عزام التميمي.. ترف التنظير الإسلاموي للبغضاء

جماعة "الإخوان" تتحاشى حقائق التاريخ الموضوعية، وتتطير منها، وتتعمد أن تنتقي نقاطا قصيرة مجتزأة، على مقاس ثقافة "الجماعة" التي تفتقر إلى الحس الاستراتيجي.
الجمعة 2020/04/10
واجهة إخوانية بلا تاريخ

في الرابع من الشهر الجاري توفي في عمّان ضافي الجمعاني أحد أبرز قيادات حزب البعث الأردنيين، الذين أذاقهم حزبهم، أو أُذيقوا باسم الحزب، عذابات السجون لسنوات طويلة. والرجل في الحقيقة من المُقدّرين في شخصه سلوكا ونوايا ورومانسية ثورية.

ولما كان علينا أن ننعى ضافي الجمعاني، باعتباره مناضلا عمل فترة من حياته أمينا عاما لفصيل منضو في إطار منظمة التحرير الفلسطينية يرعاه الحزب الحاكم في سوريا في أواخر الستينات؛ جاءنا في ذيل صفحة النعي رابط لقاء أجري مع الرجل الراحل على مدى ثلاث حلقات، بثته قناة “الحوار” اللندنية.

وكان الذي أجرى اللقاء معه لبرنامج “متابعات” مؤسس القناة عزام التميمي ذو الانتماء “الإخواني”. ومن خلال مشاهدة الشريط تبدى جليا منطق رموز الإسلام السياسي في فهم التاريخ، وهو على أي حال، منطق يتسم بتجزئة سياقات الحوادث واختزالها، وتلخيص كل تجربة في حدود جملة قصيرة أبعد ما تكون عن الموضوعية، يلقنونها للناشئة والأتباع على النحو الذي يوسع دائرة المضللين، وتؤدي الغرض المُضمر وهو التأكيد على فرضيات مُسبقة تنحو إلى تأثيم أي شخصية مرت في التاريخ العربي المُعاصر، وكان لها دورها النضالي والحرص على إنكار أي مأثرة لها، أو حتى أي سمة شخصية إيجابية. فلا يزال إعلام “الجماعة” يتمسك بالبغضاء لمن اصطدم مع “الإخوان” بالتزامن مع الاستهداف الاستعماري.

وكان الحديث مع ضافي الجمعاني مثالا، إذ جرى بطريقة أريد منها الاستفادة من المسافات الفاصلة بين مواقف القوى والأطراف الفاعلة قبل وبعد حرب العام 1967، وهي تتوافر بالنسبة للضيف، من خلال الفارق بين رؤية المجموعة الحاكمة في سوريا، وقد كان في قلب عصبيتها، في الفترة بين فبراير 1966 ونوفمبر 1970.

جرى الحوار مع رجل جاوز التسعين من العمر، وقد ظهرت عليه في اللقاء أعراض الشيخوخة ومنها النسيان، لاسيما وأن الجمعاني سُجن لما يزيد عن 23 عاما في سجن المزة وخمس سنوات قبلها في بلاده. أما التميمي الذي أجرى الحوار، فلم تكن لديه ثقافة تاريخية تؤهله لمحاورة أي ضيف في أحداث أصبحت من التاريخ. ولعل من تابع ذلك اللقاء، وكان قد اطلع على التاريخ أو عايش الأحداث، سيجزم أن التميمي لم يقرأ في حياته كتابا واحدا في التاريخ المعاصر، ولم يتوافر على متابعة برنامج وثائقي، مما يُعرض في قنوات التلفزيون الأخرى، على الرغم من كونه رجلا يقف على رأس قناة للتلفزيون.

ولا غرابة في ذلك، لأن التميمي ينتمي إلى جماعة “الإخوان” التي تتحاشى حقائق التاريخ الموضوعية، وتتطير منها، وتتعمد أن تنتقي نقاطا قصيرة مجتزأة، على مقاس ثقافة “الجماعة” التي تفتقر إلى الحس الإستراتيجي، وفي كل تجاربها، لم تنظر إلى معطيات الإقليم والعالم ولا إلى أوضاعه الوطنية الاجتماعية والسياسية نفسها. فهي تميل إلى الاجتزاء المُخل، والتقصد الدائم لسير الشخصيات الوطنية والقومية، والمحاباة اللافتة لسير آخرين عاشت “الجماعة” في كنفهم، واستمرت معهم لعقود ممتدة، ثم انقلبوا عليها لكنها لا تتعرض لهم بكلمة.

في هذه الثقافة، سيكون عدنان مندريس قدوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أعز وأعلى شأنا من هواري بومدين مثلا، أو الشيخ عبدالله السالم الصباح، أو الملك فيصل بن عبدالعزيز، بينما مندريس، وإن كان اعتمد على سكان الريف التركي، وساند مشاعرهم الإسلامية، الصوفية النقشبندية، لأنهم جمهوره، هو الذي أسس أوثق الروابط العسكرية والأمنية والاقتصادية مع إسرائيل، بعد أن تولى رئاسة الحكومة في العام 1950 وهو الذي ابتاع السلاح من تل أبيت، وأدخل تركيا إلى حلف بغداد، وحظي بالرعاية والإغداق عليه من الولايات المتحدة، في ذروة جموحها لملء الفراغ الأمني في الإقليم بعد تراجع بريطانيا.

