المثقفين الذين سبقوه في الحكم، في قضية جوهرية، وهي تميزه عنهم، بغزارة إنجازه المعرفي في مجالات شتى، تقدمت فيه الثقافة على السياسة. أي أنه كاتب وشاعر وإعلامي ثم رجل دولة، إذا نظر إليه من زاوية الإنتاج الفكري والثقافي، وهو يتحرك ضمن مسارات ثلاثة، هي الإبداع في مجالات مختلفة في حركة متواصلة مهما تغير موقعه، أي أنه وفيٌّ للثقافة، والدليل على ذلك عدد الكتب التي ألفها في الشعر والرواية والفكر والمسح والرياضة.. إلخ.

وكذلك الإعلام، من حيث هو سلطة أقوى من كل السلطات، وهو خبير في أنواعه الثلاثة، المكتوب كرئيس تحرير “صحيفة الشعب”، أول يومية بالعربية بعد استقلال الجزائر. والتلفزيوني والإذاعي معه، وفي كل تلك الوسائل كانت له بصمته الخاصة. وأخيراً؛ العمل من داخل مؤسسات الدولة، بما يحقق طموحه الشخصي، الطبيعي والحقيقي، سواء في مواقع إدارية أو برلمانية أو سياسية.

رجل الدولة في الميادين

ميهوبي منذ تخرّجه في المدرسة الوطنية للإدارة بالجزائر، كان دائما في سباق مع الزمن، ولو أحصينا المناصب التي اعتلاها خلال الـ32 سنة الماضية، نجدها تجاوزت 15 منصبا هاما، تنوعت بين الصحافة والثقافة والإدارة والمسؤوليات الحكومية، وخلال هذه الفترة كلها ظل على صلة مباشرة أو غير مباشرة مع الإبداع، وكأن الكتابة هي وظيفته الأولى، حتى أن مؤلفاته بين الشعر والقصة والرواية والفكر والسيناريو والمسرح تجاوزت 54 عملاً، أثرت الحياة الثقافية والفنية الجزائرية، تضاف إلى ذلك كتاباته وتعليقاته في مجال الرياضة، خاصة كرة القدم.

لقد اكتسب خبرة واسعة في الإدارة، وفي كيفية الاحتماء بالثقافة، بحيث لم تشكل لديه عملا تنظيريا، خاصة بعد أن تمكّن من تطويع مجالاتها المختلفة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الإعلام، وواضح أن منابته الأسرية مؤثرة في سلوكه لجهة التعامل مع وسائل ومع التيارات الأخرى المعادية، وهو ما يبدو جليا في مواقفه من الحملات الإعلامية التي شنّت عليه في مواقعه المختلفة، بما في ذلك الفترة التي كان فيها رئيسا للاتحاد العام للكتاب الجزائريين.

من قصيدة "الفراشة والمسوخ"
إهداء لروح الشهيدة سارة الموثق

لكِ ما شئتِ من الحلوى

ومن شدو العصافير

لك القصص التي تُروى

لأطفال يغنّونَ..

وللشمس التي تأتي..

لعاشقة بلا مأوى

لكِ النجوى

لك الفرحُ الذي أزهرْ

على بوّابةِ المرمرْ

ومثل “سلاحف النينجا”

لكِ الحلمُ الذي يكبرْ

لكِ العمرُ الذي يصحو

على غدهِ

وفي يدهِ..

بقايا طفلةٍ تجري

شوارعُها من العنبرْ

لكِ المجدُ الذي باعوهُ

في سوق الخياناتِ

لكِ الوطنُ الذي خانوهُ

وابتاعوهُ باللاّتِ

لهم إفكُ النهاياتِ

لهم من إثمهِم فتوى

فما الجدوى

يدُ الأطفال لا تُلوَى.

عزالدين ميهوبي

إذن تتقدم الثقافة على غيرها من جوانب الحياة لديه، لكنه يدرك أنها تحتاج إلى حماية ودفع من السياسة، لذلك نراه ينخرط في حزب جديد وليد جمع عناصر كثيرة من النخبة، وهو التجمع الوطني الديمقراطي، ويترشح للانتخابات البرلمانية، ويصبح نائبا في المجلس الشعبي الوطني، وقد كشفت مشاركته في العمل السياسي، وهو الذي كان يرأس تحرير “صحيفة الشعب” -الأقرب إلى جبهة التحرير، الحزب الوحيد الحاكم في مرحلة ما قبل التعددية ـ عن تغير في مواقفه السياسية، صحيح أنها ظلت متدثَّرة بعباءة الوطنية لكنها تبين أن صاحبها لم يعد ذلك الشخص الذي عاد إلى قواعده في مدينة سطيف، حيث أنشأ هناك مؤسسة إعلامية خاصة، هي مؤسسة أصالة للإنتاج الإعلامي والفني، وعنها أصدر صحيفة “الملاعب” وبعض الكتب الرياضية، هروبا من الإرهاب الذي اجتاح الجزائر، خاصة في العاصمة.

