عزة المقهور: المسار الدولي في ليبيا محفوف بالمخاطر

الحقوقية الليبية عزة المقهور ترى أن الليبيين كرروا خطأ النموذج العراقي بقانون العزل السياسي  وتقول: "المؤسسات القائمة فشلت في التوافق فكيف ستنجح في التصالح".
الجمعة 2018/12/21
الإجراءات الأمنية لا تزال هشة تقوم على وقف إطلاق النار وليس على جمع السلاح واجتثاث الإرهاب

بدأ العد التنازلي لمؤتمر الجامع في ليبيا المزمع تنظيمه بداية 2019 باقتراح أممي ويهدف إلى توحيد صفوف الفرقاء الليبيين وإنهاء الانقسامات الحادة والدفع لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في الربيع، ورغم الجهود الدولية لتأسيس مصالحة وطنية شاملة في ليبيا تؤكد الحقوقية الليبية عزة المقهور في حوارها مع “العرب” على أهمية أن تكون مفاتيح الحلول بأدوات ليبية إذ أن المقترحات الدولية لإنهاء الأزمة ستظل عصية على التطبيق في حال لم يتوفر مناخ التوافق بين القوى السياسية الليبية.

طرابلس - يكثف المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة جهوده لعقد المؤتمر الليبي الجامع مطلع العام 2019 في محاولة لتأسيس مصالحة شاملة. ورغم أهمية خطوة كهذه في المساعدة على وضع البلاد على طريق الاستقرار، لا تبدو الحقوقية الليبية عزة المقهور متفائلة بتحركات المجتمع الدولي في بلدها.

وتوضح المقهور، المحامية والعضوة في المجلس الوطني الليبي لحقوق الإنسان وأستاذة القانون الدولي، سبب عدم تفاؤلها، مشيرة في حوار مع “العرب” إلى أن المسار الدولي في ليبيا محفوف بالمخاطر، وبدلا من الإشادة به يجب مساءلته لأنه مسار معقد ولأنه صنيعة دول ذات مصالح متضاربة وهي الدول ذاتها التي تتدخل في ليبيا وتعيق الحل فيها.

الحل الدولي

تصف المقهور، التي كانت من ضمن فريق الدفاع في قضية لوكربي الشهيرة مع والدها رئيس فريق الدفاع كامل المقهور، مصطلح “المجتمع الدولي” بأنه مصطلح فضفاض يستخدم للتهويل والخداع وليس للعمل أو الحل، متسائلة عمّن يتحمل المسؤولية، تحديدا، في حال فشل هذا المسار الدولي. وتستحضر كمثال اتفاق الصخيرات (2015) الذي فشل، لكن ليس هناك طرف محدد -أو جهة معينة- يمكن مساءلته عن سبب الفشل.

تبعا لذلك، تعتقد المقهور أن العمل الدولي تتحدد مسؤوليته في الجانب المعنوي والسمعة الدولية فحسب، بما أنه لا أحد بوسعه أن يسائل المبعوث الأممي لأن عمله سياسي بالدرجة الأولى؛ كما أن المبعوثين الدوليين غالبا ما يقولون إن ما يقومون به ما هو إلا تنفيذ لرغبات الشعب ومؤسسات الدولة المبتعثين إليها.

وتصف المسار الدولي بأنه حقل تجارب لحلول قد تصيب وقد تخطئ؛ كما أن هذه التجارب  غالبا ما تخضع للتعديلات بما يتلاءم مع الظرف السياسي الإقليمي والدولي وما يحمل معه من خلافات واختلافات ومصالح. وتلفت إلى أن هذه التعديلات تفاقم الأزمات بدل أن تعالجها.

الليبيون لا يريدون فنادق ولا طائرات خاصة ولا ربطات عنق وروائح باريسية.. الليبيون يريدون ألا يكونوا مهمشين أو مهجرين أو لاجئين وألا يتحولوا إلى أقلية في بلادهم، يريدون أن يتعايشوا فيها دون سيطرة طرف على آخر وألا يستوطنهم الإرهاب والجهل

وترى أن المقترحات الدولية غالبا ما تكون نظرية مليئة بالقواعد العامة والأدبيات المستقاة من الاتفاقيات الدولية، لكنها عصية على التطبيق وتحتاج إلى تشريعات وأدوات وطنية ومحلية لتطبيقها.

