عزت القمحاوي: الكتابة سعي إلى الحب وبحث عن شريك

الخميس 2014/10/30
عزت القمحاوي: الإبداع فعل فردي، لذلك هو آخر مجال يمكن أن يتدهور

بنغازي- عزت القمحاوي صحفي وروائي مصري، يتأمل الحياة من خلال الرواية التي يعيش أبطالها عادة داخل فضاءات ضيقة، ولكنها تعج بالتفاصيل التي تمنح الرواية جمالها، أحيانا يتعاطف مع هذه الشخصيات التي يخترعها على الورق لإيمانه بأنه في الرواية لا يمكن التعاطف مع بطل بالمطلق، أو كراهيته بالمطلق.

سألته لماذا تكتب؟ فقال: «لا أعرف على وجه اليقين، ربما بسبب دناءة البوح، التي تعود إلى رغبة الروح في أن تكون خارجية، كما يعتقد شاعر البرتغال الأعظم فرناندو بيسوا»، وبمناسبة صدور طبعة جديدة من كتابه “الأيك في المباهج والأحزان” مؤخرا، حيث صدرت طبعته الأولى العام 2002، والتعاقد على ترجمة روايته “مدينة اللذة” إلى الإيطالية كان لنا معه هذا الحوار.


كتابة حرة


كتاب “الأيك في المباهج والأحزان”، والذي هو مجموعة من المقالات، قدم خلالها وجهة نظره ككاتب، وكان صوته واضحا بين السطور، عما إذا كانت تجهده الكتابة في مثل هذه الأعمال، يقول الروائي عزت القمحاوي: «إطلاقا، العكس هو الصحيح، فهذا النوع من الكتابة، يريحني، هذا ما أنا متأكد منه، وربما يريح رواياتي وقصصي معي، كان “الأيك” بداية خط في كتابتي، بعيدا عن السرد وقريبا منه في ذات الوقت. أثمر حتى الآن أربعة كتب، حيث أتبعته بـ”كتاب الغواية” و”العار من الضفتين” و”ذهب وزجاج”. وكلها يبدو فيها الجانب السردي، كما يبدو التأمل الذاتي والتنظير».

يعتبر الروائي أن “كتاب الغواية” رسائل حب مملوءة تأملات حول ولع الخلود الذي يحاوله الكاتب عبر نصه، والرسام عبر لوحته، والأمي عبر إنجاب الأطفال.

أما “العار من الضفتين” فيراه الفحماوي ريبورتاجا أدبيا عن ظاهرة مراكب الموت، التي يفرّ على متنها شباب مصر وغيرها من الدول العربية، هربا من الأوطان، فيها الاستقصاء الصحفي، والبورتريه الإنساني، والدراسة الاقتصادية.
السياسة في حالة موت، النشر ربما في حالة أزمة، لكن الكتابة لا، فلا الرواية ولا الشعر، ولا الحب في أزمة

وأما “ذهب وزجاج” فهو مجموعة من البورتريهات التي لا يفرق فيها الكاتب بين بشر من ذهب وبشر من زجاج، ويجمع فيها بين زعماء دول وبوابي عمارات ومجاذيب الشوارع.

نعود إلى البداية “الأيك”، وهو كتاب عن الحواس، لا يتناص مع التراث بقدر ما تتطابق طريقة كتابته مع كلمة “الأيك” التي تعني مجموعة الشجر الملتف. الكتابة في الأيك التفافية، تبدأ من التأمل، وتقفز إلى الاستشهاد بأعمال فنية، ثم يتوقف الكاتب ليحكي حكاية.

وبذلك فعمله كتابة حرة يستمتع بها الكاتب، ويراها مريحة، وسببا حتى في راحة سرده كذلك. ويؤكد أن هذه الكتابة تستهلك كل رغبات روحه في أن تكون مرئية، تأخذ رغبات التنظير، دناءة البوح، وإعلان الموقف السياسي. فحتى إذا بدأ نصا روائيا يبدأه مرتاحا، وينفذ فيه رؤيته للرواية، بوصفها لعبا خالصا، بحيث يكون كاتب الرواية غير موجود. لا صوت بارزا له داخل النص، ودون رغبة في التنظير أو التحيز أو الثأر.

يقول القمحاوي: «ولد “الأيك” بشكل غريب، كأنه إلهام مطلق، حتى أنني كنت أكتب فصلا في الليلة الواحدة، وأعود لأتأمله فلا أستطيع الإضافة أو الحذف. وكما قلت في مقدمته، ولد في نهايات عام 1999، وأفسد علاقتي برواية كنت أكتبها، نامت داخلي عشر سنوات ثم خرجت في صورة “بيت الديب”، لكن ما لم أقله كذلك، أنه أفسد محاولة جدية لتحسين علاقتي باللغة الفرنسية، كنت قطعت شوطا في دروسها وشغلني الأيك عن إكمال المسيرة.