غيّرت المشاركة في العمل السياسي الحياة العملية لميهوبي، ذلك أن المناصب التي اعتلاها جاءت بعد انخراطه في حزب التجمع الوطني الديمقراطي. فبعد انتهاء فترة انتخابه نائبا في المجلس الشعبي الوطني بأربع سنوات، عيّن مديرا عاما لمؤسسة الإذاعة الجزائرية، وبعدها بسنتين، أصبح كاتب دولة للاتصال بالحكومة الجزائرية، وبعدها بسنتين، عيّن مديرا عاما للمكتبة الوطنية الجزائرية، وبعدها بثلاث سنوات، أصبح رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، ثم وزيرا للثقافة في 2015، أي أنه خلال تسع سنوات اعتلى خمسة مناصب هامة في الدولة، كلها ذات صلة بالإعلام والثقافة، ما يعني استمراريته في مجاله.

غير أن ذلك لم يشغله عن تطوير ذاته من الناحية الأكاديمية، حيث التحق بجامعة الجزائر ليحصل منها على دبلوم في الدراسات العليا المتخصصة، فرع الاستراتيجيا. المتابع لمسار حركة ميهوبي على المستويين العملي ـ الوظيفي، والمنتج المعرفي ـ الإبداعي، ينتهي به الأمر إلى جملة من الاستنتاجات، أهمها أن الوطن عنده يتقدم عمّا سواه في حالتي السلم والحرب، كما أن له حضورا في مشاريع حكومية أو خاصة، مثال ذلك ديوانه الشعري “في البدء كان أوراس”، ومسرحيته “زبانا”، وأوبريت “مواويل الوطن”، وأوبريت “قال الشهيد”، وأوبريت “ملحمة الجزائر”، وروايته “إرهابيس” وغيرها.

الوطن والانتماء والعرب

الدين الإسلامي والانتماءان العربي والأمازيغي، ثلاثية لا يقوم عليها الدستور ومواثيق الدولة الجزائرية فحسب، وإنما هي مؤثرات فاعلة في الشخصية الجزائرية، تحدد الهوية والتاريخ والمستقبل، من ذلك على سبيل المثال سيناريو المسلسل التلفزيوني التاريخي “عذراء الجبل” الذي يروي حياة البطلة لالا فاطمة نسومر.

أما الجزائر المعاصرة فهي برأيه غير متناقضة مع تاريخها، سواء القريب الشعبي أو البعيد النوميدي، بل إنها تستند عليه، وتتخذ منه مرجعية لمواجهة الحاضر، والحفاظ على الوحدة الوطنية، وله في ذلك العديد من الأعمال منها “سيتيفيس” و”حيزية” ومسرحية “ماسينيسا”. وللعرب حضور في معظم إبداعات ميهوبي وأحاديثه، ودائما يذكر في حواراته الصحافية لقاءاته مع نجيب محفوظ ومحمود درويش وسلمان العيسى والطيب صالح وغيرهم، ويتفاعل مع كل القضايا العربية بدءا من العراق، وليس انتهاء بتونس، وخير دليل على ذلك قصيدته الأخيرة “الفراشة والمسوخ” التي أهداها لروح الشهيدة سارة الموثق، التي اغتالها الإرهابيون.

رجل ثقافة أم رجل نظام

الدور الثقافي لميهوبي، قد لا يمثل إجماعا لدى المثقفين الجزائريين، ولا حتى المعربين منهم، لكنه محل تقدير وتقليد، ونموذج لتمنيات وآمال أبناء جيله. إنه ظاهرة ثقافية بكل المقاييس لجهة الإنجاز المتراكم والثراء، أما بالنسبة إلى التأثير، فتلك مسألة أخرى لا يمكن معرفتها في الوقت الحاضر.

نشاط ميهوبي أثار من حوله الكثير من الغبار. ولا تكاد تهدأ الأصوات التي تنتقد عمله وتحركاته، حتى تعلو من جديد، مبتدئة بمشاريعه الثقافية وغير منتهية عند استقباله للفنانة اللبنانية ماجدة الرومي. وكثيراً ما وصف منتقدو ميهوبي وضع وزارة الثقافة بالمفجع بسبب زعمهم استغراق الوزير في العمل الروتيني، نتيجة غياب المشروع الثقافي، حتى أن البعض وصفه بأنه “رجل نظام”.

يقول ميهوبي إن “المسافة بين الشاعر، الروائي الكاتب، والوزير هي المسافة نفسها بين النهر والساقية والعشب. لكلّ مكوناته، غير أنها مجتمعة تشتغل على تأثيث الطبيعة، والمسافة بين الشعر والرواية وبقية الأجناس الأدبية والإبداعية والمسؤولية بالنسبة إليّ غير محدّدة، هي ليست أفقيةً دائماً ولا عموديةً دائماً”. ويضيف “أشعر أحياناً أنها مسافة تنحني، تتقلص، تستقيم، لكنها في نسقٍ اعتدتُ عليه وألفتهُ حتّى أنه صار بإمكاني أن ألغي الحواجز بينها حتّى لا ينتقمَ الوزيرُ من الشاعر في داخلي، ولا ينتقم الشاعر من الروائيّ، ولا الروائي من الوزير، ويبقى المنتصر في كل الحالات هو الإنسان”.

13