وتضيف أن الحلول الدولية المقترحة ضعيفة وتطبق إما بتدخل دولي مباشر، أو بتوفر الأدوات الوطنية والإرادة الوطنية لذلك، وهو ما يتطلب توافرها أولا وأن تكون مكملة للإرادة الدولية، وهي فرضيات يصعب تطبيقها في الحالة الليبية على الأقل في المنظور القريب.

تغرق ليبيا في فوضى أمنية وسياسية منذ سقوط معمر القذافي في 2011. وتتهم عزة المقهور المؤسسات الحالية القائمة بالفشل في التوصل إلى التوافق والوصول بليبيا إلى بر الأمان، حيث فشلت في تفعيل المسار الديمقراطي الذي توقف في عام 2014.

وتعلق المقهور على مقترح المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا غسان سلامة بأن تجرى الانتخابات في ليبيا في ربيع 2019، بعد عقد المؤتمر الوطني، قائلة إن المؤسسات السياسية الراهنة عاجزة عن ذلك، حيث وصل الأمر ليس إلى تآكل شرعيتها فحسب بل إلى فقدان الثقة في أعضائها والتشكيك في مصداقيتها.

وتعتبر المقهور أن هذه المؤسسات المتآكلة لم تعد تمثل الشعب الليبي، وما عليها سوى تسليم السلطة بطريقة ديمقراطية، محذرة من أن يقود عجز هذه المؤسسات إلى انحسار المسار الوطني الديمقراطي أمام توغل المسار الدولي ليفرض الحل أو “الحلول” في ليبيا. وتستطرد معبرة عن أملها -كأي مواطن ليبي- في أن تتوصل المؤسسات الحالية إلى توافق حول خارطة طريق تنقذ البلاد من أزمتها، وأن تترك صفحة بيضاء في التاريخ الليبي، لا أن تخذل الشعب وتتنحى جانبا وتترك الطريق بالكامل للمسار الدولي كما يحدث الآن.

وتقول إن أضعف الإيمان أن تتشارك هذه المؤسسات المنقسمة ككتلة متناسقة أو متوافقة حتى على الحدود الدنيا مع المسار الدولي في المرحلة المقبلة، أي بخصوص المؤتمر الوطني الجامع، ولا تترك الطريق بالكامل للمسار الدولي بما يجعله يتحكم في مخرجات الحل الذي سيقوم على ترضية الأطراف الخارجية والمواءمة بين مصالحها والعمل على محاولة تخفيف الأزمة بأدوات ليبية ليس إلا.

وفي معرض ردها على شكل المصالحة التي تحتاج إليها ليبيا، ترى عزة المقهور أنها تكمن في منصات الحوار المتجددة والدائمة والمتواجدة في عمق الأرض الليبية. وما تحتاج إليه ليبيا لإنجاح المصالحة هو تنظيم منتديات (مرابيع) وتواصل دائم وحوار مستمر بين الليبيين، وهي آلية ليبية متطورة تدفع نحو الحوار وتقود نحو مصالحة مجتمعية حقيقية وشاملة.

عزة المقهور: المصالحة الوطنية  يجب أن تنطلق من عمق الأرض الليبية
عزة المقهور: المصالحة الوطنية  يجب أن تنطلق من عمق الأرض الليبية 

وتشير إلى أن الليبيين يريدون أن تجمعهم طاولة حوار واحدة في بلدهم، يريدون الاستعانة بأدواتهم التي لطالما استخدموها سابقا لحل خلافاتهم وأن يطوروها لاستيعاب ومواكبة الأزمة التي يعيشون فيها، مضيفة أن الليبيين لا يريدون أن يكونوا مهمّشين أو مهجّرين أو لاجئين، ولا يريدون أن يتحولوا إلى أقلية في بلادهم.

وتؤكد أن الليبيين يخشون العودة إلى أربعينات القرن الماضي، حين كانوا فقراء يعصر معدتهم الجوع، ويخشون أن يستوطنهم الإرهاب والجهل والفقر والمرض؛ هم يريدون أن يتعايشوا معا دون سيطرة ولا غلبة لطرف على حساب آخر، وهذا لا يتم إلا عندما يأتي القرار والحل من داخلهم، فكلما فقدوا قرارهم فقدوا بوصلتهم وتحكم فيهم الخارج، لذلك تؤكد المقهور أن نجاح المصالحة يستوجب أن تتم في ليبيا، بين الليبيين، وبإجراءات لوجستية ليبية.

قانون العزل السياسي

يعتبر عدد من المتابعين للشأن الليبي، ولتجارب العزل السياسي في العراق وفي غيره من الدول التي شهدت سقوط أنظمتها، أن اتخاذ مثل هذه القوانين خطأ يفسد التحول الديمقراطي، وهو ما تؤكده أيضا عزة المقهور التي ترى أنه كان على الليبيين أن يستوعبوا درس اجتثاث حزب البعث في العراق.