ولأنني أعتبر الكتاب ملك مؤلفه طالما ظل حيا، فقد أجريت تعديلات في الطبعة الجديدة، وأضفت فصلا جديدا عن الحمّام (سيرة الشهوة والورع)، بالإضافة إلى الفصول الخمسة عشر السابقة حول الأصابع وأصوات الرغبة وروائح الحب وغيرها، وأظن أن طبيعة الكتاب تسمح ببقائه مفتوحا وقابلا للإضافة طوال العمر».

الرواية التفاصيل

الرواية فن ديمقراطي يمثل رغبة الروح في أن تكون خارجية

في روايته “غرفة ترى النيل”، نجد تفاصيل صغيرة وكثيرة استطاع من خلالها الإمساك بالقارئ طيلة أحداث الرواية، أو لنقل إشراكه في لعبة الكتابة. عمّا يشغله القارئ أثناء الكتابة، وإن كانت التفاصيل هي ما تصنع رواية ناجحة.

يقول الروائي عزت القمحاوي: «يكذب الكاتب الذي يقول إنه يكتب دون أن يضع القارئ في حساباته، فرغبة الروح في أن تكون خارجية، أن تعبر عن نفسها تعني الوعي بوجود آخر ستعبر أمامه. والكتابة من وجه آخر هي نوع من السعي إلى الحب. الرغبة في اصطياد شريك، هو القارئ في حالة الكتابة.

أما عن التفاصيل الصغيرة، فأنا أرى أنها جوهر الرواية، ولا رواية ناجحة من غير التفاصيل الصغيرة. وعندما أقول ناجحة، فإنني أعني بالضرورة الرواية القادرة على الحياة، التي يمكن أن يعود إليها القارئ مرات متعددة. وهذا النوع قليل في تاريخ الأدب».

هناك من يرى أن الروائي متواجد في شخصياته الروائية حيث هو يخترعها، يعيشها، بمعنى أن يكون له وجود متوار في عالم شخصياته ويتعاطف مع أحدها، يؤكد عزت القمحاوي أنه تعاطف يوما، وأنه لم يكتب إلا عمن يحبّهم. ففي رأيه لا أشرار أو أخيار في الرواية، لذلك فهي فن ديمقراطي. لا يمكن أن يكون كاتبا من لا يمتلك رحمة تشمل كل شخصيات روايته.

عن أزمة الكاتب والقارئ يقول الروائي:«لا أحب هذه الكلمة “أزمة”، لأنني فتحت عينيّ على أزمات لا تنتهي. الإبداع فعل فردي، لذلك هو آخر مجال يمكن أن يتدهور. العلم عمل جماعي مؤسسي، لذلك فهو في أزمة، السياسة في حالة موت، النشر ربما في حالة أزمة، لكن الكتابة لا، فلا الرواية ولا الشعر، ولا الحب في أزمة».

عن الصحافة والرواية، وإن كان يمكن للروائي عزت القمحاوي أن يترك الصحافة لصالح الكتابة الروائية، يردّ قائلا: «أحب ذلك، لكن لا حجم القراءة ولا فوضى عالم النشر، يسمحان للكاتب العربي بالتفرغ لإبداعه. عندما كنت شابا حاورت أمين معلوف، ولم يكن قد أصدر بعد سوى كتابين، وسألته: كيف لم تكتب حرفا في الأدب في بيروت، ثم ظهرت فجأة بعد الأربعين في الفرنسية؟ وأتذكر إجابته جيدا، قال: كل إنسان عربي هو مشروع ضحية، كنت مشغولا بالعمل في أكثر من مكان ببيروت محررا اقتصاديا، وعندما هاجرت، كان دخلي من مجلة فرنسية واحدة كافيا، فوجدت الوقت لكتابة “الحروب الصليبية”، ومن عائدات أول كتاب صار عندي ستوديو خاص للكتابة وتمكنت من التفرّغ لها تماما».

هكذا يظن القمحاوي أن كثيرا من الأدباء العاملين بالصحافة يتمنون أن يتفرغوا، لكن لا دخل الصحافة، ولا عائدات الروايات يكفيان لعيش كريم، باستثناء عدد محدود من هؤلاء وأولئك، لأسباب غير مهنية بالتأكيد.

15