الراحل ضافي الجمعاني في حديثه للتميمي كان متطيرا من النزعة الجهوية في الأردن. وهو كبدوي أردني ثائر في أواخر حياته، يريد أن يجتهد وأن يعلل أسباب هذه المشكلة وأن يُحيلَ إلى العنصر الفلسطيني، الوافد للأردن وليس المندمج فيه، أكثر من نصف الأسباب. ذلك علما بأن الضيف، كلما حاول التحدث عن تحفظاته حيال الحكم في الأردن؛ كان التميمي يغمغم ويريد دفع هذا السياق إلى الوراء. والمرحوم ضافي الجمعاني من جهته، أعرب في لقاءات أخرى مع غير التميمي، عن تقديره للشخصيات الوطنية والقومية في التاريخ المعاصر!

كان جزءا من السياق هو الذي دفعنا إلى هذه السطور. فقد حرص التميمي على تثبيت فكرة مغايرة تماما للواقع، وهي أن ياسر عرفات هو الذي منع امتزاج العنصر الأردني بالعنصر الفلسطيني أيام وجود قوات منظمة التحرير في الأردن. فعندما ألمح الجمعاني إلى مسؤولية فلسطينية عن عدم الاندماج، راقت الفكرة للمحاور وظل يشدها إلى الأمام، وربما هو الذي أوحى بها إليه في جلسة في منزل الضيف. وكان لافتا أن الرجل الذي بلغ من العمر عتيا -رحمه الله- لم يعد يتذكر تواريخ محطات مهمة في حياته، ولم يعد قادرا على استعادة معطيات المرحلة التي مر عليها أكثر من نصف القرن. فقد نسي أن العقيد الأردني بادي عواد هو الذي كان القائد الميداني لقوات فتح في أهم قطاعاتها العسكرية على الجبهة، ونسي أن العديد من كبار الضباط الأردنيين والشخصيات الأردنية، كانوا في تلك الأيام مع القوات الفلسطينية، وأن بعضهم استمر مع الفلسطينيين حتى وفاته، كاللواء محمد الروسان، الذي تسلم هيئة القضاء الفلسطيني. ذلك علما بأن ياسر عرفات، لم يكن طوال تجربته، معنيا بتحقيق أهداف في المجتمع الأردني، مثلما يريد الضيف الوحدوي، الذي كان يتمنى أن تنشأ في الأردن كتلة شعبية واجتماعية ثورية، لا تتوافر شروطها، لكي تباشر عملية كفاح مسلح لا تتوقف. لكن أي ذميمة يمكن أن يصطادها “الإخواني” ويلصقها بياسر عرفات، هي مربح له، دون أن يسأل نفسه، لماذا استنكفت “الجماعة” بعد حرب 1967 عن تأدية هذا الدور الغائب، وهي أكثر اندماجا بالمجتمع الأردني، وبينما جبهة القتال مفتوحة، و”الإخوان” مُنعّمون ويمارسون ترف التنظير الفقهي تتعلق بالشهداء وما إذا كانوا عند ربهم يُرزقون، أم فطائس لا أسف عليها!

لكن أكثر النقاط بذاءة، هي تلك الذي استشهد فيها التميمي بحديث سابق له في البرنامج نفسه، مع العقيد سعيد موسى مراغة (أبوموسى) الذي قاد مع موسى محمود العملة (أبوخالد العملة) تمردا على حركة فتح بإيعاز من المخابرات السورية. فقد ذكر التميمي أن مراغة أكد له بأن مجزرة تل الزعتر التي ارتكبتها القوات المسيحية الموالية لإسرائيل بإيعاز من النظام السوري؛ كانت من تدبير ياسر عرفات.

والسبب أن يرفع عرفات منسوب مظلومية الفلسطينيين لكي يحصل على دولة. فأي هراء هذا الذي يسوقه “الإخواني” الحقود الذي أخذته المكيدة إلى تصديق دمية تابعة للنظام الذي يصف جماعته بـ”إخوان الشياطين”؟

إن مثل هذا المنطق لا يستحق المناقشة، لاسيما عندما يصل الأمر إلى حد اتهام رجل شجاع أعلن بصوته على الملأ أنه اختار أن يكون شهيدا لا طريدا؛ بأنه دبر مجزرة لشعبه، لكي يحكم دولة. فماذا نقول عن مجازر الإسرائيليين في غزة أثناء تثبيت حماس حكمها فيها، إن قسنا على هكذا منطق سخيف، يروّج له التميمي ذو الموقع المتقدم في الإعلام “الإخواني”؟

13