وتقول إن الليبيين احتضنوا النموذج العراقي بدلا من صده، لم يفكروا كيف أن تونس لم ترتض مثل هذا الطريق، ولا مصر، وهما دولتان تعرضتا للهزة التاريخية ذاتها التي تعرضت لها ليبيا، أي أحداث ما سمي بالربيع العربي. اليوم أصبح الخوض في هذا الموضوع مليء بالندم.. لقد استوعب الليبيون الدرس لكنه استيعاب متأخر.

وعن نجاح البعثة الأممية في مسألة الترتيبات الأمنية والإصلاحات الاقتصادية تشير المقهور إلى أن البعثة الأممية ليست من ينفذ هذه التدابير بل من يقترحها ومن يقدم الدعم الفني لها. وتستبعد أن تحقق البعثة نتائج أمنية أو اقتصادية ملموسة في ظل انقسام سياسي حاد ومستمر. وتؤكد أن هناك اليوم حاجة إلى حد أدنى من الوحدة السياسية والإدارية في ليبيا للقيام بمثل هذه الإجراءات.

وتساءلت كيف يمكن أن تحدث إجراءات اقتصادية وأمنية ولا توجد رقابة؟ فالجهة التي ستتكفل بذلك هي المجلس الرئاسي وحكومته، ولا يوجد من يراقبهما أو يوجههما أو يشرف عليهما. وتتساءل كيف لمثل هذه الإجراءات والتدابير العميقة أن تتخذ من جسم لا يخضع لأية رقابة؟ وتلفت إلى أن تآكل وعدم فاعلية المؤسسات التي أوكلت إليها هذه العملية سرّعا انتهاء ولاية بعض لجان المؤسسات السيادية الموكلة إليها هذه العملية في فترة الانتقال الديمقراطي.

وترى المقهور أنه من الضروري الإفصاح بشفافية عن التدابير الاقتصادية والأمنية، أو أن تجرى عملية تقييم دوري لها. واستحضرت عملية إغلاق حقل الشرارة النفطي حيث برر المجلس الرئاسي ذلك بالقول إنه سيؤخر في “الإصلاحات الاقتصادية”. وحسب المقهور كان من الأجدى أن يتم التعامل مع هذه الأزمة اقتصاديا وأمنيا، والبحث عن حلول ناجعة.

وتشير إلى أن الإجراءات الأمنية لا تزال هشة تقوم بالأساس على وقف إطلاق النار وليس على جمع السلاح وتنظيف المدن من الأسلحة الثقيلة وتفكيك الجماعات المسلحة وتسريحها وإعادة دمجها وتنفيذ التدابير الأمنية المنصوص عليها في الاتفاق السياسي.

وتشدد على أن استرداد الثقة في العملية الأمنية يتطلب الكشف عن مصير المفقودين والمختطفين وجمع المعلومات عنهم، وإطلاق سراح المحتجزين أو تسليمهم للسلطات القضائية، ومراجعة حالات الاحتجاز أو الاعتقال، والكشف عن حالات الاعتقال في أماكن احتجاز خارج مراكز التأهيل والإصلاح التابعة لمؤسسات الدولة. كما أنه من المهم اتخاذ تدابير وإصلاحات بشأن المهجرين واللاجئين بسبب النزاعات المسلحة وما نجم عنها من انتهاكات وتمييز، وفتح ملف اللاجئين غير النظاميين. وأكدت أن التدابير الأمنية تحمل بعدا إنسانيا وحقوقيا، وهو ما لا يجب أن يتم إغفاله.

تشترط عملية صياغة الدستور الليبي تحقيق مصالحة وطنية شاملة غير أن ما حدث هو العكس حيث كتب الدستور في ظل انقسامات كثيرة وعدم رضا شريحة من المجتمع. ولمواجهة التحديات التي تعيق إنشاء دستور ليبي يوحد كل الليبيين حوله تعتقد عزة المقهور أن الأمر بحاجة إلى وقت وأدوات محددة.

الدستور الليبي

بالعودة إلى الإعلان الدستوري، وتحديدا المادة 30 منه، تلاحظ المقهور أن عملية صياغة الدستور في ليبيا عملية معقدة وتتكون من حوالي سبع خطوات تبدأ بالإعلان الدستوري وتنتهي بإصدار الدستور من سلطة تشريعية منتخبة.

وتعتقد أن مشروع الدستور خطوة من الخطوات الأولية، لكن ما زال بحاجة إلى خطوات أخرى عملية ودقيقة، فالوصول إلى هذه الخطوة (مشروع الدستور) استغرق ثماني سنوات من عام 2011 (صدور الإعلان الدستوري) حتى عام 2018 (صدور مشروع الدستور)، غير أنه يصعب اتخاذ بقية الخطوات في فترة زمنية قريبة وبمؤسسات غير فاعلة.

وترى أن الجانب الإجرائي -وهو أساس الصناعة الدستورية ذاتها- مغيب على الناس، لذلك من المهم فهم واستيعاب الإجراءات لكي تتضح الرؤية.

ومن وجهة نظرها التعامل مع مشروع الدستور بروح التوافق وليس (التصويت) مهم جدا في هذه المرحلة، وعلى الجميع أن يكون منفتحا للحوار بما في ذلك هيئة صياغة مشروع الدستور نفسها وأن يكون مشروعها مسودة لحوار مجتمعي حقيقي وليس نهاية لصناعة دستورية، “لأنها فقط حلقة من سلسلة إجراءات أرى أنها ستتعثر لو لم يتم الانفتاح حول مشروع الدستور الحالي”.

فوضى أمنية وسياسية
فوضى أمنية وسياسية 

وتشير إلى أن ليبيا ظلت دون دستور، لذلك كان من أول مطالب ثورة فبراير الشعبية في 2011 تركيز دستور للبلاد. لذا فإن الاستحقاق الدستوري مسألة حيوية والتزام أخلاقي، وما زال الدستور الهدف والمبتغى للفترة الانتقالية.

يبدو حضور المرأة الليبية في مسودة الدستور المقترحة مخيبا للآمال. ويتسق رأي الحقوقية الليبية مع هذا الرأي مؤكدة أن تشريك المرأة الليبية مخيب للآمال ولا يعترف بنضالاتها.

وترصد المقهور أبرز النقاط التي تستدعي نقاشا فيما يخص حقوق المرأة في مسودة الدستور الليبي، مشيرة إلى أن المادة 6 من مشروع الدستور لا بد من أن تكون واضحة ومحكمة الصياغة حتى لا تخضع لتأويلات عديدة وتستخدم في غير صالح المرأة.

ولعل ما ذهبت إليه المحكمة العليا في تفسيرها للمادة 1 من الإعلان الدستوري الحالي (وهي أفضل حالا من المادة 6 من مشروع الدستور) وإلغاء القيد على التعدد في الزواج مثال على ذلك. كذلك ما تعرض له القانون رقم 10 لسنة 1984 بشأن الزواج والطلاق وآثارهما من تعديلات جوهرية من قبل المؤتمر الوطني العام بعد انتهاء ولايته، أفقد المرأة حقوقا وأضر بها وقلل من شأنها بإلغاء نصوص تنشد توازنا في العلاقات الأسرية وإصلاحا وسلما مجتمعيا بالمحافظة على مكانة المرأة وحقوقها، على سبيل المثال: خفض سن الزواج من عشرين إلى 18 سنة/ إلغاء شرطي العقل والبلوغ (هذا فتح الباب لزواج القاصرات) (المادة 6) وإلغاء شهادة المرأة (امرأتين) في عقد الزواج وقصرها على الرجل (المادة 14)، وتعديل المادة 28 الخاصة بالطلاق وبعد أن كان الطلاق لا يثبت إلا بحكم من المحكمة المختصة وفقا للقانون رقم 10 لسنة 1984، وأصبح وفقا للتعديل الصادر في 2015 “يقع بإرادة الزوج، ويثبت بالطرق المعتبرة شرعا”.

وتُنهي الحقوقية الليبية حوارها مع″ العرب” مؤكدة أن المرأة الليبية لا تستحق كل هذا الاحتشام والتردد بل والتقهقر في النصوص الدستورية التي تعنى بحقوقها، مشددة في الوقت نفسه على أن ضمان حقوق المرأة الليبية -التي تمثل نصف المجتمع تقريبا، ويمثل الشباب حوالي 70 بالمئة من عدد السكان- كما كل الليبيين بمختلف فئاتهم، أمر واجب ويتم من خلال التفكير الإيجابي وكيفية الاستفادة من هذه المرحلة الانتقالية ستفيد لتطوير المشروع وتجميع أكبر نسبة من التوافق حوله وتحويله إلى مشروع مصالحة حقيقية شاملة.

12